للفقر لغة كلغة بريل لا يعرفها إلا من ذاق مرارتها وتعلم نقش حروفها بالكد والتعب واستلذ بنظم المواويل لتروي حكاية شقاء قد جعلته أسيرا لفنون التعذيب والظلم والاضطهاد ..رغم كل هذا ليس عيبا أن يكون المرء فقيرا ولن يكون المنتمون تحت مظلته حاملين لفيروس من نوع ما.. لأنه ببساطة لم يجردهم من الفكر والرغبة كونها معجونة بطينة البشر مهما اختلفت مستوياتها المادية والإيدلوجية والديموغرافية وليست حكرا على عرق دون آخر أو فئة دون أخرى..
ما يفتقرون إليه حقا هو قدرتهم على التغيير وذلك ليس لضعف في بنيتهم الجسدية ولكن لقلة حيلتهم المادية وافتقارهم لرأس المال المشغل لأي عجلة تنموية كانت.. ما يحتاجونه فقط هو الشد على أيديهم.. وانتشالهم من عنق الزجاجة ليبصروا النور ويغتسلوا بماء الحياة...ويتهجئوا أول سطور الحرية..
إن كان الرهان على التنمية والتطور وتقدم الأمم فالواجب الرقي بشعوبها ومنحهم فرصا عادلة من الحياة الكريمة ليتمكنوا من تحقيق جزء بسيط من إنسانيتهم.. وهذا يتنافى تماما مع المنطق الاستعماري الذي يعتبر منطقا لكثير من الدول ومن أهم سياساتها.. لأن النهوض بالشعوب هو الرهان على أمد بقاء هذه الأمم من عدمها باعتباره المقياس الحضاري لوجودها من عدمه ما يحتاجه هؤلاء هو مساعدة حقيقة ومنح مالية يتم تحصيلها آجلا بفائدة تكاد تصل إلى الصفر..إن كان هذا حلما فقد أفاق منه سريعا الاقتصادي المبدع (محمد يونس) في ثورته على الفقر..وهو ما تمكن من تحقيقه فعليا في بنغلادش التي بلغ تعدادها السكاني في عام 2013 (156594962) .. في أن يجعل الفقراء شركاء حقيقيين في عملية التنمية بإخراجهم من منحنى الأخذ إلى منحنى العطاء..
لن تستطيع أي دولة مهما كانت قوة اقتصادها من تحمل عبئ آلاف الفقراء ممن يجتزئون جزءا كبيرا من خزينة الدولة في النواحي الاستهلاكية، بدلا من استغلالها في المشاريع التنموية.. التي تعود بعائد جيد على مواطنيها..والذين يفترض أن يشاركوا في العملية الإنتاجية... بأن تتخذ إجراءات نوعية للحد من جيوب الفقر ونسب البطالة وأن تساهم في تشغيلهم لإدارة عجلة التنمية في البلاد.. ويمكن اعتبار وزارات التنمية الاجتماعية والمعونة الوطنية التفافا ومواربة للحقيقة.. وذلك بعجز هذه الحكومات عن تقديم المستوى التشغيلي الأدنى لمواطنيها.. وبذلك تلجأ لمنحهم رواتب دائمة من وزارتها..
إن إمكانية حصر الطبقات الفقيرة والطبقة الأقل حظا وهي الطبقة الوسطى المسحوقة أمر يستطيع تحقيقه أي تعداد سكاني.. والوقوف على حاجاتهم من المخصصات الشهرية بحيث يسهل ذلك إلى حد كبير إمكانية توفير فرص عمل لهم أو قروض تشغيلية ..
وعند الوقوف على أبرز القروض الممنوحة فأغلبها للعملية الإنتاجية الأساسية من رعي للمواشي وزراعة للأراضي أو استصلاح لها ناهيك عن مشاريع الحرف اليدوية وغيرها من المشاريع الصغيرة التي تدر عائدا شهريا أو يوميا يسد من حاجة المواطن.. ويرفع من سويته وقدرته على المشاركة الفاعلة في التنمية الحضارية للدولة..
إن هذه المجازفة التي تمكن محمد يونس من القيام بها ولم يمنعه كونه أستاذ الاقتصاد في جامعة شيتاجونج إحدى الجامعات الكبرى في بنغلاديش والحاصل على درجة الدكتوراة من جامعة تنيسي الأمريكية و أسرته ذات الوضع الاقتصادي الجيد من الشعور بالفقراء..وهو في الحقيقة ما بذرته والدته خاتون في قلبه.. منحها الفقراء المال يعني إعطائهم فرصة جديدة للحياة وربما تكون هي الفرصة الوحيدة الممنوحة لهم.. لإيمانها الراسخ.." أن كل إنسان له رسالة.. وعليه أن يكملها في الحياة..". هذا الذي جعله مؤسس بنك غرامين وحاصل على جائزة نوبل للسلام عام 2006...
..هل سيأتي اليوم الذي يحقق فيه الفقراء أحلامهم..؟؟
إمكانية تحقيقها من عدمه تكمن في قدرة الأكفاء من أصحاب الدراية على التوجيه وهذا بالفعل الذي أدركه البروفيسور محمد يونس في مرحلتين من حياته:
المرحلة الأولى:عندما كان ضمن الحركة الطلابية البنغالية المؤيدة للاستقلال عن باكستان وعودته عام ..1972
والمرحلة الثانية: عندما عاد بعد الحرب إلى بنغلاديش وعين في لجنة التخطيط في الحكومة والتي كان يرأسها نور الإسلام، فوجد هذه الوظيفة مملة واستقال للانضمام لجامعة شيتاغونغ رئيساً لقسم الاقتصاد، وبعد مراقبته للمجاعة في عام 1974، أصبح يشارك في الحد من الفقر، ووضع برنامج اقتصادي لسكان الريف كمشروع بحث وخرج لمساعدة الناس وبخاصة في المجاعة التي قتل فيها ما يقرب المليون ونصف المليون عام 1974
تصميمه في قلبه وحبه للعطاء هو ما جعله يبدأ فكرته البكر من ماله الخاص..أن تضع يدك على المشكلة ولم تحرك ساكنا في الواقع هو المشكلة في حد ذاته لكن محمد يونس لم يكتف بالمعرفة بل بادر بالعمل.. فقد وضع يده على المشكلة في عام 1976 وخلال زياراته للأسر الأكثر فقراً في قرية جوربا قرب جامعة شيتاجونج، اكتشف أن القروض الصغيرة جداً يمكن أن تحدث فرقاً لهؤلاء الفقراء، حيث وجد مجموعة من النساء يصنعن من الخيزران أثاثاً يعتمدن على القروض الربوية لشرائه، ولم تكن البنوك التقليدية لتنمح قروضا صغيرة بفائدة معقولة للفقراء بسبب ارتفاع المخاطر الافتراضية ..إن البيروقراطية والخوف من المجازفة واعتبار الاستثمار من المخاطر أمر يعطل العملية التنموية ..ولكن محمد يونس كان يفضل أن تعطى مهلة أكبر للفقراء لسداد المال، وبالتالي أصر أن القروض الصغيرة قابلة للتطبيق في نموذج الأعمال أقرض محمد يونس 27 دولار من أمواله الخاصة إلى 42 امرأة في القرية.
إن كان هذا المبلغ الزهيد يستطيع إن يخرج عددا من الأسر فإنه قادر بالرغم من صغره في أن يتيح فرصا استثمارية والتي من المفروض أن تعطي دخلا معقولا دون أي تكلفة ثابتة تذكر.. إن كان هذا ممكنا فإنه بالضرورة سيعزز الشعور بالاستقلالية والتفرد والقدرة على رفع الإنتاجية بالوصول إلى نقطة الصفر في التكلفة التي بمجملها مقترنة بالفائدة البنكية.
لقد وقف محمد يونس على حقيقتين: أولهما أن أي مؤسسة أو بنك إقراضي لن يقدم قروضه بشكل مجاني بل سيأخذ فوائد تعوضه أضعاف ذلك المبلغ.. بوجود المؤسسات الربحية التي لا تؤمن سوى بمنطق الربح..
الحقيقة الثانية: أن المشاريع الريفية الصغيرة هي أساس المشاريع التنموية التي إما أن تكون على مستوى إقليم أو مستوى وطن أو حتى المستوى الفردي..
ولكنها لا تؤتي أكلها إلا من خلال العمل الجماعي.. لأنها لضرورة تشغيل الأيدي العاملة واستغلال البنية التحتية وتحسينها..والهدف تحقيقه المصلحة العامة على مستوى الوطن..إن تقسيم المشروع التنموي على مجموعة من الأهداف إلى وحدات عمل تضمن التنوع والخصوصية مع مراعاة تفاعلها مع البيئة الديناميكية المحيطة بها..تكمن أهمية تقسيم المشروع التنموي إلى وحدات إلى إمكانية تحقيق أعلى إنتاجية بجودة ونوعية ممتازة وتكفل خدمة السوق المحلي ويمكن اعتبارها وحدة تكميلية تقلل من رأس المال المستثمر..إن عمل كل قطاع لتشكيل المنتج بأكمله كوحدة تنظيمية متناسقة تحقق الهدف العام للمنظمة بالوصول إلى أعلى إنتاجية بربحية مرتفعة وبالمحافظة على ثبات التكلفة.. كل هذا على المدى الطويل لأن أغلب هذه المشاريع تحتاج إلى سنوات طويلة وليست هناك إمكانية لتحقيق الهدف العام بوقت قياسي كونه مشروع تنموي.
لقد استطاع بعد ذلك إنشاء بنك جرامين في عام 1979 في بنغلاديش، لإقراض الفقراء بنظام القروض متناهية الصغر التي تساعدهم على القيام بأعمال بسيطة تدر عليهم دخلا معقولا
في ديسمبر عام 1976، حصل محمد يونس أخيرا على قرض من الحكومة عن طريق بنك جاناتا لإقراض الفقراء في قرية جوربا، حيث وصل عدد المقترضين (28,000) بحلول عام 1982.. في 1 أكتوبر 1983، بدأ المشروع التجريبي العملي لبنك متكامل لفقراء بنجلادش، وتمت تسميته بنك غرامين (بنك القرية). واجه محمد يونس وزملاؤه الكثير من حركة يسارية راديكالية عنيفة من رجال الدين المحافظين ..
إن لرجال الدين المسيسين دورا مهما في دعم أي مشروع مهما كانت أهميته.. ويمكن اعتبارهم الأقوى في المعادلة وذلك لقدرتهم على تسير الناس حسب أهوائهم.. وبذلك يحولون دون تطبيق العديد من هذه التجديدات.." والذين قالوا أن النساء لن يدفنوا على الطريقة الإسلامية إذا اقترضن المال من بنك غرامين" . بحلول يوليو 2007، غرامين أقرضت 6.38 مليار دولار أمريكي على 7.4 مليون مقترض، ولضمان السداد، يستخدم البنك نظام "مجموعات التضامن" لدعم جهود بعضهم البعض في النهوض بالاقتصادي الذاتي.
في أواخر الثمانينيات، بدأ غرامين بالتنويع من خلال إحضار أحواض الصيد غير المستغلة ومضخات الري مثل الآبار الأنبوبية العميقة. وفي عام 1989، بدأت هذه المصالح المتنوعة بالتزايد في منظمات مستقلة، حيث تحول مشروع مصائد الأسماك إلى (مؤسسة جرامين لمصايد الأسماك)، وتحول مشروع الري إلى (مؤسسة جرامين الزراعية).
وفي مجتمعاتنا يمكننا إضافة العديد من المشاريع كالمصائد المائية ومشاريع زراعة اللؤلؤ في المحار في برك مهيأة لذلك.. صناعة أقلام الرصاص وصناعة الورق والصناعات التجميلية التي لا تخضع للقطاع الخاص.. برمتها بل متعاونة مع هذه القطاعات العامة ومن هذا المنطلق يتم الاستثمار بكافة القطاعات الإنتاجية وفي الشركات الخاصة الموجودة وتشغيل رأس المال وإدرار الأرباح والتي بدورها تشكل أساس لمشاريع تنموية جديدة ومتنوعة هذا ما نعنيه حقيقة بالاقتصاد الوطني..
إن تعلق الكثير من سياسات الدول العربية الاقتصادية بمظلة البنك الدولي..لن تمنحنا الحل وكما أكد محمد يونس "البنك الدولي ليس حلا بل قد يكون المشكلة وهنا يمكن للاقتصاد الإسلامي أن يشكل حلا."...إن من أهم شروط البنك الدولي تعويم الأسعار ورفع الدعم عن الحاجات الأساسية..وهذا لن يكون إصلاحا فعليا إلا من جيب المواطن وعلى حسابه.. إن لم تكن هناك قيمة اقتصادية حقيقية.


ساهم معنا في نشر الموضوع