مقامة أدبية رقم (١٤)
بعنوان .. قطاع الطرق ...
بقلم الكاتبة هيام حسن العماطوري/ سورية
ولما عدنا يا أخوان ...و معي زوجتي وجيدة يملأ قلبها الحنان ...وصلنا بالود صديقي معاذ ...فكان خير سكينة وملاذ . وبارك زواجي الميمون .. وعلم بنية السفر .. فأخذ يزهدني بالرحيل الملعون ... ويشرح لي ما ينتظرني مخاطر السفر في البر وفي البحر .. وبأنه ضرب ٌ من الجنون . واكال إلي ّ اللوم والعتب ..فقلت له : بالله عليك دع عنك لومي... وارحم خوالجي وهمي . .فعندي حية رقطاء تتحين ضعفي وغمي ..أفر من سمومها فتتقطر ترياقا يؤدي لحتفي ِ... فأستودعك الله الكريم ..و سأمضي في سراب مقيم ..وودعت وجيدة أبيها كما فعل شهبندر التجار يا بني وقال : أودعتك فلذة كبدي ...أجعل من الرحيل نزهة وجلد ِ .. ولا تتأخر في العودة ...لك ما شئت يا عماه ...وانطلقت القافلة بنا على بركة الله ..نطوي المسافات ببيداء ووديان ..و وجبال ووهادان ...
ترافقنا الأهوال ..ومرة السلامة و الأمال . .. طالت أيام الرحيل ... ونال منا التعب كل حيل . . وقد خرج علينا بعض اللصوص. . . أعاننا الله في خلاص النفوس ..
وكانت الفطنة حاضرة تدفع البلاء والبلوى . .كان شركاً تدبره لنا جمع من الناس . . ما هم إلا قطاع الطرق .. وكدنا نضيع و نفترق .. و بمشيئة الرحمن تغلبنا عليهم بسرعة.... عددهم ما يناهز السبعة .. بعضهم أراد زوحتي غنيمة ..وأخرون يريدون المال والأبل وما ثمنه غالي القيمة ...و كل ما نملك في الرحال..استخرت لله رأياً فهداني .. شرّعوا علينا الخناجر و السيوف وتعالت أصواتهم والبعض يصفق بالكفوف ..هيا أرفعوا الراية البيضاء والاستسلام . ..فقلت لهم فالنتفق على رهان ..فإن فزتم به كان لكم رحالنا دون كلام . . وإذا خسرتم تدعونا وشأننا نمضي بسلام ... قهقه كبيرهم ساخراً ..ولماذا نراهن وكل ما في القافلة رهن لديّ في الختام .. قلت له جرب ...حسناً لا ضر من الممازحة والتسلية ...ولكن اياك وخداعي ومعي تلعب ..إن أثرت َ حفيظتي سأغضب ...قلت أنظر لتلك الغيمة في السماء .. بما تنذر فأجاب ويحك أنت تختبر ما عندي من الذكاء . .لكن حسناً إنها غيمة تدل إن الغد في صخو ٍوإشراق ..وأجبته كلا والله .. بل عكس ما قلت سوف تكون وبال وإملاق .. استنكر و ضج برأسه الغرور ..وإدرك أني أتحداه فغاب عنه السرور ...وأستل سيفه من غمده في ثبور .. يرمي إلي ّ بالوعيد .. إن أردت النجاة فليكن ما قلت أكيد ..رددت عليه بثقة ٍ إن الغد لناظره قريب ألم ترى إختفاء البروج تخبو من بعيد ..عليك أن تغادر من هنا قبل الصباح ... لأن السحابة نذير عاصفة ٍ ومطر شديد ورياح ..
ولسوف يحضر العسس وتزج مع اتباعك في القفص .. ويحك أيها المغمور أتتحدى متمرس وجسور . . هيا أرني صدقك وكيف ستهطل الأمطار ..قلت له لا تتعجل ستعرف حين يبزغ النهار ... وقد لمحت من خلفه عشاً للدبايير ..فقلت له دع عنك الخوف والملامة ..وأعطني قوساً وسهام َ ..اضرب تلك الغمامة ... فالمطر منها ينهار ..فوافق دون أي استفسار ومنحني ما طلبت وقبع في انتظار .. وما هي إلا برهة قذفت السهم مصوبا ً للعش ..فتناثر من أعلى الشجرة وسقط على رؤوس الأشرار .. تلاحقهم الحشرات في كل سبيل ... وصراخهم بات عويل ..و قد دعوت في خلوتي رب السماء ان يخلصنا من السفهاء ...وكبيرهم الحقير ..ويقينا سوء المصير ..
وبقينا ما يزيد عن منتصف الليل ... نجد السير الطويل ... و ظل قطاع الطرق بانشغالهم يفرون من لدغات الزلاقط والدبابير ...أما نحن نرقب من الخالق ديمة تحمل الخير الوفير ...وادرك ذاك المدعي ..انه للخسران رهين ..وعاد مع أصحابه صفر اليدين.. وما ان انبلج الصبح حتى ساق رب العباد امطار غزيرة .. تبشر بنعمة كبيرة ... فكانت فرصتنا لسرعة الوصول ...نشد الرحيل على عجل ...فنريح الخيول ...وأدركنا الطريق ..نحمد الله على السلامة أصبحنا و القافلة في أمانَ ..فسرنا لا نلوي على شيء حتى بدت لنا آثار اقدام فقطعنا المسافة ..وزالت الرهبة و المخافة ..اعاننا الله فأدركنا أطراف الكنانة السعيدة... فعانقت مهنئاً على السلامة وجيدة ..وقد شدت من ازري بالدعاء .. وأثنت على ايماني ورجاحة عقلي وكيف نجونا بأعجوبة من السماء ..ثم بدت لنا الديار ...فبدأنا نلتمس لنا حانة أو خان للاستقرار .. نريح الأبدان من عناء الأسفار ..فوجدنا طلبنا في الحال .. وأصبنا من الراحة و الطعام ما يسد الرمق ..ويعيد طراوة الماء في الحلق ...والى ذلك أيها الأصحاب يغشانا النوم ويبتعد عنا القلق ..أستودعكم ما وصلنا إليه من حال ..وأمل رفقتكم العزيزة فأنتم أبناء الحلال ... لأكمل معكم ما بدأت ...وأخبركم كيف تبدلت الأحوال في المدينة الكبيرة ..وكيف أصبحت للبلاد وزير َ ...فكونوا معي في الموعد ..ورحلتي بصحبتكم تتجدد ...موقعكم في القلب وزيادة .. واترككم بخير وسعادة .....
31453872_475305026219825_662017561696665600_n.jpg


ساهم معنا في نشر الموضوع