مقامات هيام على لسان ابو العباس في أحوال الرعية والناس رقم (٣) بعنوان حكاية الثعلب...
بقلم الأديبة الرائدة هيام حسن العماطوري / سوريا
قال أبو العباس : حدثنا يوماً رجلاً زائراً من الهند ..أستقدم لتجارة من بلاد الشام لبلاد السند ..عن أطوار غريبة لمسها في طبائع البشر ..ومما أثار ضغينته تلك المعاملة تجرح اللب وتقهر .. فأفقده الحماس ..ثلة من الناس ..تتأبط الشر الجسيم ..وتمنع الخير العميم.. .قد وافاني الى دار الحكمة الرجل الهندي .. يتمتع بالحكمة والذكاء ..ويوزن عقله أعتى العقلاء ..ذو النظر الثاقب ..والفكر الواثب ..والفطنة عنده أرث و مكاسب ..فقال : يا قوم رأيت في بلادكم العجب ..لا ينقصكم السداد بالراي والبلاغة والخطب ..وأرى منكم الخانع المتواكل دون سبب .. عجبت لسادة وصلت فتوحاتهم المشرق والمغرب ... ويبيت جماعات منكم على الطوى .. بالرغم خير البلاد وبما أحتوى ...فكيف يعم الفقر والظنك و لديكم الأنهار ...لا تروي الأفواه من الضمأ ..لعمري أنه سوء تدبير ..وقلة حيلة ...أو فقدان ضمير ..كبيركم لا يشبع ..وصغيركم على الدوام كأسه بالعوز مترع .. فقال أبو العباس : ويحك يا رجل أتجلس في أحضاننا وتنتف اذقاننا . . . أصمت حتى لا تنال ما فيه النصيب. .فسكت على مضض .. وبلع الريق وأمتعض. . فحدثنا برواية ..تجانب الخيال . .ونحن نستمع له في المجلس وقد نقلنا إلى عالم من الغيب والمحال .. كأننا أبناء أبن آوى بالقدر والمثال ... جاءنا صغير القوم له حاجة عند الملك ..فأمر أن تقضى حاجته في الحال.. و كان له ما طلب .
فأنشد أبو العباس يقول : هيهات يا زمن الرشد والعقل .. أبتلينا بآفة التقليد والجهل .. وما بعد أيها الزائر الكهل .. هات وأتحفنا بما رأيت في بلادنا من خصوبة أو قحل . .فأردف الغريب : بالله يا قوم كانت حكاية ملك الغابة والثعلب خير مثال لما جاء عن أقوام ثمود وتغلب ...فقد كان ملك الغابة في وقت القيلولة يجلس مرتاح ..ومن حوله لبوات جميلات وخضرة المراح ..والبطن منه متخم ٌ والفكر منه ذاهب ٌ مرة ومرة صاح ..وإذ تعالت من حوله أصوات نباح ..فظن أن الأمر عابراً ..أهمل وأستراح ..فأستقدم إليه كلبه الوفي ..وأخبره هامساً عما جرى بالليل قبل الصباح ..فأستنكر لما سمع ولم يلقي بالاً أو سماح ..عاوده حارسه بالحرص ينبه ملك الغابة بالكثير والأصرار من النباح .. فلم يكترث للقول ولم يسمع منه لا بهدوء السرد ولا حتى الصياح ..أنبلج الصباح على ثعلب يتقرب للملك .. ومن طرف اللسان حلاوة يمنحه الكلام ..والسم في جوفه خبأه والموت الزؤام ..وأيضا الملك لم يكترث للقول ، ولم يجعل للعقل احتكام ..وتمادى في تغيب وعيه أنساه طيشه الرعية والأنام ..في ليلة جاءه كلبه الوفي ومعه مجموعة من أترابه المخلصين ونصحوه أن يبعد عنه الثعلب الملعون ..وذكروه بما يتصف من دهاء ومجون ..ووضعوا أمامه صور ما كان وما سيكون ..أبى إليهم الإصغاء وبقي على نوائبه من الغباء ..فقالوا له جميعاً لن نقف مكتوفين الأيدي حين يحل البلاء ..وستعلم قريباً ما يضمره الثعلب الماكر ليجعل مملكتك تقلب رأساً على عقب ..لم ينصت وطردهم شر طردة وأكتفى بالثعلب معسول القول ووده ..فأستفاق يوماً عند الصباح وإلا بجموع من الثعالب والذئاب تلتف من حوله ..وهو اليوم يزأرحين شعر بالوحدة... فيصرخ لحراسه النجدة ..وأمسى لا حول له ولا قوة ..فكانت نهاينه وخيمة وعلى رعيته سقيمة ..فقد منيّ بشر هزيمة ..حين أنصت للغرباء ..و انفرد بالرأي دون شكيمة ..وجعل مجلسه لربعه منأى وهو يفتقد العزيمة ..فنال جزاء الأهمال ..وصحبته للثعلب كانت وبال ..وزاد بالقول ذلك الكهل ..الطيبة هي نقطة الضعف ..والصبر وعدم المواجهة والخوف ..كانت نهاية حزينة لملك كان يحب يوما ربعه وله مقام وقيمة ..فإتعضوا مما أبتليتم من خيبة ومصائب ... فإن التسامح بغير موضعه يجلب عليكم النوائب ...هذه نصيحتي لكم وفيما بيننا تجارة وتعامل صائب ..فلا تصدقوا الأغراب فيما يقدمون من خير مغلف بالخراب . .ولا تشرعوا لكل ما هب ودب الباب ..واحموا شموعكم من الريح ..حتى تضيء لكم الطريق ..فإن قلوبكم تشب فيها الحمية كالحريق ..وأتعظوا من أدوار الزمان ..وأنتم شوكة وحجرة عثرة لكل من خان ..أمسك الرجل عن الكلام وزاد في القلب حسرة و غصة ..وترك القوم في ذهول من تلك القصة ..أسلف ابو العباس ..الآن تفكروا فيما قال الرجل وأجعلوا لحياتكم القادمة مقياس ..أترككم برعاية الله والخير لكم مساس ..وأبقوا معي لأسرد عليكم من مقامات هيام وأبو العباس وأخبركم عن أخر أخبار الرعية والناس كونوا بخير وسلامة ..محبتي خير ختام و علامة ..الى اللقاء .37181309_174670866733907_5377478756023664640_n.jpg


ساهم معنا في نشر الموضوع