الرئيس السيسي 2
كتب دكتور/ حسن صابر

رسمياً . . تبدأ اليوم الفترة الرئاسية الثانية للرئيس السيسي . . ولست متأكداً أنها ستكون الأخيرة ، على الرغم من أن المادة 140 من الدستور تنص على الآتي :

مادة 140
يُنتخب رئيس الجمهورية لمدة أربع سنوات ميلادية ، تبدأ من اليوم التالي لانتهاء مدة سلفه ، ولا يجوز إعادة انتخابه إلا لمرة واحدة . . وتبدأ إجراءات انتخاب رئيس الجمهورية قبل انتهاء مدة الرئاسة بمائة وعشرين يومًا على الأقل ، ويجب أن تعلن النتيجة قبل نهاية هذه المدة بثلاثين يوما على الأقل . . ولا يجوز لرئيس الجمهورية أن يشغل أي منصب حزبي طوال مدة الرئاسة .


إلا أن تاريخ مصر منذ ثورة 1952 وحتى الآن ، يشير إلى أن الرئيس لا يترك منصبه إلا إذا مات أو قتل أو عُزِلَ بثورة . . ذلك حديث سابق لأوانه ، ولا أريد الإسترسال فيه الآن . . المهم أن الرئيس السيسي سيقسم اليمين الدستورية اليوم أمام نواب البرلمان المصري ، ليبدأ بعد ذلك فترة الرئاسة الثانية .

هذا الحدث السياسي الهام في تاريخ مصر يفرض علينا أن نتوقف أمام مجموعة من الحقائق :

1- إٍنْتُخٍبَ الرئيس السيسي للفترة الرئاسية الثانية ومدتها أربع سنوات بدءاً من يونيو /حزيران 2018 ، بنسبة 97.08 % بالمئة من إجمالي الأصوات الصحيحة وعددها 24 مليوناً و254 ألفاً ، بنسبة إقبال بلغت 41 % بالمئة من إجمالي عدد الناخبين المقيدين في الكشوف الانتخابية ، والذي يصل إلى 59 مليون و78 ألف ناخب .

2- بدأ الرئيس السيسي الإصلاحات الإقتصادية القاسية في منتصف فترة رئاسته الأولى ، ونتج عن ذلك إرتفاع الأسعار في مصر بصورة مخيفة أدت إلى زيادة معاناة الطبقات الفقيرة من الشعب المصري ، والتي تقدر ب 95 % من عدد المصريين بعد إختفاء
الطبقات المتوسطة وإنضمامها إلى الطبقات الفقيرة المحتاجة ، ومع ذلك فإن 97 % من 24 مليون مصري إشتركوا في الإنتخابات إنتخبوا الرئيس السيسي للفترة الرئاسية الثانية . . هؤلاء لا يحق لهم الإعتراض على القرارت الإقتصادية الصعبة التي إتخذها الرئيس السيسي وحكومته ، ويجب عليهم ألا يصرخوا من قسوة الأسعار ولهيب الغلاء ، فهم وافقوا على هذه الإجراءات الإقتصادية يوم منحوا أصواتهم للرئيس السيسي ، فلماذا يصرخون الآن ؟

3- الذين رقصوا أمام بوابات اللجان الإنتخابية ، والذين حملوا صور الرئيس وعبارات التأييد له . . عليهم أن يخجلوا من أنفسهم إذا جاءوا الآن ليعترضوا على الغلاء الفاحش ، فهم قد وافقوا على إنتخاب الرئيس السيسي لفترة رئاسية ثانية ، رغم أنه لم يعمد إلى إخفاء خططه الإصلاحية قبل الإنتخابات ، بل أعلن عنها بكل صراحة ووضوح ، وطلب من الشعب أن يَتَحَمَّل ويصبر ستة شهور فقط ، وبكل تأكيد فإن ستة شهور ليست كافية لإصلاح المشاكل الخطيرة التي عصفت بالإقتصاد المصري ، والتي نتجت عن كارثة 25 يناير - وربما قبلها بعقود من الزمن - فعاد الرئيس وأعلن أنها سنة واحدة ، ثم عاد فأعلن أنها سنتان . . وكأني به أراد أن يعطي المصريين جرعة التَحَمُّل بالتدريج ، حتى لا تحدث صدمة للشعب مشابهة للصدمة التي حدثت أيام حكم الرئيس السادات ، فحين تصاعدت الأزمة الإقتصادية في مصر بعد حرب أكتوبر 1973 ، أصدرت حكومة ممدوح سالم قائمة بالأسعار الجديدة المرتفعة لكل السلع الإستهلاكية بعد تخفيض الدعم على هذه السلع بنسبة 50% ، دون تمهيد الشعب لذلك الغلاء ، فكانت النتيجة خروج الشعب المصري في مظاهرات عنيفة يومي 18 ، 19 يناير عام 1977 . . وهى المظاهرات التي أطلق عليها الرئيس السادات إنتفاضة الحرامية رداً على من أطلقوا عليها إنتفاضة الخبز ، وكان الرئيس السادات يشير إلى النهب والسلب والتكسير والتدمير والحرق للممتلكات العامة والخاصة . . ورغم مرور حوالي 40 عاماً على هذه الأحداث ، إلّا أنّ الوضع الإقتصادي الذي أدّى لنزول الجماهير إلى الشارع آنذاك لم يتغيّر إلى اليوم .

وما أشبه اللّيلة بالبارحة ، خاصة بعد إشادة الرئيس السيسي في كلمته الأخيرة بما وصفه بـ"إصلاحات السادات" عام 1977 ، والتي ما زالت مصر تعاني من آثارها السلبيّة .

وبالطبع فإن الرئيس السيسي استفاد من تجربة 18، 19 يناير وتعلم الدرس منها ، ثم أعاد صياغتها بحسه الإستخباراتي مع خبرائه ومستشاريه ، فنجح حتى الآن في إحتواء غضب الجماهير الفقيرة التي تشكل غالبية الشعب المصري بواسطة سياسة معينة إعتمدت على الركائز الآتية :

* الإرتفاع التدريجي للأسعار دون الإعلان عنها .
* الإعداد النفسي للمصريين بمناشدتهم الصبر لفترات محدودة وليست طويلة .
* الكلمات المعسولة التي تخاطب شهامة المصريين .
* الإلحاح المستمر عليهم بأننا نحارب قوى خفية جبارة تريد الشر لمصر .
* تهديد المعارضين بإجراءات رادعة لو قاموا بالتعبير عن عدم رضاهم ، والتبرير الجاهز طبعاً هو عدم السماح بأعمال تهدد السلام الإجتماعي أو الأمن القومي لمصر .

4- الذين إمتنعوا عن المشاركة في الإنتخابات ، يشكلون 60% من عدد الناخبين المقيدين في جداول الإنتخاب . . أي أن حوالي 35 مليون ناخب في جداول الإنتخاب إمتنعوا عن الإدلاء بأصواتهم وقاطعوا الإنتخابات . . كان يمكنهم المشاركة وعدم منح أصواتهم للمرشح عبد الفتاح السيسي ، لو كانوا يرفضون الإصلاحات الإقتصادية التي أعلن عنها الرئيس قبل سنتين ، لكنهم تنازلوا عن حقهم الإنتخابي . . هؤلاء لا يحق لهم اليوم الإعتراض على الإصلاحات الإقتصادية ولا على الغلاء الفاحش في الأسعار بسبب سلوكهم السلبي .

5- العدد الإجمالي للأصوات المقيدة أسماؤهم في جداول الإنتخاب على مستوى الجمهورية يبلغ 59 مليون و 78 ألف ناخب فقط . . ولا أفهم كيف يكون عدد الناخبين الاجمالي 59 مليوناً فقط من بين 110 مليوناً هم عدد المصريين في داخل مصر وخارجها . . أي أن العدد الإجمالي للمقيدين في الجداول الإنتخابية ، يساوي 53% فقط من تعداد الشعب المصري البالغ 110 مليوناً . . فأين بقية المصريين ؟ أين 47% من تعداد الشعب المصري . . أين 51 مليوناً . . المعروف والمعلن حسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن عدد المصريين الذين تقل أعمارهم عن 18 عاماً يبلغ 37% من تعداد الشعب ، فإذا كانت أسماء غير المقيدين في الجداول الانتخابية تبلغ 47% من الشعب المصري بينما 37% فقط تحت سن 18 سنة ، ولا يجوز لهم المشاركة في الإنتخابات . . إذن أين أسماء الباقين . . أين 10% من المصريين الذين لا توجد أسماء لهم في الجداول الإنتخابية . . أين أسماء ما يقارب 11 مليوناً . . هل هؤلاء هم المصريون الذين يعيشون خارج مصر ولم تسجل أسماؤهم في قاعدة البيانات . . ربما !!

ورغم إجتهادي فقد أكون مخطئاً في بعض الأرقام أو النسب المئوية ، ولسوف أرحب بمن يصحح لي من أهل الإختصاص .

المهم أن الرسالة التي أريد إيصالها هى :

<< لا يحق لمن تخاذل عن ممارسة حقه الإنتخابي أن يشكو اليوم من الغلاء ومن أوضاع البلد ، فهو قد ساهم بشكل أو بآخر في هذه المشكلة ، عندما تخاذل عن الذهاب للجان الإنتخابية ، والتعبير عن رفضه للإصلاحات الإقتصادية والغلاء ، بعدم منح صوته للمرشح عبد الفتاح السيسي >>

6- لا يمكن لأي إنسان مخلص لمصر ، ويَتًّسِمُ بالعقلانية والعملية ، أن يرفض الإصلاحات الإقتصادية ، لإنقاذ مصر من إشهار إفلاسها . . وأوافق الرئيس السيسي حين قال أن هذه الإصلاحات لو لم تحدث في عهده ، فلن تحدث أبداً في مصر . . ذلك لأنه يستند إلى منطق القوة ، التي يوفرها له الجيش المصري المساند له في حالة حدوث أية إحتجاجات شعبية على غلاء الأسعار .

كم كنت أتمنى أن يستغل قوته هذه وثقته بنفسه وبولاء الجيش له ، ليفرض حلولاً حاسمة ، لأخطر مشكلة تواجه مصر ، وهى سبب كل مشاكلها . . إنها مشكلة الإنفجار السكاني . . مشكلة طفل جديد يولد كل عشرين 20 ثانية . . مشكلة ثلاثة أطفال زيادة في تعداد سكان مصر كل دقيقة . . الرئيس يدرك خطورة هذه المشكلة ، وطلب من المصريين أن يكتفوا بطفل واحد أو إثنين فقط . . لكن التعامل مع هذه المشكلة الخطيرة ، لا يكون بالمناشدة الودية للناس ، بل بإجراءات وقوانين صارمة، تحتاج لقوة الرئيس ودعم الجيش له .

7- عندما يبدأ الرئيس السيسي اليوم فترة رئاسته الثانية ، أقول له أنني ما إختلفت معه إلا في أولوياته . . فهو قد إهتم بالمشاريع الإستثمارية التي توفر زيادة في الدخل القومي لمصر ، بينما أهمل الإنسان المصري ، ونسى أن هذا الإنسان هو الحاضر والمستقبل . . كان الإهتمام بالتعليم والصحة في فترة رئاسته الأولى ، من الكماليات بالنسبة له ، لكنني كنت ومازلت أرى أنهما الأساس للنهوض بأي بلد ، فما فائدة الإستثمارات والأموال ، إذا كان من سيديرها إنسان مريض ، لم يجد لا العلاج ولا المستشفيات ، وجاهل لم يتلق تعليماً في مدرسة تليق بإنسانيته ، ولا تعليماً جامعياً يواكب التقدم العلمي الذي وصلت إليه دول العالم التي سبقتنا .

لا أنا ولا السيسي ولا المطبلون له ولا المؤيدون لقراراته إما إقتناعاً أو نفاقاً أو خوفاً منه . . لن نكون موجودين بعد ثلاثين عاماً فأكثر أو أقل ، فكيف سيدير هذا الإنسان المريض الجاهل مشاريع الإستثمار التي بدأها السيسي لبناء مصر الحديثة .

8- وإلى أن يحين يوم الحساب ، ستبقى تيران وصنافير في ذاكرة كل المصريين الذين رفضوا التنازل عنها في الفترة الرئاسية الأولى للسيسي .

رغم كل شئ ، فإني أتمنى له التوفيق والنجاح ، ليس لأنه عبد الفتاح السيسي الذي تنازل عن تيران وصنافير لمحمد بن سلمان ، بل لأنه حاكمُ مصر ، ورئيسُها .


ساهم معنا في نشر الموضوع