عطر الذكريات ....
قال لها : تجاوزتني مسرعة وفاح عطرك، تنشقته حتى امتلأت رئتاي به ، أخذني بعيدا"إلى زمن سحيق ....رأيتك
طفلة تلعب ، وظفيرتك الطويلة تلوح على ظهرك...تحضنين لعبة قديمة بثوب زهري . اقتربت منك وشددت ظفيرتك فصرخت ورحت شاكية باكية إلى حضن أمك...خفت التوبيخ فاختبأت خلف أصيص الزرع...وسمعت صوت والدتك يعلو ويعلو..وما زلت مختبئا"خوفا"منها.
وكبرت وراقبتك تنزلين من بيتك...تبعتك ..وذات الظفيرة الطويلة تلوح على كتفيك...وتحضنين بدل اللعبة ...مجموعة كتب أنيقة ...هل قلت لك يوما كم أنت جميلة؟
وأتابع خطواتك..أمشي خلفك.كنت أعمد أن أدوس على الخطوات نفسها...هل تعلمين أن خطواتك كانت قصيرة"سريعة"؟ وقدماك صغيرتين جدا"؟
ابتسمت وقالت له : كنت أحس بك خلفي ..تمشي بخفة ..
تحاول أن تكون قريبا" وتخشى أن يراك أحد...كنت أشاهدك
بطرف عيني تحث الخطا أحيانا" وتبطيءأحيانا" أخرى...
وكنت أخشى أن تشد ظفيرتي كما تعودت.....أدخل من بوابة المدرسة ...أختبيء خلفها ..أشاهدك وأنت تقف مراقبا" الباب الكبير ...وتقذف الحجارة الصغيرة بقدميك
كأنك تعاقبها لانتهاء مشوارك.
- أعود لأقف بانتظارك عند ذات الموقف ...وتأتين مسرعة
كم أصبحت جميلة!!! أنت الآن ناضجة يانعة كفاكهة صيفية..
ولكن أين ظفيرتك الطويلة ؟؟ هل قصصتها؟؟
ولكنك مازلت جميلة...تحملين كتبا" أكثر ومازالت كتبك أنيقة...تبتسمين عند رؤيتي بانتظارك . فجأة تسقطين تلك الكومة الأنيقة من الكتب فوق الرصيف...فيندفع ذاك الشاب
الشهم الشجاع ..فيجمع لك كتبك..وبخفة يستبدل أحد الكتب
الأنيقة ببقايا كتاب...تنام داخله وردة حمراء مجففة..ورسالة أعدت كتابتها عشرات المرات وقد عطرتها
بعطر رخيص ليس كعطرك أنت....تحضنين تلك الكتب ثانية
وتتابعين المسير ...
لم أسألك يوما"هل عدت مسرعة إلى بيتك؟ هل أغلقت باب غرفتك وجلست بحذائك الصغير فوق السرير؟ هل احتضنت ذاك الكتاب وشممت عطر الوردة الجافة ؟ هل قرأت رسالتي ؟ هل ضممتها إلى صدرك وقبلت تلك الورقة المهترئة عدة مرات؟؟؟
أين اختفيت بعدها؟ هل انتقلت من البيت أم من الحارة؟؟
هل تزوجت وأصبح لك بيت جديد وأولاد وعمل يليق بك؟
نسيت أن أسألك ...مانوع ذاك العطر الأخاذ الذي طالما كنت أعيش السحر عندما استنشقه ؟ هل هو ماركة مسجلة؟ أم أنه صنع خصيصا" لك ليناسب شكلك ويليق بجمالك؟
ضحكت مطولا"وقالت: لم أضع عطرا" يوما"...لقد منعني الطبيب مذ كنت صغيرة أن أضع العطر لأنه يصيبني بحساسية ....لم يكن لي عطر محدد ...وأعتقدأن ماكنت
تستنشقه...ليس إلا عطر الذكريات...وعادت تسير مسرعة
بذات الخطوات السريعة القصيرة ...ومازالت تملك ذات القدمين الصغيرتين.
بقلم.... بشرى ممدوح غنامعطر الذكريات


ساهم معنا في نشر الموضوع