قراءة نقدية لقصيدة الشاعرة هناء قاسم.
بقلم:روعة محسن الدندن
مقدمة
ـــــــــــــــ
ان المادة اللغوية للنص تشكل أداة بواسطتها يتمكن الشاعر من إيصال الجو العام والخاص، وهنا كان الجو العام هو الشكوى، والخاص هو عمق الشجون التي تمور داخل النص وداخل الذات، فامتزجا ليكونا لوحة شجون غاية بالعمق.

في قصيدة حسناء البادية (وجهي تواريخٌ)،يتبادر سؤال مهم، الا وهو..
إلى أي حد نجحت الشاعرة في تجسيد عمود الشعر، مع لمسات تجديدية؟
وللإجابة على السؤال لابد من ذكر الخصائص التي تفردت بها القصيدة كخطاب ينتمي إلى حقل الفن الجمالي الإبداعي، من بين الأعداد الهائلة ممن ينظمون القصيدة الكلاسيكية.
من شكل النص، لاشك أنه ينتمي إلى القصيدة العربية، لكن بروح معاصرة من بدايته حتى آخر بيت ضمناً،بحيث في المجمل استطاع النص الإنتماء بشكل واضح وقوي إلى حركة الإحياء كمافعله شوقي ومعاصروه، والذين عارضوا الأوائل شكلاً ،ومعاصر مضموناً وروحاً.
أولا:فهم القصيدة:
........
بعد قراءة القصيدة يبدو أن الشاعرة هناء قاسم، قد اعتمدت تقسيم القصيدة إلى وحدات، فكرية وبلاغية وجمالية، وكثفت الجمل الشعرية بسبعة أبيات فقط، وهو الحد الأدنى لأعتبارها قصيدة من ناحية عدد الأبيات، بمعنى، أن الشاعرة تمتلك قدرة فائقة في إسلوبية وموهبة من ايصال ماتريد، البوح به وبأقصر الطرق، وكأنها تقول، نحن في عصر السرعة، وفعلاً نجحت وبشكل ملفت للنظر من احتواء الخطاب على مضامين غاية بالعمق من الناحية اللغوية والتعبيرية والجمالية
حيث انطلقت من الذات المعبرة، لكنها استطالت لتخزل، التواريخ وما يعتمل بهذه التواريخ من تقاطعات زمكانية واجتماعية ونفسية وسياسية....
وجهي تواريخُ المجاعةِ يرتدي..
وبه اشتهاءاتُ الربيعِ الأسودِ
نلاحظ مدى دقة اختيار المفردة كدال وماترمي إليه من مداليل ومداليل...
لتجبر القارئ للوقوف وتأويل الإحتمالات المتحركة... ليعيد يقرأ بتأن وحذر....
وجهي... ياترى أيّ وجه قصدته الشاعرة؟
وجه المجاعة... نعم، لكن يتبادر السؤال.. ماذا تمثل المجاعة...
هل هم أبناء جلدتنا؟ هل هو الشعب المنكوب.... سيل عارم من الأسئلة....
وبه اشتهاءات الربيع... ولكن أي ربيع... الربيع الأسود.... صدمة، مفارقة، تهكم من نوع حاد...
أما بقية الأبيات، فكلها سارت على نفس المنوال... تفجر لغوي مذهل، ومعاني مخبوءة بين السطور... بقدر ماتجعل التلقي في حيرة، لكنها رفضت لمتعة حقيقية لايشعر بها الا من عشق بلاغة اللغة وبيانها وتأويلها وانزياحاتها....
ثانياً:معجم الشاعرة.
........
النواة المركزية أوالغرض الرئيس هو معاناة من نوع مستديم، وقد عكست هذه المعاناة الفاظ لايمكن الابها من ان نتصور مجم المعاناة، فكل عبارة لها دلالاتها، منها...
ماعبرت عن الذات الشاعرة، ومنها ما اهتم بموجودات البيئة المحيطة، ومنها ماتعلق بالتاريخ، ومنها ماتعلق بالسياسة او الجوى القاتم الذي فرض عتمة على البصيرة...
ثالثاً:الاستنتاح
......
استخدمت الشاعرة انزياحاً لغوياً مبهراً،اثبتت فيه حيوية اللغة وقدرتها على التعبير المتقن بأقصر الجمل، فكانت القصيدة اشبه بقضيب البان وجيد، الريام، من غير ترهل وشائبة.
كذلك جاءت القصيدة سلسلة شكوى ومناجاة، لم تنفصم اي خلقة من حلقاتها، في بنيوية متماسكة، ووحدة موضوعية محكمة..
لكنها لم تبتعد عن المعجم العربي بالمفردات، فمن كانت المفردات وقفاً على المتداول والمتعارف، عليه، وبقصدية، لانها تريد لرسالة الخطاب اكثر وضوحا واكثر نجاحاً وباقصر الطرق.
اختارت الشاعرة قصيدتها على البحر الكامل الغنائي والمستساغ سمعا، ولما يوفر لها ملأئمة للغرض الشعري الذي ارادته، وكذلك قدرة هذا البحر على ان يتسع للتعبير عن تجربة شاعرة واعدة من طراز المبدعين المجددين وبامتياز.
كما اختارت قصيدتها ان يكون رويها الدال، ولما لهذا الدال، من تاثير في استحضار امهات القصائد الدالية لدى اذن التلقي..
رابعاً:الاساسيات البلاغية
........
يبدو ان الشاعرة متمكنه من المحسنات البديعية كالجناس والطباق..
المجاعة/الربيع
يروح/ويغتدي
شدوه/صوت الغراب
كذلك الصور الفنية كالمجاز والتشبيه والاستعارات الرائعة.
نستنتج ان الشاعرة تتبع تقاليد القصيدة القديمة لكن بروية معاصرة ولغة متجددة باستخدام ادوات فنية وبلاغية، اضفت عليها الشاعرة من طابعها الخاص الجمالي والمهاري واعتنت عناية فائقة بإسلوبية مبهرة، افصحت عن بصمة شاعرة من طراز الفحول... بحيث تمكنت من ربط المحسوس بالمجرد، وكذلك تركيبها لصور بعيدة الإدراك...
في الختام... اتوجه بالتحية للشاعرة القديرة،هناء قاسم، ولأستاذي الناقد العراقي الكبير حسين، عوفي ابو ليث، والذي، تتلمذت على يديه في كيفية الدخول للنص وقراءته قراءة نقدية. واطلاعي على منهجه الموسوم(منهح النقد العربي الشامل).
بقلم/روعة محسن الدندن، سورية

وجهي تواريخَ المجاعةِ يرتدي
وبهِ اشتهاءاتُ الربيعِ الأسودِ...

ومسافرٌ عبر العيونِ غيابهُ
وبهِ مساراتُ السّرابِ المجهدِ

حاربت أشواقي بصبري حقبةً
ـغلبت عليَّ صبابتى وتجلدي

اشجانيَ الطير المغرد فى السما
يبكي على إلفٍ يروح ويغتدي

عبث الفراق بدوحه فتجاوبت
مع شدوه صوت الغراب الأسود

يا من تلاعب بالمشاعر والنهى.
ويلات شعرى حارقات معاندي
باقات لملمني الحنين بكفهِ
فبأيّ جرحٍ يا جراحُ سأبتدي...

حسناء الباديه.#هناءقاسم


ساهم معنا في نشر الموضوع