دين الحب فى زمن الحرب .. بين واقعية الفكرة وسياحة الوجدان
دراسة نقدية بقلم / عزة أبو العز

كتاب إلى كل أبناء النور .. إلى الإنسانية جمعاء .. إلى أصحاب الحال والمقال
دين الحب فى زمن الحرب يوميات شاهد وشهيد .. الكتاب الثانى للمبدع الكبير محمد جاد هزاع .. إنه ذلك النوع من الكتابة التى يجب أن تستعد لاستقبال رسائلها بيقظة تامة ووجدان نقى كى تحسن الاستقبال .
استمتعت قبل ذلك بقراءة كتاب العشق على طريقتى وقمت بعمل دراسة وافيه حوله .. والآن بعد قراءتي لكتاب { دين الحب فى زمن الحرب } الصادر عن دار سما للنشر والتوزيع وهو الكتاب الثانى للكاتب أعتقد أنه بمثابة إيضاح كامل لكل السادة الذين استعصى عليهم التعامل مع رسائل العشق على طريقتى .. فهنا جاء محمد هزاع أكثر وضوحاً وسلاسة وأيضاً أكثر عشقاً عن ذي قبل , فى كتاب دين الحب فى زمن الحرب .. قدم هزاع نفسه ككاتب من طراز خاص بل شديد الخصوصية مالكاً لأدواته بل وكاشفاً عن أحواله دون مواربة .. والكتاب فى حد ذاته شهادة على المحروسة فى سنواتها الأخيرة التى عانت فيها الأمرين , قدمها بلغة سردية وشعرية رائعة تتميز بالوضوح والدقة فى استخدام المفردات اللغوية , كما يتميز العمل بتوظيف الشخصيات بشكل موفق يعكس مدى ثقافة الكاتب وإلمامه بالشأن السياسى المصرىوالاقليمى والعالمى .. وقد لعبت المغامرة الصحفية دورا مهماً كونها مكوناً أساسياً فى شخصية الكاتب نظراً لطبيعة عمله الصحفى لسنوات طويلة وهنا لم ينفصل الكاتب عن بيئته العملية .. بحس الصحفى استطاع محمد هزاع أن يشدنا طوعاً ورغماً إليه فى لحظات كثيرة داخل العمل , وعلى الجانب الأحر عندما يتحول إلى حال الحديث مع شيخه { العرايشى } يتحول إلى محمد المحب التلميذ المنصت المطيع .. وفى حال أخرى نجده المعلم البارع الذى يدلل على كثير من أحاديثه بالقرأن والحديث خاصة عندما يتحدث مع لؤلؤة وجلال الدين .
ولكن المفاجأة التى يحملها هذا الكتاب بين ضفتيه هى الجرأة الكاملة فى إفصاح الكاتب عن أحواله وسط عالم مادي طغت عليه المادة بل أضحى غارقاً فيها ونزعت منه كل ما هو روحي ولا مرئي إلا عند القلة القليلة من أبناء النور .
خيل إلى أن الكاتب فى { دين الحب فى زمن الحرب } قد خرج علينا مشهراً كلمته فى وجوهنا جميعاً قراء ونقاد وعامة وكأنه يقول للجميع ها أنا ذا .. ابن من أبناء النور .. رسالتي مداد من روحي وقلمي .. ومهما لامني اللائمون سأبقى محباً للبشر والحجر والنبات وكافة المخلوقات .. سأبقى مدافعاً فى كل أحوالي عن أرضى وأمتي وحضارتي .. عن ديني المنزل وليس المبدل .. سأبقى حريصاً على الحب فى زمن الحرب .
• رسالة فاصلة
منذ بداية الإهداء يوجه رسالته واضحة {إلى كل أبناء النور رغم أنف جيوش الظلام }هكذا بدأ مشهراً دعوته وهو يعي جيداً طريقها كما يعي أنها ضد كل جيوش الظلام , وكلمة - جيوش الظلام – أتت جمعاً لأنه مدرك أن من يعارض ويشجب ويحرق ويقتل أصناف وألوف مؤلفة ولكنها أبداً لن تحجب ضوء الحقيقة من أبناء النور حتى ولو كانوا فرادى .
وفى إشارة ذكية آخري يتمنى أن يسقط حرف الراء من كلمة حرب حتى تتحول إلى كلمة حب .. ولأجل أمنيته البسيطة تلك وهى سقوط حرف الراء .. كان هذا العمل الإبداعي ذو الطابع الخاص جداً سواء فى نوعه وتصنيفه أو أسلوب الحكى والحوارات الداخلية , وقبل أن نغوص معاً فى دهاليز { دين الحب فى زمن الحرب } علينا أن نتخلص قليلاً من أعباء الحياة المادية ونطلق العنان للروح والعقل كى يتخففا من أحمالهما الثقيلة التى فرضتها عليهما أحوال أمتنا من صراعات وحروب وأزمات صنعت بدقة لنا كى يشغلنا عدونا ( جيوش الظلام ) عن مواصلة رحلة البناء والعطاء والصفاء الوجدانى .
ولا تتعجب عزيزى القارىء من مصطلحاته داخل حواراته وبالذات الحوارات التى كان فيها فى مقام التلميذ مع شيوخه لأنها مكتوبة بمداد من روح محبة وليس بمداد من قلم كاتب .
• العاشق الهمام ... ولغة الأرقام
نعم العاشق الهمام يحلو لى أن أطلق عليه هذا الاسم .. فالحب درجات ومراتب والعشق أعلى مكانة ومن أصحابه من هم هائمون على وجوههم فى تلك الحياة ومنهم العاشق ذو الهمة .. العاشق الذى يذوب حباً وغراماً فى محبوبته أياً كان مسماها { حبيبة – أرض – وطن – عقيدة – معتقد – فكرة } أو كل هؤلاء تحت مسمى واحد ( عاشق الإنسانية جمعاء ) .
هكذا رأيت الرجل فى كتابة عاشق ولكنه عاشق ذو همة , وكأنه أرتقي مرتبةً عن راوي – العشق على طريقتى – فى كتابه السابق وإن لم ينفصل عنه .. فكيف الانفصال وهو مشروع واحد , ورسالة واحدة وراوي واحد وقلم واحد بحالات وحضرات كثر .واللافت للنظر استخدام الراوى لغة الأرقام بدقة كبيرة فى أماكن عدة مما زاد من قوة طرحه ومنح كتابه لمسة التأريخ الدقيق , وقد استفاد الراوى من خبراته فى العمل الصحفى والتحليل السياسى ليقوم بدور المؤرخ للحدث موثقاً بدقة – الساعة واليوم والعام – مثلما استهل سرديته بقوله : { ليلة الأربعاء الثامن عشر من فبراير عام 2015 – ص 11} فى زيارته لمقام سيدنا الحسين فى قلب المحروسة العامرة .
- كما استخدم الرقم عندما تحدث عنً تولى الرئيس مرسى الحكم فى 30 يونيو 2012 – ص 70 , ليفاجئنا برقم أخر وهو حديث أحد شيوخه فى إحدى الحضرات عام 98 عن أحاديث دارت داخلياً وخارجياً عن دولة الخلافة .
- فى الرابع والعشرين من مايو 2013 تحركت بعد العصر برفقة صديقين نحو العريش – ص 72 , وهنا تبدأ المغامرة وتبدأ الحدوتة الدرامية وسأذكر لماذا أسميتها الحدوتة الدرامية لاحقاً .
- { انقضى عام الانكشاف }ص 130 هنا يستدل ويبرهن لفظاً ورقماً أن عام حكم الإخوان منذ 30 يونيو 2012 حتى 30 يونيو 2013 هو عام الانكشاف وساق لنا عدة أحداث بتواريخها مما أعطى سرديته صفة السرد الدقيق والمعلومة الموثقة لأنه برهن على عدة أشياء بتواريخها منها :
- فى 10 أكتوبر 2012 تم تبرئة جميع المتهمين بقتل المتظاهرين فى موقعة الجمل وعلى رأسهم صفوت الشريف وفتحي سرور وبدأ اعلان مهرجان البراءة للجميع .
- وفى 22 نوفمبر 2012 أصدر مرسى الإعلان الدستوري الذى يحصن قراراته .
- وفى 5 ديسمبر 2012 أحداث قصر الاتحادية .
- وفى 27 يناير 2013 فرض مرسى حالة الطوارئ وحظر التجوال فى محافظات القناة .
- وفى 2 يونيو 2013 قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية مجلس الشورى فقرر مرسى بقائه حتى يتم انتخاب مجلس نواب .
- وفى 21 يونيو 2013 نظم المؤيدون لمرسى مظاهرات لاستعراض القوة قبل يوم واحد من موعد مظاهرات حاشدة لمعارضيه
- وفى 2 يوليو 2013 أعلن الرئيس مرسى رفضه البات لبيان القوات المسلحة وأصر على البقاء فى الحكم باعتباره رئيساً منتخباً وقال أنه لا ثمن للشرعية إلا الدم .
- 3 يوليو 2013 قررا لجيش خلعه وتعطيل الدستور( ص 137 ) تلاه ذكره لقصة السقوط المدوي للاتحاد السوفيتي عام 1979 ( ص 142 )
- كما تحدث عن أحداث سبتمبر 2001 وانفجار البرجين التجاريين فى الولايات المتحدة وقتل نحو 3000 أمريكى , وكان الموظفون اليهود فى أجازة ذاكراً أن ذلك لا يخرج عن كونه حلقة فى سلسلة الاستخدام والتوظيف لتحقيق ما تبقى من الأهداف بمستوياتها الثلاثة – الإستراتيجية , التعبوية , التكتيكية – ص 148
- فى 16 يوليو 2013 وقعت أحداث رمسيس الأولى واندلعت اشتباكات بين أنصار مرسى وقوات الشرطة راح ضحيتها وأصيب حوالي 261 آخرين .
- فى 26 يوليو 2013 خرج قطاع كبير من الشعب المصرى فى مظاهرات ضخمة بناءً على دعوة وزير الدفاع عبد الفتاح السيسى لتفويضه فى مواجهة الإرهاب الواقع والمحتمل .
- فى 27 يوليو 2013 وقعت أحداث المنصة حيث اندلعت اشتباكات بين أنصار مرسى وقوات الشرطة كانت نتيجتها مقتل 80 شخصاً وإصابة حوالي 300 آخرين ( ص166)
ويتوالى رصده الرقمي للأحداث ممتداً حول محاكمات نظام الإخوان وبعض الأحداث الإرهابية التى وقعت فى مصر إلى أن يصل لتاريخ 25 ديسمبر 2013 الذى أعلنت فيه الحكومة المصرية جماعة الإخوان منظمة إرهابية .( ص 186)حتى يصل لتاريخ 8 يونيو 2014 الذى أدى فيه السيسى اليمين الدستورية رئيساً لمصر ( 228 ) .
من خلال العرض السابق لبعض الأرقام والتواريخ الموزعة على صفحات الكتاب ندرك أن الكاتب هنا استفاد من خلفيته السياسية والمهنية فى عملية رصد وتوثيق لمرحلة من أهم المراحل المصرية بعد ثورة 25 يناير مروراً بعام حكم الإخوان ووصولاً لإعلان الرئيس السيسى القسم الدستوري لرئاسة البلاد , وفى اعتقادي ان هذا الجزء يعد ركناً أساسياً من الأركان التى أكسبت الكتاب قوة المعلومة الموثقة والعرض والتحليل السياسى , كل ذلك جاءنا بأسلوب الخبر الصحفى المدقق والمنوط به إيصال المعلومة مع توثيقها .
السمات الفكرية ---- والسياحة الإيمانية
لقد جذبتني سردية محمد هزاع { دين الحب فى زمن الحرب }إليها جذباً على مدى 303 صفحة المليئة بالأفكار وحوار الوجدان وصراع الدراما المكتوبة داخل النص وروح المغامرة سواء المحسوبة أو غير المحسوبة .
وعبر صفحات الكتاب وجدتنى بين ثنائية محكمة الأداء تحمل بين طياتها مفارقة غريبة لجمعها بين واقعية الفكرة وسياحة الوجدان , ( فالراوى صاحب الحال ) قد أدمن دور الفاعل والمفعول به فى ذات العمل .. الفاعل عندما يقوم بدور الراوى (الراصد – المحلل – السياسى – الواصف ) ومفعول به حينما يدخلنا معه إلى محراب عشقه الدائم فى الحضرات .وعادة ما يأخذنا هزاع معه سواء – طوعاً أو فضولاً منا – كى نغوص معه فى أعماق حوارته الذاتية ثم يرتفع بنا إلى سماوات الحب اللامحدودة .. ومراتب العشق المتعددة لدرجة أننا قد نسقط أسرى نحن أيضاً لحالات عشقه مع شيوخه ولا نستطيع الفصل بين .. هل هذا واقع معاش أم درب من الخيال ؟ هل شيوخه الذين رسم لنا صوراً فائقة الروعة والتفاصيل الدقيقة عن مشاعرهم وأفكارهم وحالاتهم بقدر يفوق شخوصهم .. { بقية الخير – الشيخ العرايشى } .
لم تنفصل سمات العمل الفكرية القائمة على ( الصراع بين الحب والحرب ) عن سياحة الكاتب الوجدانية سواء على مستوى الحضرات أو عرض كثير من المسائل الفقهية والفلسفية كل ذلك مدعوماً بآيات من كتاب الله الكريم .. ومثلما لعبت الأرقام دور البطولة فى التوثيق لأحداث مصر المحروسة منذ 25 يناير 2011 حتى اعلان فوز المشير السيسى رئيساً لمصر .. نجد توثيق من نوع آخر لا يقدر أن يقوم به إلا مطلع وحافظ لكتاب الله الكريم .. وهى سمة من سمات هذا العمل الآدبى أن تكون آيات الله خير داعم لفكرة الحب فى مواجهة الحرب ..
فمن أهم سمات الكتاب وكاتبه وهما هنا لا ينفصلان .. أن الدين هو الحب فى المطلق .. وعندما حاول الفصل بين بعض المسائل الشائكة استخدم كتاب الله ليكون ( الحكم )ففي مسألة -المحكم والمتشابه – على سبيل المثال .. يوضح الشيخ للراوي صاحب الحال أن اختلاف الدرجة شيء واتساع المعنى شيء .. فقد يكون المحكم عند الشيخ متشابه عند الراوى والعكس صحيح واستشهد بقوله تعالى { منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات } فى موضع وقال : { أحكمت آياته } فى موضع آخر فصل المعنى لا المبنى ( ص 66, 67 )
وفى شرح مسألة الجهل والعلم فى الحوار الذى دار بين الراوى صاحب الحال وأمه التى أوضحت له أن الجهل ليس نقيض العلم ولكنه مخالفة السلوك لقول الله تعالى ..( الذين يعلمون ) ( والذين لا يعلمون ) ولم يقل الذين يجهلون ومفتاح ذلك قوله تعالى { وإلا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين } فيوسف حتماً يعلم أن الزنا حرام ولكنه يصف نفسه إن فعل -حاشاه – بالجهل لا عدم العلم ( ص 169 )
وفى مسألة من أهم المسائل وردت فى بدايتها فى النقاش ص 209وهى تصب كلها فى متن الفكرة الأساسية للكتاب وهى الفروق الجوهرية بين الدين المنزل والدين المبدل ومسألة وجوب فهم الآيات القرآنية بشكل كلى وليس مجزأً فقد قال لشيخه فى حوارهما معاً { القرآن كلمة واحدة } لا تأخذ منه آيات وتهجر آخري فى نفس الباب وأن نفهم كل آيات الباب كواحدة لا يمكن تقسيمها ويستفيض صاحب الحال مع شيخه فى النقاش حول بعض الآيات القرآنية ويدخلا ن فى جلسة فقه وتفسير تعتمد فى الأساس على العمق فى التناول والتدبر فى آيات الله ومحاولة الفهم الصحيح للمقاصد العليا للدين المنزل والحفاظ عليها وهذه المقاصد هى المنوطة بالحفاظ على حياة الإنسان وحريته لذلك عندما جاءت آيات الجهاد وحرب المشركين لم تأت كى تقلل من قيمة المقاصد العليا للدين بل جاءت لتوضح الغرض من القتال ومحاربة المشركين ممن اعتدوا وخانوا العهود كما يقرر حقيقة دامغة على أن خشية الله دليل على صحة الإيمان .
ويفهم الشيخ تلميذه أنه لا قتال فى الدين المنزل على ما يسمى بالهوية الدينية ولكن لرد الاعتداء .. وهنا يظهر لنا مقصد مهم وأساسي فى دين الحب أنه لا اعتداء فى الاسلام ولكن القتال لرد الاعتداء ( ص 209 – 217 ) كما يتطرقا لنوعى العلم – علم الكشف وعلم الإنشاء – ومسألة الجمع بين الظاهر والباطن من أقوال وأفعال وأحوال الإيمان .
فقد ذكر الله سبحانه وتعالى 5 أشياء .. اثنان ظاهران إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وثلاثة باطنه هى – الإيمان بالله واليوم الآخر- وخشية الله تعالى – وفيهما لطيفة لأهل اللطائف فالمساجد ظاهرة وباطنه , الظاهرة المباني والباطنة الأرض وكلها لها وضوء وقبلة من نوعها وكلها مطلوب اعمارها , واعمار الباطن يكون عن طريق القلوب التى ينزل فيها العقل والروح والسر وسر السر ووضوءها التطهر من كل ما سوى الله .
أعتقد أن الكاتب صاحب الحال وضع لنا جرعة كبيرة من الآيات القرآنية التى يجب التفكر والتدبر فى معانيها ومقاصدها .. هذا على مستوى النص الظاهر , أما من أراد التعمق فيجب أن يبحث ويحقق فى المعنى والمقصد ويرى برؤية كلية لا لحظية ولا نصية فقط .. من ( ص 209إلى ص 217 ) أعتقد أنها صفحات فاصلة وفارقة فى متن العمل ككل لأن فيهم مضمون الرسالة الفكرى من مقصد الكتاب ككل – وهو دين الحب الذى يجب أن يتعامل معه المرء بالقراءة الظاهرة والباطنة معاً , كما يجب أن يكون المحب محباً خالصاً ولن يكون ذلك المحب الخالص إلا إذا أحب ظاهراً وباطناً ولن يحب باطناً إلا إذا تطهر من كل الشوائب وأصبح محب حباًخالصاً لله تعالى .
وفى هذه الصفحات سالفة الذكر تحديداً أرى أن الكاتب نقل الاستشهاد بالآيات الكريمة من منطقة التأكيد على مضمون الفكر المطروح فى الكتاب إلى منطقة ضرورة إعادة القراءة والبحث فى مضمون الآيات على المستويين الظاهر والباطن معاً .. وهذا يعكس ثقافته الدينية مثلما استخدم لغة الأرقام من قبل فى التدليل على ثقافته البحثية والمهنية والتوثيق بالمعلومة العددية ..لذلك أعتقد أن كتاب { دين الحب فى زمن الحرب } استخدم فيه الكاتب صاحب الحال أكثر من وسيلة للإيضاح تبدو للقارئ العابر ثنائية متنافرة ولكنها للقارئ المتعمق المحب للنص ستبدو ثنائية مجمعة , فالسالب الظاهر فى حوارات ونقاشات النص على المستوى الفكرى ما هو إلا موجب مجمع على المستوى الوجدانى والروحي ..
والعجيب بحق الذى حيرني مع هذا الكاتب أن حاله وجذوره وانتماءاته الفكرية والوجدانية أرادت كل منها أن تنتصر لنفسها على الآخرى .. فداهمت محمد الإنسان ونالت منه وليس محمد صاحب الحال وحيرتنا نحن قراء النص .. وربما هذا ما يجعل النص صعب الوصول فى بعض أجزاء حواره وبالذات عندما يكون الراوى محمد صاحب الحال وليس محمد صاحب المقال .

الصورة السينمائية --- فى سردية هزاع الأدبية
الصورة السينمائية تلك الوسيلة الأسرع والأقوى فى التعبير عن الواقع , كانت مفاجأة كبيرة لى أن أجد فى دين الحب فى زمن الحرب صورة سينمائية عالية الجودة واضحة المعالم صاغها ببراعة كاتب لم تزل عينه الصحفية قادرة على التقاط المشهد وتخزينه وطبعه بدقة وحرفية فى مغزولة سردية شديدة التميز , وأظن أننا فى هذا العمل الآدبى قد كسبنا كاتباً درامياً ذو خبرة لا يستهان بها استمد قوته من قدرته على خلق المغامرة والعيش فيها وتصوير أماكنها ليلاً ونهاراً بلغة سردية وشعرية معبرة وعميقة .. يبدأ الخط الدرامي للمغامرة من بداية ( ص 72 ) منذ لحظة بداية الرحلة أو المغامرة للعريش وفيها يرسم الكاتب صورة واضحة للطريق بأعمدته وظلمته وكمائنه وحواراته الداخلية ( المنولوج ) التى تخلق لنا أجواء من الحيرة والشك تارة , والقلق والأمل والاطمئنان تارة أخرى ..وخلال الرحلة استطاع الكاتب أن يوظف إجادته للفظ والمعنى والأشياء حوله فى خلق نوع من الإثارة فى أفلام ( الاكشن ) بلغة السينما { فالمسبحة لها توظيف درامى والشنطة ذات الشجر الأحمر ---- الخ } كما استطاع مع لؤلؤة أن يتنقل من فكرة لأخرى بين ثنايا الحوار بطريقة الفلاش باك وقد أجاد فيها حيث نقطة البداية عنده فى جملة ما مؤدية لبداية حكاية ما .. ففي حديثه مع لؤلؤة إحدى بطلات رحلة العريش عندما ذكرت له لفظ الكبير الذى سمعته من أبيها كثيراً فاستعاد ذكرياته فى بيته داخل أسرته عن مفهوم ومواصفات الأخ الكبير ص86 { واستفاض الكاتب فى وصف أهله وأشقائه وزملائه له وهنا وقع الكاتب فى خطأ قد لا يكون مسئولاً عنه محمد الإنسان مسئولية كاملة بقدر ما احمله لمحمد الكاتب الصحفى فقد نسى الراوى أن البطل الحقيقي للأحداث هو شخصه والاستفاضة والمدح وعرض ايجابيات الشخص الكبير ( علمه – خلقه – صفاته – ميزاته ) أظهرته لنا أقرب إلى الإنسان المثالي ولا يوجد إنسان بشر بكل هذا الكمال أو القرب من الكمال .. وهذه نقطة أعتقد أن الكاتب قد أخطأ فيها كونه هو البطل الفعلي فوقع فى دائرة التمجيد الذاتي ومع تقدم القراءة فى النص وجدت أن محمد الإنسان يفصح عن نفسه مجدداً بقوله { يكفيني سماع صوت شجي أو صورة جميلة لينسكب دمعي مؤكداً أنى لا أزال أشعر بالضعف ككل البشر } ص 88
كما استطاع أن يدخلنا فى لوحة تشكيلية متعددة المستويات والألوان فى وصفه لجلسته أمام البحر فى ص 92 .. نستطيع أن ندرك من خلالها قدرته فى تطويع الكلمات كى تصبح كفرشاة فى بالتة فنان مبدع .. وفى خضم رومانسية وشاعرية الكلمة تسقط علينا الفكرة كبركان ثائر ليصدمنا من جديد ويعيدنا إلى دائرة الفكرة الجادة ويخرجنا من دائرة الصورة الحالمة مثل صرخته { انطق بالحرف المقدس والكلمة المقدسة ..لملم ما استطعت من دماء الشهداء .. امح ما استطعت من دموع الضحايا ..هدئ من روع الخائفين واضطراب الحائرين .. أذع السر .. قل للجميع للبشر والطير والشجر والحجر والصخور .... الخ }
جئتكم لأصرخ فيكم أن أفيقوا ...{ سر بقاء هذا العالم هو السر والنور } فلماذا صرتم جنودا للكراهية والظلام أو ضحايا للكراهية والظلام .. توبوا أو ثوروا .. الزموا قدركم وخذوا حذركم .. إنكم تدمرون أنفسكم وتدمرون العالم ولم يأت بعد زمن الطي .. هكذا قالت الأرض . ص 94
وتكتمل الصورة السينمائية وصفاً فى فصل { فى قبضة الإخطبوط } حيث استطاع الكاتب أن يدخلنا أجواء المغامرة والقبض عليه ومن معه والوقوع فى ايادى الإرهابيين لنصل إلى حوار المواجهة ص 116 بين الراوى وبين خاطفيه وهو بالفعل حوار المواجهة بين ابن من أبناء النور وبين أبناء الظلام بين واحد ممن يدافعون عن قيمة الدين المنزل ضد من يتحدثون باسم الدين المبدل .. بين قوة الفكرة والمعتقد وبين غشم وبطش الادعاء .
قالوا : ستتصل بمن ؟
أجبت : بعشيقتي , هل لديكم مانع ؟
قالوا ضاحكين : ونحن حاضرون ؟
قلت : أنتم غائبون مغيبون فى كل الحالات وغداً ستعلمون .
وفى ص 121 يظهر تحدى الصحفى وروح المغامرة عندما أعلن الراوى صاحب الحال إعجابه بخوض التجربة للنهاية كما أنها كانت لحظة هامة بالنسبة لى حيث أكدت لى بعد عدة تساؤلات دارت بينى وبين نفسى منذ أن بدأت القراءة .. هل زار الراوى سيناء ؟.. هل لؤلؤة وجلال الدين وأحداث الطريق من الواقع أم نسج من خيال ؟ ..وجائتنى الإجابة فصرخت أنا الأخرى متقمصة حال صاحب المقال قائلة : يا له من بارع أمسكت به إنه محمد صاحب المقال هو الذى صاغ وصال وجال عبر صفحات الكتاب وأوقعني فى حيرة استقبال رسائله وقلت لنفسي إعمال العقل مطلوب .. هذا كاتب وصحفي كبير ولو كان ما حدث قد حدث لتحدثت الدوائر الاعلامية عن غيابه وفاض وزاد الاعلام عن سيرته وكينونته ونسبه وانتسابه .. وشعرت بانتصار منطقي العقلي على الحيرة الكبير التى أوقعني فيها وربما وقع فيها كثير من قرائه .
الراوى --- بين الحال والمقال
فى ص 128 يدخلنا الكاتب مرة آخري إلى دائرة الحال لديه ويكمل مغامرته البوليسية مع نفر من خوارج العصر ومع يقيني وتسليمي أن القصة كلها من إبداع وخيال كاتب يقظ ملم بما يجرى على الساحة السياسية محلياً وإقليمياً ودولياً , قارئ نهم للتاريخ فاستخدم براعته فى الرصد والتحليل السياسى فصاغ لنا هذا العمل الابداعى ( دين الحب فى زمن الحرب ) إلا أنه ببراعته المعهودة وانسيابية جمله ونورانية الحوار بينه وبين شيخه محمد العرايشى أدخلني مرة وأعتقد أنه أدخل كثير من قرائه إلى دائرة الحيرة مجدداً فعند الحوار مع شيوخه لا نستطيع إلا أن نسلم أننا فى حضرة صاحب الحال وأياً كان هذا الحال شيء من الواقع أم درب من الخيال إلا أنه يترك فينا حالة ذات خصوصية حالة تخرجنا من دائرة المغلق إلى براح اللامحدود .. حالة ترتفع بنا من ثرثرة الجدال إلى همس الاطمئنان بل إلى بلاغة الصمت فى بعض الأحيان .
فصاحب الحال هو القائل :
كما الدرويش المولوى
أدور حولي
ربما من قرون غابرة
ويدور حولي عالمي
أفنى ويفنى ولا يبقى سوى الدائرة .
وهو القائل ألم أقل لك كلمني يا مولانا ؟
قال : أنا هنا لأفعل يا ولدى
قال : قلت لك ب ( الحب ) ولكنك لم تفهم أن بعض الحب حرب كما أن بعض الحرب حب فهما ليس متعارضين فى كل الأحوال بل متضامنان فى بعض الأحوال أما ( العشق ) فلا حرب فيه ألبته وإنما فناء .( ص 58 , 59 )
شيء ما بداخلي يجعلني أصدق الراوى صاحب الحال فكما استطاع محمد هذا صاحب المقال أن يقنعني بقوة منطق أفكاره حول الدين الحب فى زمن الحرب لا أنكر أن محمد هزاع صاحب الحال هو الآخر استطاع أن يبهرني بحضور شخصيات شيوخه فى النص .. وأقول لمن يريدون الاطلاع على عالم هزاع الأدبي .. تعاملوا مع النص بروحيه وكاتبيه ( صاحب المقال – وصاحب الحال ) فدين الحب فى زمن الحرب أخذ من معنى المسمى ازدواجية ما , وربما هنا تكمن صعوبة التلقي عند البعض ولكن لو أخرجنا نقطة عدم الوضوح - عند البعض - عندما يتحدث صاحب الحال بدلاً من صاحب المقال وتعاملنا مع النص بأريحية القراءة الواعية سندرك على الفور أننا أمام عمل متميز فى سرده ونصه وحواره .. نص يتمتع بوجود أشخاص برع الكاتب فى رسم ملامحهم الشكلية والنفسية .. نص فيه من العمق الفكرى الكثير ليقال .. نص به خط درامى واضح الملامح وبه من الصورة السينمائية ما يؤهله لأن يكون عملاً سينمائياً بامتياز .. بالاضافة أنه يعد وثيقة مهمة عن مرحلة من أهم وأخطر مراحل التاريخ المصرى المعاصر تحديداً ما قبل وأثناء حكم الإخوان ..
هذه نقاط اتفاق كفيلة بأن نضع العمل فى خانة الإبداع القوى كما أننا لو طبقنا عناصر الدراسة النقدية بالشكل المعتاد من حيث الجذور والسمات والمقومات والأداء والمقومات والنتائج نجد أن النص لم يتعارض مع تلك العناصر فى شيء , فالكاتب لم ينفصل عن جذوره ولا عن بيئته بالعكس أراه استفاد إلى حد كبير من تكوينه الثقافى وتراكم خبراته المهنية بشكل كبير جاء فى صالح العمل الابداعى .. فجاءت سمات العمل مطبوعة بطابع الكاتب من ( ثقافة – سعة اطلاع – سماته الشخصية ) محمد هزاع الإنسان رسم لنا ملمحاً مهماً عن نفسه فى أحاديث الأهل والأصدقاء عنه وأرى النص ككل فى مجمله من حيث الأداء الحواري سواء منولوج داخلي أو ديالوج بين أشخاصه { سريع – مباشر – متنوع الاتجاهات والرؤى } وأعلم أن مناطق الخلاف عند البعض أو لنقل عدم وضوح الرسالة عند البعض قد تأتى من تلك المنطقة الخاصة لديه وهى { الحضرات – الأحوال – التجليات فى بعض الأحيان } ربما لأننا لم نعتاد على تلقى مثل هذه الرسائل فى عمل أدبي كثيراً وربما هذا ما يحدث الحيرة عند البعض تجاه إبداع الكاتب , لذلك حرصت أن أتعامل مع النص بدون وضع قيود مسبقة على النص وإلا كيف نغوص فى بحار الإبداع لنكتشف الجديد ونظهر المخفي والمسكوت عنه .. والحق يقال عندما أردت التعامل نقدياً مع ثلاثية الكاتب { العشق على طريقتى – دين الحب فى زمن الحرب – دولة الدراويش } تعمدت أن أخرج نفسى من دائرة القوالب الشكلية فى تناول النص وقلت أبدع الرجل بلا شك وبذل جهداً كبيراً وعرض فكراً مغايراً ينم عن مخزونه الثقافى العميق وبذل مجهوداً أراه ضخماً لأن درجة التكثيف فى النص واضحة , وقليلون من الكتاب الذين يملكون هذه الميزة النسبية فميزة التكثيف فى الجمل والمفردات اللغوية لا تصدر إلا من كاتب مخزونه الثقافى واسع وأفكاره حاضرة ومتجددة لذلك لا أبالغ إن قلت أن كتاب { دين الحب فى زمن الحرب } كتاب فقه من أديب مجدد .. ديوان عشق من شاعر وصل فى الحب حد الذوبان وبلغ به الانشغال بالمعشوق عن العاشق منتهاه .

المعشوقة --- دائمة الحضور
فى كل كتب الأدب اعتادنا وجود الحبيبة التى يتغزل فيها الأدباء والشعراء فيمدحونها حال الوصال ويهجونها حال القطيعة والهجر
وبين حال الهجر والوصال تكتب القصائد وتبث الأشواق
ولكن حبيبة كاتبنا صاحب الحال حيرته وحيرتني معه فيها .. فأى حب هذا الذى يجعله يذوب عشقاً لدرجة التماهى فى محبوبته ومنذ إلتقيتها أول مرة فى عمله الابداعى الأول – العشق على طريقتى – وأنا حائرة معه فيها حائرة معه عن اسمها وكيانها وكينونتها .. وكأنه يلعب معى ومع قرائه لعبته الروحانية المفضلة والمحيرة وتظل هى الرابحة بلا جدال
حتى وإن غلبته بحلو كلامها ورشد منطقها فهو لا يملك سوى أن يقدمها لقرائه بوجوهها العديدة .. وتلك الحبيبة تبدو لى فى كثير من الأحيان الحكمة الضائعة من أفواه الرجال .. صلاة وتسبيح وذكر فى أول ضوء لفجر النهار .. حبات الرمال الذهبية على حدود الوطن تحرس بعيون ودماء الرجال .. فكرة نابهة وعقيدة راسخة وآيات من القرآن ترتل فى محراب عشقه ليل نهار .
حبيبة لا يقدر على كبح جماحها إلا ذو منطق ورؤية وروية وعزيمة وتجليات نورانية لا يختص بها إلا أصحاب المراتب والانتقال من حال إلى حال .
تلك الحبيبة هى من أرسلت له رسالة نصها
أرفق بنفسك لا تظلمها ولا تظلمنا ( ص 63)
ليرد عليها رداً ربما هو مفتاح الشخصية لهذا المحب اللغز صاحب النص الذى يحتاج لعشرات الدراسات من نقاد غيرى حتى تفك شفرات رسائله الخاصة الآتية من تلك العوالم ذات الخصوصية سواء عوالم { النفس – الوجدان – الأحوال } أو الزمان والمكان فى دائرة اللامحدود .. حيث رد عليها هذا الرد ..
مكلف أنا بهذه المهمة الأسطورية ممن خلقني وخلقك وخلق النهر ..وجدتنى هكذا منذ (الصفر)الأول وأظننى سأبقى هكذا حتى (الصفر) الأخير ..لست نبياً ولا ولياً ولا مصلحاً ولا زعيماً ولا قائداً ولا أى شيء غير ( شاهد وشهيد ).



ساهم معنا في نشر الموضوع