* مشهد مريع .. الأرض تغمرها المياه.. فالماء يخرج منها و يسقط عليها من السماء مع العواصف و الأعاصير..كادت تختفي عن الأنظار .. بعض رءوس الجبال و السفينة يميزوا المكان .. الكل صرعى و غرقى .. و لم يبق إلا السفينة بحملها.. و ابن نوح و زوجة نوح يتصارعان مع الأمواج و يتسلقان أعلى جبل .
نوح عليه السلام نادى ابنه :
_ تعال اركب معنا
يرد عليه بقلب خائف محسور و الكفر يسيطر عليه:
_ سآوي إلى الجبل ليعصمني.
رأي نوح_عليه السلام_ زوجته ترفع ابنه إلى الأعلى لتنقذه.. فأدرك أنها كافرة و ممن شملهم غضب الله سبحانه و تعالى.. و بقلب الأب الغالب على أمره سأل ربه :
_ إنّ ابني مِن أهلي. وإنّ وَعَدَكَ الحّقُّ وأنتَ أحكَمُ الحاكمين.
فرد عليه الوحي :
ـ يا نُوحّ إنّه ليس مِن أهلِك، إنّه عمل غير صالح ٍ.. فلا تسألني ما ليس لك به عِلم.

هاهنا .. سجد نوح مستغفرا ربه طالبا منه العفو إذ سأله ماليس به علم :
_ ربي أعوذ بك أن اسألَكَ ما ليس لي به عِلم. وإلاّ تَغفِرْ لي وتَرحَمْني أكُنْ من الخاسرين.

قال تعالى (( ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون ونجيناه وأهله من الكرب العظيم وجعلنا ذريته هم الباقين وتركنا عليه في الآخرين سلام على نوح في العالمين إنا كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين ثم أغرقنا الآخرين)) صدق الله العظيم .. الصافات

انتهى أمر القرية و أمر ما فيها.. غرقت و لم يبق عليها أي شيء يرمز للحياة .. و شقت السفينة طريقها بإذن ربها.. حتى شعر نوح_عليه السلام_ و أصحابه بأنهم في أمان ..فقال لها نوح.. بِسم الله مَجْراها ومُرْساها.
و بعد أربعين يوم .. توقف المطر و ابتلعت الأرض ماءها و استقرت السفينة على الجودي بأمر ربها .. أراد نوح عليه السلام أن يعرف أحوال القرية.. فأرسل غرابا قويا ليستكشف الأمر.. فوقع الغراب على جيفة و نسي أمر نوح؛ فتأخر في العودة.. فطلب من الحمامة أن تقوم بالمهمة .. فرأت أن الأرض يبست فأقتلعت غصن زيتون منها و أتته به فرحة... هلل و أصحابه و علم بأن الأرض أصبحت طاهرة.. تصلح لبناء (دنيا جديدة) من أصل صالح .. من نبي و صحبه.. و حيوانات من سلالات أصيلة ترث صفاتها لأجيال و أجيال.. كلها وسائل لتعمير الأرض.. نوح أب للبشرية من جديد .
و أخيراً... بعد أن ازدهرت الأرض من جديد و عمرها نوح بنسل منه و من أصحابه .. و قضى فيها ألف سنة إلا خمسين (950) سنة ذات يوم .. كان يقف في أعلى مكان بأرضه و يتذكر الماضي و يشكر ربه على الحاضر.. و يقلب عينيه في الأفق و فيمن حوله و قد اعتمرت الأرض و هنا يرى أولاده و أصحابه يبنون و يعمرون و هناك منهم الزارعون و أخر مثله نجارون .. تذكر سيرة أبيه آدم _عليه السلام_ شعر أنه هو الأخر نبي و رسول مميز كأبيه آدم .. و لم لا ؟!
فهو الآخر صانع الأرض الجديدة كأبيه .. عليهما السلام.. و في وسط هذا الشعور الجميل و النشوة الفائقه جاءه جبريل و معه ملك الموت عليهما السلام و سأله:
_ يا نوح.. عمرت في الأرض طويلا .. و شهدت ما لم يشهده غيرك من لدن أبيك آدم إلى يومك هذا.. قد أديت الأمانة و رضي الله عنك و غفر لك .. هل لك فيها مطلبا ؟
علم أن هذا تصريح من جبريل عليه السلام بانقطاع الوحي.. و أن مهمته قد أنتهت فرد عليه:
_الحمد لله أنك شهدت لي بذلك .. و لم يبق لي مطلبا إلا ملاقاة ربي و رب العالمين.
فسأله ملك الموت :
_ و ما رأيك في الحياة و قد قضيت فيها عمرا طويلا ؟
فعلم أن ملك الموت أتى ليقبض روحه ..فتحرك من مكانه المشمس و اتجه إلى ظل شجرة قائلا:
_ رأيتها هكذا .. تمر سريعا.. كما لو كنت في خلاء مشمس فتحولت و صرت تحت ظل شجرة وارفة.
* استسلم سيدنا نوح _عليه السلام_ لأمر ربه.. و رددا جبريل و صاحبه ((أن سلام على نوح في العالمين)).

انتهت قصة نوح .. و نوح نبي. و نوح صانع الدنيا الجديدة.
و إليكم بعض الرؤى فيها:
1/ التشابه بين قصة سيدنا آدم و سيدنا نوح عليهما السلام في أنهما إبتداء للبشرية .
2/ أن الله تعالى لم يذكر في كتابه العزيز أسماء أبناء نوح الأخرين و كذلك اسم ابنه الكافر . لعدم أهميتهم فهم لم يكونوا أصحاب معجزات و لا رسالات .. و كل ما يهمنا هو نوح عليه السلام . و كما نقول نحن كتاب القصة.. هو بطلها.
3/ أصدق الحديث هو كتاب الله .
4/ أن لا نأمن مكر الله .. لم يعد لنا أنبياء و رسل يحذروننا .. فلا تغرنا الدنيا.
5/ مشهد الغرق.. كان مشهدا صادقا ليس فيه مغالاة و لا سفه.. و هذا ما يميز القص القرآني الديني.
6/بعض كتب التاريخ و الأخبار .. ذكرت أسماء أبناء نوح المؤمنين و هم (سام.. حام .. يافث) و اسم ابنه الكافر (يام .. أو .. كنعان)
7/ الحق .. اسم من أسماء الله و لابد من نصره.
أخوتي و أخواتي .. كانت تلك قصة أبينا و نبينا نوح عليه السلام.. أعذروني للإطالة (سالمة المغربي)


ساهم معنا في نشر الموضوع