مقامة أدبية رقم (٢١)بعنوان الملثم....
بقلم الأديبة هيام حسن العماطوري/سورية

مرت أيام و ليال ِ ... تشوقت فيها للنيل الغالي .. حينها قد خطر الحاكم ببالي.. فات الوقت سريعاً بالتأكيد ..فقلت محدثاً نفسي وبي شوق ٌوجيد..طالت غيبتنا عن الحاكم ...فلعله يحضرني بالخاطر ..وإلا بمرسال منه قد أتى ...و عن تأخري في الرجوع فتى ...أن مولاي الحاكم يطلبك في التو والحال ..فلا تتلكئ مولاي في الإستجابة فوراً للترحال ..و قد عزمت على السفر.. في حين كنت منهكاً بعرس معاذ . و شاءت الظروف ان تكون ملائمة لنسري عند الفجر ..جهزت الركبان حوائجها من زاد وطعام... وزادنا اليوم في السفر .. أصحاب وأقران هم رفقاء العمر ..وأخذنا نجد بالسير ونطرق أبواب القدر . .وقد قطعنا في الدروب أميال يقارب منتصف المسافة ..فتخيرنا قرار أن ننزل لإستراحة ٍوخلاف َ...فوجدنا أن ننشد حانة . .لنريح فيها الأبدان و العِظام َ و نقضي ليلتنا و ننام َ ..وهذا ما كان ..فطلبنا من السّقاء شربة ماء ..وما طاب لديهم من طعام للغداء ..فخرجت رائحة الشواء ..تثير للجوع غلواء ... وعصافير بطوننا تفر للسماء...شبعنا من خير الله ..وتمددنا في إسترخاء...وفي وقت القيلولة تناهت لمسامعنا جلبة ..ما هذا الحِراك و الصخب َ ..هو عِراك دامي بين يافعين من الشباب فلمنْ ستكون الغلبة ؟؟ تخيرت النادل للسؤال ..فرد لا يزيدوا عن أنهم مجموعة عيال ...دائما يحدث بينهم قتال . ..دعك منهم سيدي ..وأشرب ماء الورد مني ضيافة .. فقد شرفتنا صاحب الرفعة بهذه القيافة ..لمحت أن الرجل أزداد في الترحيب والحفاوة .. فما وراءك من هذا التكريم والتيجيل ..أجب دون دوران وتأويل ..نعم صدقت مولاي الوزير ..كانت لي حاجة من سعادتكم وأطمع ان تكون مقضية ...قل ها أنا اسمع .. ولا تغالي بالسرد فرأسي يكاد يتصدع ..
ما وراءك يا رجل ..؟ يا مولاي أنا رجل فقير الحال ..وعندي من الأبناء سبعة عيال .. وأرجو لهم رزقا حلال .. أطمع أن تكون مسانداً ببعض المال .. افتر ت شفاهي عن ضحكة ..وهل وصلك علم إني أرش الدراهم يا خال .. ههه حسناً صار لك من المال ما يسد الأزر ...ويخفف عنك الوزر .
سنغدق عليكم من الجود والكرم بقناعة ...لعل عطائنا خلاصا لنا وشفاعة .. لكن لابد اذاً من مقابل فما يجوز الأخذ دون رد يا جماعة ..تفضل مولاي الوزير ..أنا رهن أمرك السمع والطاعة . .أجبني إذاً : صحن من اللبن في الطاقة... ما هو بجمل ٍ أو ناقة ..فما يكون يا ترى ..إن أجبت لك مني ما طلبت ... وإذا لم تعرف ..... أسرع بالرد المسكين .. صعبت علي السؤال ..سأبدو غبيا وحزين..ألا ينفع أن يكون في الصحن شيئا أخر كالتين. .. ههه نعم أخبرني
قبحك الله من نادل لقد أشعرتني بالجوع ..فأتني بطعام يتسيل منه الزفر حتى الكوع ..هيا بالسرعة القصوى .. الرد بات ممنوع ...خرج على عجل كأنه لا يدرك ما كان بالطبق ..فتسللت لقلبه رهبة الخشوع .. ولم يتوانى في إحضار الزاد ..بالكاد نظراته تحمل لي الوداد .. ضحكت عندما شعرته جاد ..علامَ تنظرني بنزق .. دعني أنهي طبق المرق ..يكاد يعلق بالحلق .. ما اسمك أجبني وكفاك تحملق ..مولاي أنا زيد .. فأخذت أفك العقد بكيس النقد ..ورفعت منه ما زاد عن قبضة اليد ..هاك مالاً حلالاً ...اخرجه بالهناء والسعد ..انفرجت أسارير الرجل ..وتقدم مني منفعل ..تتلعثم كلماته بالقول ..شكرا ً مولاي لا وضعك الله في ضيق ...وما انفض من حولك صديق .. ومضى بحاله لم يعد يرى زغللت الدراهم بصره عما جرى ..وتركني دون ماء للوضوء .. مهرولا خارج الحانة ..فظهر من خلفي رجل ملثم .. يبدو مرتعداً يتلعثم ..ما وراءك يا هذا ..وكيف تقتحم خلوتي فرد علي بسذاجة... وراءي الحائط ..لم يلتقط النفس وأغشى عليه من البؤس فناديت معاذاً وبعض الحرس . .ماحال هذا الشاب أهو لص هارب من الحبس ؟ فكيف إلى هنا وصل ...؟ هيا األحقوه بسكبة ماء أو بفحل من البصل ..و أيقضوه من غفوته ..وسألوه ما كان منه وما حصل ..قال تذكرت مولاي لقد نفذ البصل إلى خياشيمي وأنتهى الأمر....هات وأسمعنا وجود علينا من الدرر .. أعطني الأمان مولاي حتى أعترف وأقر ..حسناً لك ما طلبت تكلم ويحك بدأت أفقد الصبر .. وأنا قادم من البرية ..لحق بي سبع وواوية ..وبالكاد أحميت بساقاي النار .. ووليت درب الفرار ..لكنني سعيد بالنجاة ..وأكتشفت مقدرتي في الركض أسبق غزال اللجاة ..لا حول ولا قوة ..أرسل ربي معجزة من الأخيار ..فقلت له : أمضي الآن بالتو و الساعة وأتني بالسبع حتى أعاقبه جزاء ما أفزعك وما استقدمتك البراعة ..أغرب عن وجهي قبحك الله و قاتلك أيها الإمعة ..ومر الأمر بسلام ..عاودنا للقافلة حوائجنا وتابعنا المسير ..وما هي إلا أيام وصلنا أرض مصر ..ومثلت بين يدي الحاكم وقت العصر .. استقبلنا الرجل بالحفاوة والإشتياق ..و حدثتني عن شعور ه بالفقد والإملاق ..وطلب مني أن أتابع معه أمر... شغله حتى تملك منه القهر ..فأثرت البقاء معه علي أجد له المخرج . .إلى ذلك الحين أترككم بخير و سعادة بلا حرج .. أتفكر بحلول كالعادة ..كونوا معي لنقضي حاجة الحاكم ..وتصلنا من الرحمن خير الغمائم ..ألقاكم والحب على قلوبكم جاثم ..أستودعكم رب السماء ...إلى اللقاء ...35361760_145817496285911_2391959122133123072_n.jpg


ساهم معنا في نشر الموضوع