مقامة أدبية رقم (١٢) بعنوان المارد ...بقلم الكاتبة هيام حسن العماطوري/سورية
عدت قافلا نحو الديار ...تتمازج مشاعري مابين برد و نار ...يحدثني قلبي عما ينتظرني في كف الأقدار .... يراودني تارة حلمي عريس في الزفة ..وتارة مهموم متخبط لا أجد لي ضفة .. بقيت على تلك الحال حتى بدت شمس النهار إلى الزوال ، ودنت خطواتي من مشارف الحي ..فسمعت أصوات متعالية تبوح.. .. وجمهرة من بعيد تلوح ...تساءلت ما الخطب يا اخوان...مالي تخبط قلبي وكأن اجتاحه البركان . . أخذت
أجد السير نحوهم أفكاري غارقة في الهذيان ... فمسحت وجهي بالرحمن .... غلواء تحدثني عن مكروه حل ... والشيطان يوسوس و لا يمل ...تقدمت في الطريق الترابي ...ولملمت أشلاء أضطرابي ..وأنا أتساءل ما الذي جمع القوم في الساحة ..خففت عني التوتر فسبقتتي أقدامي للباحة ... فكان عكرمة أول من ألتقيت ...أقتربت منه والسلام عليه ألقيت ...فتعجلت في السؤال ...مال القوم
متجمهرون ..رد عكرمة سمعنا أصواتا ً تعلو بالنحيب .. كلما أقتربنا من مصدر الصوت يحس بنا فيخفت ويغيب .. يا لهول ما أسمع .. منذ متى وهذا الحال ..؟ فيطرح الإجابة بسؤال ...وكيف نعرف يا خال ..الأمر يتكرر من أيام وليال ..دعني أرى ..تصافح معي بعض الرفاق ..والبعض ينظر بإشفاق .. وبعضهم يتخبر عن معاذ ولما لم يحضر معي الزقاق ..قلت لديه عمل ..ونحن نتجاذب أطراف الحديث ..وإذ بصوت ٍ يستغيث ..قالوا منذ يومين ونحن نسمع ...ولم نعلم من يكون فقلت لهم يا قوم تفرقوا لبيوتكم ها قد بدأ الليل يهجع ..فذهب كلً بإتجاه .. وبقي ّ معي عكرمة نتكاتف بالطريق ..لكن ما كان ذلك أهو عدو أم صديق ..حتى أقتربنا من حائط عتيق ..وصوت بدا خافتا ً ورقيق .. اسخت السمع وتجاسرت فدنوت أسال من أنت يا أخ العرب ...فخرج من بين كومة الأحجار دخان ..ويحك من تكون كأنه خارج ٌ من الزمان والمكان .. وأخذت أرفع الحصى والتراب وأقترب ..حتى تبدّى لي مصباح قديم عنه الظلام قد حجب .. فما أن لمسته بمسحة من يدي حتى خرج دخان ٌ كثيف ٌ ولهب ... ورافقه صوت مدوي ..أواصري وعكرمة منه ترتعب ..فما كان من عكرمة إلا أن شمع الخيط للهرب ..ووقفت ذاهلا أمام جني متعملق لله العجب ... انساب كالطيف من المصباح وأنسحب .. وأخذت تعلو قهقهته ..شبيك لبيك ..عبدك يين يديك تأمر تطاع ..لا أخفيكم يا قوم ..يبدو أني أرتعبت أكثر من اللزوم فأنتابني الوجل ..وأصابني بعض البلل ..فتلعثم لساني ..وضاع مني كلامي ..أعاد قهقهته الرقيعة ..كانت بقلبي مرعبة ومريعة ..فتجاسرت على القول ..من ْ أنت يا هذا ؟ فأنحنى أمامي بجثته الفضيعة الفارعة .. وجديلة طويلة من يافوخه طالعة ... وأردف : أنا المارد الجني ..حبسني ملك الجن لسوء ظني ..من سنين أنتظر الخروج وأنت من أنقذني ...أنا مدين لك بنجاتي ..تأمر ألبي لك ما تريد يا حياتي.. ثلاثة رغبات وإن تباعدت فيما بينهم الأوقات ...أستجمعت قوتي وقلت له :اليوم لدي حاجة : قل يا سيدي أمرك مطاع ...أريد أن أبدو غنيا ووسيم ... ويقام زفافي كما في الأحلام أو جنة النعيم ..فجلجل بصوت رخيم يصم الأسماع لك ما شئت سمعا ً وطاعة ...فأشار علي ّ بعصا وقهقه ثم أختفى... وإذ بالحارثة يا جماعة يبدو ملكاً يجر عباءته الثمينة اللامعة وعلى رأسه عمامة رصينة بحسنها بارعة ..فمضيت إلى اهلي وطرقت الباب من هيبتي ظنتي أمي ملك البلاد ...جاء من غير ميعاد . .فقلت : ألم تعرفيني يا أماه أنا الحارثة ...فزهت بي وأنفرجت أساريرها ..ولدي الحارثة أي ُ ريح ٍ طيبة ٍ ارسلتك الي ّ ّ ...تفضل أيها الغالي لاملأ منك عيني ّ...فبت ليلتي بهناء وسرور... وحدثتها عن زواجي الميسور ...ودعوتها مع قومي لحضور زفافي يغمرني الحبور.. فكانت حفلة رائعة ...لا يوجد عين دامعة ...إلا عين واحدة نحوي طالعة ..كانت أبنة عمي وداد التي ما زالت بي طامعة ...وأضمرت لي العذاب وأقسمت أن تأفل شمسي الطالعة ...وأخذ يأكل صدرها الحقد تخفيه فتبدو خانعة ..وتوعدت أن أكون لها بعلا ً أو عاشقاً مولع َ، فماذا كان منها يا ترى ..و الحقد الدفين اعماها فبدا حبها كراهية جامعة ...ونحن في خضم الفرح ...جعلت بوارق نجمها لامعة ..كيف ذلك أنتظروني في الميعاد لأحدثكم عن كيد النساء وعن وداد وسعاد .. إلى ذلك الحين أدعكم في وجد ٍ وسهاد .. و عمتم مساءً ..يا من ْ مكانكم اللب والفؤاد...
30710537_469548556795472_9083751669493137408_n.jpg


ساهم معنا في نشر الموضوع