النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: العروض الرقمي

  1. #1
    كاتب ماسي
    الصورة الرمزية عبدالستارالنعيمي
    تاريخ التسجيل
    May 2013
    الدولة
    Australia
    المشاركات
    385

    العروض الرقمي


    العروض الرقمي

    لم يكتف خصمنا بتجنيد الشعراء والأدباء لتغيير وطمس التراث العربي عبر تخليق الشعر (الحر)أو التفعيلة؛بل سعى لقلع وتخريب أساس هذا التراث من الجذور؛فهيّأ عملاءه ودربّهم على المكر والخديعة والخذلان ؛ثم رفعهم كما فعل بشعراء التفعيلة-بواسطة أبواق الإعلام الصارخة في آذان السذّج من الشباب ؛رفعهم إلى واجهات العروض العربي البارزة ليطمسوا العروض الأصيل وليأتوا بكل مستحدث هزيل البنية متزحزح المقام
    اقترح جلال الحنفي (في القرن العشرين) عروضا رقمية تعد أول خروج عن نظام الخليل وقد رمز للمقطع القصير فيها بالرمز 1 وللمقطع الطويل بالرمز 2 والمقطع المديد بالرمز 3

    ولقد كتب وعوض التفاعيل بالأرقام محمد طارق عام 1971م
    ثم أحمد مستجير وضع كتاب(في بحور الشعر: الأدلة الرقمية لبحور الشعر العربي، عام 1980)
    ثم عبدالعزيز غانم ألف كتابه العروض الرقمي
    ومثله خشان محمد خشان

    لفد اتخذ الإنكليزي في الأعاريض الغربية الكمي منها والنبري الرقم 1 والرقم 2 لوزنها ؛وهذا ما اقتبسه منحرفو العروض الرقمي وطبقوه على الشعر في العروض العربي ليطمسوا تفاعيل الخليل في محيط الماضي ويبرزوا العروض الرقمي الذي لا يمت إلى الحس والحياة اللتان تتدفقان في الشعر العربي
    إن الشعر شعور وجداني يفيض به نبض الإنسانية فينطلق من بين اثنين وثلاثين سنّا ولسان وشفتين بعدما مخاض غير قصير عبر القلب والحلقوم؛فإذا أردنا ترجمته على الورق لا ينبغي لذاك النبض أن يوأد أويخنق بمنديل الرموز الرقمية تلك التي لا حياة فيها ولا فائدة إلا إذا زوجّتْ بأجساد دون أرواح؛فالأرقام ابتكرها الإنسان للتعبير الجامد في الموضوعات العلمية البحتة وهي دلالات نسبية غير ثابتة على شيء معيّن؛بل إنها مشتركة للتعبير بها عن أكثر من مليون شيء في آن واحد؛مثلا الرقم 2 نرمز به لكتابين-قلمين-غرفتين---وهكذا نجد الأرقام لم تكن لغة للأرواح إنما هي لغة الأجساد المادية يحاكى بها الجوامد وليس روح الشعر الرهيفة؛ هي وسيلة للتعبير عن عدد الشيء وليست علما قائما بحد ذاته؛وحتى لو كانت علما فهو علم جامد لا تستمرئه الروح عند خلجاتها وشجونها للتعبير بها إذ لم نسمع أو نقرأ عن إنسان تعرض لنكبة فقال وا اثنيناه وا اثنيناه---
    إن الشاعر الأوليّ حتما كان لديه الأداة التي يزن بها شعره وينقيه من الشوائب والكسور ؛ولكن نستبعد أنه كان يستخدم الأرقام لذلك؛ حتى جاء الخليل في عام 100هـ فوضع موازين البحور العربية للشعر بعقلية فذّة وبرؤيا شاملة فنراه أيضا لم يستخدم لغة الأرقام الجامدة—لماذا؟
    لأنه يتعامل مع كلمات رقيقة جذابة مليئة بشهد اللسان وعطور الروح النقية والبيان لا مع الطابوق والإسمنت والمداخن الصناعية التي تفوح منها روائح الموت القذرة والدخان
    صحيح نحن في عصر ورقي وأكتب شعري منتظما على الورق لكن الشعر ليس نثرا كي أجلس أمام الطاولة وأكتبه؛بل الشعر أكبر مما نتخيله إنه هبّات خيال ناعم لا ندري متى يدركنا ومتى يغيب؛ولو كنت في عمل يومي بعيدا عن الطاولة والورق وجاء الإيحاء الشعري يطاردني فبماذا أقيس كلماتي لتكون موزونة؟هل أقول؛223 بلا إيقاع روحي وتناغم خيالي ليستقيم الوزن؛أم أردد ؛مستفعلن مستفعلن مستفعلن لتبدأ الكلمات والأشياء من حولي بالتراقص الإيقاعي والاهتزاز المنتظم
    الفرق بين الكلمة الخارجة من الشفاه وبين التي تكتب على الورق هو كالزهرة الريانه تهتز من نسيم عليل والزهرة الذابلة على رصيف الحديقة تسحق بالأحذية دون أن تشعر؛
    فما الذي نجنيه من الزهور بعد موتها؟وهل الشعر إلا أداة تستنطق الموتى!
    هذه هي الفروق بين العروض الخليلي والرقمي من الناحية المعنوية؛أما من الناحية التطبيقية فلا يزال تدريس وتعليم العروض الخليلي قائما في المدارس الإعدادية والعالية على قدم وساق وهم يرددون التفاعيل الخليلية ثم أبيات الشعر وبشكل جماعي وطبيعي وهل يعقل ترديد الأرقام محلها!
    لقد جوبه العروض الرقمي شأنه شأن الشعر الحر بالرفض والاستياء من أصحاب الأقلام الأصيلة المنصفة وهم يعلنون رفضه لما فيه من أخطاء وشذوذ عن منهجنا العربي غير آبهين لنفخ النافخين في أبواق الدعاية والإعلان عبر الوسائل الأجنبية المشبوهة والعميلة المنبوذة

    --يتبع



    ساهم معنا في نشر الموضوع


  2. #2
    كاتب ماسي
    الصورة الرمزية عبدالستارالنعيمي
    تاريخ التسجيل
    May 2013
    الدولة
    Australia
    المشاركات
    385

    لقد حاول خصوم العروبة والإسلام أن يطمسوا كنوز لغتنا الثرية عبر كتابات المستشرقين وتجنيد بعض من رواد الأدب والشعر وعروضه لولا أن تصدّتْ لهم أصحاب الأيادي الوضيئة الحريصون على الاحتفاظ بلغتهم الجميلة وتراثهم الأصيل ؛فما أخبثهم وما أخبث عميلهم عميد الأدب –كما لقبوه- وهو يكذّب كتاب الله تعالى أصدق كتاب وأتم قول:
    (ليس ما يمنع قريشا من تقبل هذه الإسطورة التي تفيد أن الكعبة من تأسيس إسماعيل وإبراهيم كما قبلت روما قبل ذلك ولأسباب مشابهة أسطورة أخرى صنعها لها اليونان تثبت أن روما متصلة بإيناس بن بريام صاحب طروادة)
    وهذا هو السياب يتجاوز مقامه الدنيء ويكفر بالله خالقه:
    (فنحن جميعا أموات
    أنا ومحمد والله
    وهذا قبرنا أنقاض مئذنة معفرة
    عليها يكتب اسم محمد والله
    على كسرة مبعثرة من الآجر والفخار)

    أليس من واجبنا أن نتصدى لهم ونجردهم على حقيقتهم أمام أنظار شبابنا المؤمن ليكونوا عبرة لمن اعتبر؟
    يقول طه حسين:
    "فأنت ترى أن منهج ديكارت هذا ليس خصبا في العلم والفلسفة والأدب فحسب؛وإنما هوخصب في الأخلاق والحياة الاجتماعية"
    طه حسين من أوائل المتأثرين من العرب بحضارة الغرب؛فسلك سلوك أدبائهم في الشك(أريد أن أصطنع في الأدب هذا المنهج الفلسفي الذي استحدثه ديكارت) في كل ما حوله من أدب قديم متخذا مذهب ديكارت مسندا له وما أن رجع من أوربا حتى ألّف كتاب"الشعر الجاهلي"الذي أنكر فيه الشعر الجاهلي وموروث الأدب العربي غير حافل بسخط الساخط ولا مكترث بازورار المزور كما يقول وهو لا يعلم أن إعجاب الأديب ببحثه وبكتابته وإيمانه بهما إيمانا مطلقا لا يكسبانهما ذرة من الحقيقة .
    أنا أتساءل هنا أليس على الأديب الذي ينكر تأريخ أمته وأدبه أن يتنحى عن الأدب وأن يحذف"عميد الأدب العربي" من قاموسه إذا كان هو القائل(فهم-أي جماعته-ينتهون إلى تغيير التأريخ العربي أو ما اتفق الناس على أنه تأريخ)
    و(هم –أي اتباعه-لا يعرفون أن العرب ينقسمون إلى باقية وبائدة وعاربة ومستعربة ولا أن امرئ القيس وطرفة وابن كلثوم قالوا هذه المطولات)! وأيضا يقول(لا أشك في أن ما من الشعر الجاهلي الصحيح قليل جدا لا يمثل شيئا ولا يدل على شيء ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الأدبية الصحيحة للشعر الجاهلي)؛فأين عميد الأدب من الشعراء المخضرمين الذين اعتنقوا الإسلام مثل حسان بن ثابت وكعب بن زهير وكعب بن مالك والنابغة الجعدي وعبدالله بن رواحة ومتمم بن نويرة ولبيد؛فهل هؤلاء الشعراء نبغوا جميعا عند إسلامهم فقالوا الشعر؛بل أين هلوسة طه حسين من القرآن الكريم حين يصف الشعراء بأنهم في كل واد يهيمون أم يريد طه حسين أن ينكر حتى التأريخ الإسلامي ؟!
    لقد أكسى سربال "مرغليوث"جسد وكبد "عميدنا" طه حسين؛فلنرى من هو مرغليوث؛
    هو دافيد صمويل مرغليوث،(1858م-1940) إنجليزى يهودى، من كبار المستشرقين، متعصب جدا ضد الإسلام، عين أستاذ للعربية في جامعة أكسفورد له كتب عن الإسلام والمسلمين، لم يكن مخلصاً فيها للعلم أبدا ؛مات سنة 1940م من مؤلفاته : "التطورات المبكرة في الإسلام"، و"محمد ومطلع الإسلام"، و"الجامعة الإسلامية" وغير ذلك؛وهو أول من أنكر على العرب أشعارهم في العصر الجاهلي في كتابه(أصول الشعر العربي)فبذلك يكون هذا اليهودي هو العرّاب لدكتورنا عميد الأدب العربي طه حسين الذي قاد حركة التغيير الأدبي في البلاد العربية ؛ولا شك أنه كان للإعلام الغربي والشرقي-المناهض للعرب-دورا بارزا في توصيله للعمادة لما طبلوا وزمروا لكل مستحدث يلغي حضارة وتراث أمتنا المجيدة
    ولأنهم درسوا تأريخنا وعلموا حجم تأثير الشعر الجاهلي على أدب أجيالنا عبر التأريخ؛لذلك بدأت محاولاتهم -منذ القرون الماضية حتى اليوم-لطمس تراث الشعر العربي
    فجنّدوا لعملهم هذا جل من يبرز على الساحة الأدبية فأسندوه ودعموه ماديا واجتماعيا وإعلاميا لكي ينفذ مآربهم على أتم وجه
    وإذا تتبعنا هؤلاء النفر في تأريخهم الأسود نجدهم يلتقون في هذه النقاط:
    آ-من البارزين على الساحة الأدبية
    ب - من أصحاب الشهادات الجامعية أو الفخرية
    من الذين سافروا إلى دول الغرب أو الشرق ؛وهناك احتضنتهم الأحزاب الماسونية أو الشيوعية فأصبحوا عملاء لها
    ج-لا يكون نتاجهم الأدبي إلا حديثا أو خارجا عن المألوف الاجتماعي والديني واللغوي:
    (لأنني أحبّك،يحدث شيء غير عادي
    في تقاليد السماء،يصبح الملائكة أحرارا في ممارسة الحبّ،ويتزوج الله حبيبته)
    هذا من الشعر الوقح الحديث لنزار قباني إن كان يسمى شعرا؛وقوله:

    أريد أن أسأل:
    يا الله..
    هل أنت قد صاهرتهم
    حقاً؟..
    يصبح صهر الله ؟؟
    أريد أن أسأل:
    يا الله..
    هل أنت قد صاهرتهم
    حقاً؟..

    د - يدافعون عن مذهبهم الحداثي بكل قوة وإيمان غير آبهين للغير في مسيرتهم وكأنهم يتباهون بخلفيتهم الأجنبية؛فاقرأ بعض أقاويلهم عن نتاجاتهم(هذا نحو من البحث عن تأريخ الشعر العربي جديد؛لم يألفه الناس عندنا من قبل وأكاد أثق بأن فريقا سيلقونه ساخطين عليه؛وفريقا آخر سيزورّون عنه ازورارا. ولكني على سخط أولئك وازورار هؤلاء أريد أن أذيع هذا البحث)
    فانظر للعبارة الأخيرة المتهكمة وعدم قبوليتها في الأدب إذ لو يعلم الأديب برفض المتلقي لما يكتب فلمن يكتب!

    هـ - من ينتقدهم يكن في مصاف الجهلة حسب نظرتهم ؛ويوجهون أسماعهم نحو من يصفق لهم فقط ذلك ما يعزز لديهم القناعة بأنهم هم المنتصرون دائما ؛فاقرأ ما يكتبه بعضهم على صفحات نقد نتاجاتهم في العروض الرقمي:
    (هناك طائفتان لا ينبغي أن نرد عليهما، ولا ندخل في حوار معهما؛الطائفة الأولى التي تزعم أننا نخرب اللغة وأننا عملاء لأعداء الأمة.والطائفة الثانية التي لا ترى من الرقمي إلا أنه شكل بلا مضمون.)
    و-الدعاية والإعلان الكاذب أبرز نشاطهم؛وهو أسلوب الأحزاب الماسونية والشيوعية العالمية فهذا قول لهم يشهد له التأريخ بالتبجح بالكذب(اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس)
    وفي فضائيات عصرنا خير دليل؛حيث الإعلانات الكاذبة لتحقيق الباطل مقابل المال الحرام لأصحاب تلك الفضائيات.


    إن الشعر أوالأدب العربي لسان أمتنا فلا نسمح بقطعه ونظل ننافح عنه وننافح أعدائه كي لا تولد أجيالنا خرسانا لا من طرش؛بل من فقدان ألسنتهم

    يتبع--





  3. #3
    كاتب ماسي
    الصورة الرمزية عبدالستارالنعيمي
    تاريخ التسجيل
    May 2013
    الدولة
    Australia
    المشاركات
    385

    ولقد حاول البعض الانخراط في سلك الحداثة ليُلبس الشعر والأدب العربي ثياب الأدب الغربي متسابقا مع الزمن الحديث؛ فحداثة القصيدة أو القطعة النثرية ليست مماشاة لتقليعة، أخاذة، شائعة؛ هذه المماشاة قد يكون لها سحرها المؤقت، لكنها بضاعة مستوردة سريعة الافتضاح لا تمت إلى تراث أمتنا بصلة.
    والخروج على نظام البيت الواحد في الشعر في حدّ ذاته، لا يضمن للقصيدة جدّتها؛ بل إحساس الشاعر، أو إدراكه للحياة ، ووعيه للعالم من حوله وعياً جماليّاً مغايراً وجِدّة القصيدة ليست في الجلد الذي ترتديه،بل في روحها الجديدة ، وفي توترها الجماليّ، وفرديتها الفريدة التي تحصنها ضد التماثل
    ومن هنا ليس من المتاح لكلّ شاعر أن يكون جديداً حقّاً، حتى لو كانت قصيدته قد امتثلت لكل متطلبات الحداثة المتداولة، أو الشائعة؛ لأنّ حداثةً كهذه لا تعدو كونها حداثةً جاهزة تقع خارج عذابات الروح، ولا تمس من الحداثة إلاّ ضواحيها البعيدة أو قشرتها الخارجية. وهكذا فإن الشعر، في كثير من الحالات، ليس صفة للنص. إنّه جمال آسر لسحر لا يستيقظ إلاّ على يَدَيْ شاعر مقتدر. والقصيدة المتحققة هي ما تتلقاه اللغة من فيض الروح، واندفاعات الخيال الخصبة المحيرة لا من السير وراء قطار الحداثة المزركشة إذ ربما يهوي هذا القطار سريعا في أعماق المتاهة والنسيان
    والأدب هو الصورة المقابلة للتراث الثقافي في كل مجتمع أو أمة؛لذلك يسعى المحتلّ لبلد ما أن يطمس أدبه بكافة وسائله الشائنة من إحراق وإغراق الكتب وغيرها من الوسائل الإعلامية وتجنيد العملاء لماذا؟ لأنه (الاستعمار) يعلم أن مقاتلته تكون بخناجر الشعراء والأدباء عاجلا أم آجلا.
    الانحراف عن الأصل
    لقد تجلّت أولى المحاولات الشعرية إلى التجديد في الشعر الأندلسي؛فتوجّت محاولاتهم تلك بابتكار نمط جديد لم يألفه الشاعر ما قبل الإسلام ذلك هو الموشح الذي يمتاز بجمالية الحرف والقالب العربي يقول ابن خلدون:
    "وأما أهل الأندلس فلّما كثر الشعر في قطرهم وتهذَّبت مناحيه وفنونه، وبلغ التنميق في الغاية،استحدث المتأخرون منهم فنَّاً سموه بالموشح ينظمونه أسماطاً أسماطاً وأغصاناً أغصاناً،واستظرفه الناس جملةً، الخاصة والكافَّة، لسهولة تناوله وقرب طريقه...
    وكان المخترع لها بجزيرة الأندلس مقدم بن معافرالفريري ، وأخذ ذلك عنه عبد االله بن عبد ربه صاحب العقد الفريد"
    وقد وافقه في هذا الصلاح الصفدي 76هـ في الوافي بالوفيات
    أوزان الموشحات لا تخلو من أن تكون مجارية لأوزان الشعر العربي، عند ابن زيدون وغيره،و لفيدريكو مقال يتحدث فيه عن دعوى بعض المستشرقين من أن عروض الموشح من أصل أسباني يقول:" إن العلماء العرب مع طول اطَّلاعهم على التوشيح والزجل لم يروا فيهما غير استنباط أندلسي طريف كانوا يعدونه من مفاخر أهل الأندلس ... أما العلماء الغربيون فإنهم لما تعرفوا على وجود الفنين في أواخر القرن الماضي،واطَّلعوا على عدد من نماذجهما في المخطوطات المشرقية قبل المغربية، وكان رائدهم في ذلك الألماني هارتمان، فسرعان ما لاحظوا الفوارق البنيوية بينها وبين الشعر العربي المقصد؛فتبادر إلى عقول بعضهم أنها ترجع إلى أن أصلها أندلسي ،
    وظن بعضهم أن مصدر ذلك الاستنباط الغريب إنما هو بقاء تراث عربي أسباني قديم ذي شأن عظيم في بلاد الأندلس بحيث أن العوام من الملل الثلاث المسلمين والنصارى واليهود ظلوا يؤلفون ويغنون أغانيهم الرسمية والشعبية بأعاريضها الأصلية وأغانيهم الخاصة بهم، ثم أتى بعض الشعراء الأندلسيين المعجبين بها فنسجوا على منوالها الموشحات في مرحلة أولى بلغة الموشحات الأندلسية؛بلغة وعروض عربية فصيحة ما عدا خرجاتها العامية أو الأعجمية، ثم تجاوزوا ذلك المقدار من الجرأة في التحرر من قيود التقاليد في مرحلة ثانية، على أن غارسيا غوميز كان قد شطَّ في هذا شططاً لم يكن من اليسير التغاضي عنه عندما اقترح تقطيع الموشحات بأعاريض غير عربية
    ودخل فيديركو كورنتي في تفصيل طويل لهذه الأقوال غير أنه خلص إلى الآتي:" قال"فيتبيَّن من هذا القول أن الزجل القديم كان عبارة عن دوبيت يقوله الشعب بالعامية أو بالأعجمية ببنية عروضية خليلية محورة من القرن الثالث فصاعداً على الأقل، كما يثبته تقطيع ذلك الزجل الراجع إلى سنة 300 هـ، إن ابن بسام قال الحق وأفادنا خبراً كان يكفينا لمعرفة حقيقة هذا الأمر لو لم تتسلَّط علينا الهواجس عندما قال عن مخترع التوشيح محمد ابن محمود بن القبري الضرير أنه كان يصنعها على أشطار الأشعار غير أن أكثرها على الأعاريض الخليلية المهملة غيرالمستعملة، يأخذ اللفظ العامي والعجمي ويسميه المركز ويضع عليه الموشحة.. أي أن عروضه خليلي إذ إن الأعاريض المهملة جزء من العروض الخليلي، وإن قلَّ استعمالها كما قال سيد غازي في كتابه " أصول التوشيح" وأن المركز أو الخرجة كلام عامي أو أعجمي موزون بالعروض الخليلي ". وليت سائر المستشرقين تحلَّوا بروح الإنصاف التي تحلَّى بها كورينتي، فقد عرض المستشرق إميليو غارسيا غومث في كتابه ""الموشحات الأندلسية والعروض الأسباني لسبعة ألوان من إيقاعات الشعر وموسيقاه أراد بها ضم الموشَّحات التي يضمها "جيشُ التوشيح" للسان الدين ابن الخطيب إلى العروض الأسباني وهكذا نجد أنفسنا أمام فريقين متنازعين في نسبة الأوزان وأكثرهم من المتعصبين للحضارة الغربية،وقليل منهم من تحلوا بروح الإنصاف.
    الشيء الأهم هنا ؛أن الموشحات لم تخرج عن القالب العربي في البناء النحوي والعروض الخليلي؛فلقد كان التجديد في شكل القصيدة وليس في تغيير ترابط التفعيلة مع أخواتها ضمن القصيدة الواحدة أو ترك القافية المنتهية بالشطر والعجز كما جاء كل ذلك في نظام الشعر العمودي الأصيل
    إن الفرق بين التجديد والتغيير واضح جدا؛فالتجديد هو؛ كالترميمات التي تجرى على دار سكن مثلا وبعد مرور حقبة من الزمن عليها؛يجدد طلاؤها أو ملاطها أو غير ذلك…
    أما التغيير؛فهو تغيير خارطة الدار من الأساس وذلك بردم البناء القديم وإنشاء دار حديثة عليها؛ذلك ما حصل للشعر العربي على أيد قذرة لا تعرف الشعر حق معرفته سوى إنهم اندمجوا في دوامة التغيير المفبركة من قبل السلالات الحاقدة على الإسلام عامة وعلى العرب خاصة؛فوظفت كل طاقاتها من أجل طمس حضارة ومجد العرب بدوافع دينية أو حزبية أو شوفينية ضيقة
    بدأت محاولاتهم تلك مع حملات الغزو والاحتلال في أواخر الحكم العباسي ودخول التأريخ العربي الإسلامي في فترتها المظلمة؛ فأحرقت الكتب وأغرقت مكتبات كبيرة في أمواه دجلة على يد المغول وما تلتها من غزوات ارتدادية على معاقل المسلمين ولا تزال إلى يومنا هذا 20015م
    إن محاولات شعراء (الحر) يراد به فك عمود الشعر العربي على منوال الشعر الغربي الذي يماثل النص النثري؛ وتجريد القصيدة العربية من القافية وهاتان الصفتان هما القاعدة المترسخة التي أرساها الشاعر العربي والفرق جلي بين الشعر والنثر
    فالمَنْظُومٌ : مُرَتَّبٌ ، مَضْمُوم بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ ، الْمَنْظُوم : شِعْر ، كلام موزون مُقفًّى ، خلاف المنثور .
    والمَنْثُور : مُتَفَرِّق ، مُتَشَتِّت ذهَب هباءً منثورًا : انتهى إلى لا شيء ، كَلاَم مَنْثُور : الكَلاَمُ الْمَكْتُوبُ نَثْراً عَكْسُ الْمَنْظُومِ
    ومما جاء في كتاب سر الفصاحة لابن سنان الخفاجي في التمييز بين الكلام المنظوم والمنثور :
    ما يقال في تفضيل أحدهما على الآخر :
    حد الشعر : هو كلام موزون مقفى يدل على معنى ، وقلنا: كلام ليدل على جنسه ، وقلنا : موزون لنفرق بينه وبين الكلام المنثور الذي ليس بموزون ، وقلنا : مقفى لنفرق بينه وبين المؤلف الموزون الذي لا قوافي له ، وقلنا : يدل على معنى لنحترز من المؤلف بالقوافي الموزون الذي لا يدل على معنى .
    وسمّي شعراً من قولهم شعرتُ بمعنى فطنت والشعر الفطنة كأن الشاعر عندهم قد فطن لتأليف الكلام، وإذا كان هذا مفهوماً ما فأقل ما يقع عليه اسم الشعر بيتان لأن التقفية لا تمكن في أقل منهما، ولا تصح في البيت الواحد لأنها مأخوذة من قفوت الشيء إذا تلوته، وقد ذهب العروضيون إلى أن أقل ما يطلق عليه اسم الشعر ثلاث أبيات وليس الأمر على ما ذهبوا إليه لأن الحد الصحيح قد ذكرناه وهو يدل على أن البيتين شعر، فأما اعتلال بعضهم بأن البيتين قد يتفقان في كلام لا يقصده قائل الشعر ولا يتفق ثلاثة أبيات فيما لا يقصد مؤلفه الشعر فاعتلال فاسد، لأنه إن كان يريد بالبيتين مثل قول امرئ القيس :
    قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل *بسقط اللوى بين الدخول فحومل
    فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها**لما نسجتها من جنوب وشــــمأل
    فهو شعر؛فالشعر بيّن والنثر بيّن لأولي الألباب؛ولكن أين لبّ الذي يطلق على النثر قصيدة!يكتب نثرا ويسميه بقصيدة النثر
    نحن لسنا ضد التجديد والتطور في القصيدة العربية؛بل تواقون لذلك التجديد الذي يشمل هيكلة ولغة القصيدة دونما تغيير في قالبها الشعري المبني على تساوي التفاعيل والتقفي المنتظم؛فالأندلسيون جددوا في الموشح من غير هجر العمود بل أعادوا التركيب ونوعوا في القوافي دون ترك فكان الموشح صورة لواقعهم ؛ وكان قالب الموشح قالبا موسيقيا محكما
    إن أولى حملات التغيير المفبركة في الشعر كانت في أواسط القرن التاسع عشر حيث التراجم الكثيرة لشعر الغرب ومؤلفات المستشرقين الهادفة لوأد الأدب العربي وزيارات أرباب الأدب العربي لأوربا وأمريكا وغيرها ؛ثم انتشار جواسيسهم بين طلاب الجامعات العربية؛كل ذلك أدى إلى التغرير بذوي النفوس الضعيفة للوقوع في شراك الرذيلة ونكرانهم للقيم الأصيلة مما أدى إلى إبراز نوع متغير من الأصل في الشعر العربي ذلك الشعر الهجين المسمى بالشعر الحر أو التفعيلي.




  4. 11aa

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
تصميم وتطوير