مقامات هيام على لسان ابو العباس رقم (٢) ..
بعنوان زيارة الطبيب . .
بقلم الأديبة الرائدة هيام حسن العماطوري /سوريا
حدثنا أبو العباس عن الرعية والناس ..
فقال: مررت برفيقي أبا عبيد ..نتجاذب أطراف الحديث وذكرياتنا في الشباب نعيد ... فتناهى لمسمعي بعض الأنين ...من قلب متألم حزين ...فقلت خيراً أبا عبيد ...عسى العيال بأحسن حال...فقال هذا ولدي عبيد ...فرد عليه ...عماه ابو العباس ..معذرة ً فقد ألم بي مرض عضال .. وتجمع بي الوجع ..ما بين اضراس مهترئة مآلها الخلع .. وبين مفاصل متعبة أصابها الهلع ... وأبيت زيارة الطبيب فصبرت وصبرت وأتمنع ..حتى ساءت حالي .. وليس لي من معين ينفع.. فمررت بصديقي يزيد ..علني أجد دواء يفيد ... فيحس ما بي ويتوجع ...فما كان منه إلا أن قال: ويحك كيف تصبر على ألم ٍ كجمر ؟ مالك بد من الطبيب لحالك ينفع ..ذهبت أقدم رجل وأأخر أخرى..حتى دخلنا العيادة .. فيبدو الاهتمام زيادة ..وبدأنا ننتظر الدور . .ومعدتي إنتابها الخوف والثبور ..أخذت ألطم ضرسي الملعون ...وأتشهق من الألم في جنون ...وبعد الانتظار ..دخلنا حجرة المعاينة ...فأشار إلي ّ الطبيب أن أعتلي كرسي متحرك ..فباتت أواصري ترتعد ومعدتي تمغص وتتلبك ..أفتح فمك قد قال .. أي الأضراس فيها إشكال .. لن أفكر بالخلع ... إنما نصلح الإختلال . . . فمضغت ريقي وكاد يجف وأنا أفتعل البلع ..ضرس العقل للأسف .. تفحص المرحوم متعفن الجذور ..كيف تصبر على العسف وأنت مجبور .. إحتماله لا يتعدى ضرب من الجبن و الجنون .. يحتاج لخلع ٍ بالحال ..وليس أمامي من خيار.. أو جدال... فقلت أما من حل إلا الإقتلاع ...هو رفيقي أستغني عنه محال ..وانا ما همني هذا الرفيق المؤلم ..لكن الخوف في قلبي تراكم ...ونفذ صبر الحكيم وأصراره تعاظم ..فأتى بأبرة المخدر ..وغرزها باللثة دون رحمة و تخير ..وبدأت شفتي بالتنيمل ...وأزدري ما آل إليه حالي من تغير ...ثم حمل الكلابة أدخلها بين الفكين وبقوة خلع الضرس اللعين .. وبعدها يا عم بدأ الوجع والأنين ...فخجلت من البكاء وقلبي كاد يتوقف من هذا العناء .. وحشى مكانه الفارغ قطنة ..فنقدته المال ولم أستطيع الإجابة عن اي سؤال ...خرجت لا أرى أمامي ... وتعاظم الألم في فمي . .كانت رحلة وجع موفقة. . وجولة دون ترحال ...
فنال مني الجوع أيما مآل وعصافير معدتي أنشدت ألف موال ... فما سيكون بي الحال علي أن أتحين الفرصة ليكون الزاد لي نصيب منه و نوال ..فوقعت بالحيرة ... إلا أن أظفر بحيلة ... أجد للطعام مآب ...غير أن الحكيم أمر بعدم تناول ما طاب.. قبل أن يمر الوقت ساعتين بالتمام من العذاب ...
فأنشد أبو العباس يقول : مسكين هذا الجيل المغمور ...تؤلمه غرزة إبرة وتترك قلبه مقهور ...سقا الله أيامنا الجميلة .. لم يكن هناك طبيب أو بيدنا حيلة ... إلا الصبر على مضض...وعلى حكم الله لا نعترض ...نخلع الضرس ..ولا نشتكي الخوف .. ولا نبالي نبتلع الألم بالحرص ... دواؤنا القليل من ماء وملح ...نعقم فيه الجرح ... حياتنا كانت بسيطة . .. تتخللها الفكاهة والحيطة . .. نعالج أوجاعنا بالسرور والغبطة ...وننسى الألم فنخرج بين الناس في الديرة... ونطوي ما صار تحت الحصيرة ...أعانكم الله بما يفعل الغنج و الدلال ... تعتلون الأكتاف و تسقطون دون نزال ...ويح هذا الجيل الطرير ..كل وقته يرفل بالحرير ...لا يحمل الهم وعن نفسه غير مسؤول ولا خبير ... لا مبالي ولا يهتم ..تأتي إليه حوائجه فتعلم قلة المروءة والاهمال ..ثم بات إتكالياً لا يغمه غم ...وماتت مشاعره ..فإذا فقد عزيز مسح دمعه بلحظة وقال لديّ آخر بي يهتم ...إلى أن جاء ما يقلب الأحوال .. فبات الرحيل عنوة ومجال ..لحى الله هدأة البال ...أبقوا معي ..فالسوف أكمل معكم الموال ...وأتحدث إليكم بما للرعية من أمال ...وأسرد لكم عما جرى بسوق الهال ... إلى ذلك الحين نلتقي على خير ووئام ... في رعاية الله خير ختام والسلام ..إلى اللقاء .36926403_170449427156051_1069527795362693120_n.jpg


ساهم معنا في نشر الموضوع