واقعنا اليوم .. الواقع الثقافي 01

الكاتب محرز شلبي

الثقافة هي اللغة كما جاء في معجم اللغة العربية المعاصر، وهي الرقي في الأفكار واعتدالها ، وتعرف عند الفلاسفة بأنها تهذيب وصقل النفس البشرية ، وهي مجموعة من السلوكيات التي تم إتباعها لتقويم سلوك الأفراد والمجتمعات ...

يمكن استخدام كلمة ثقافة للتعبير عن أحد المعاني:
- تذوق الفنون الجميلة والعلوم الإنسانية...
- مجموعة من الاتجاهات والقيم والأهداف التي تميز مجتمع ما أو مؤسسة ما...
مفهوم الثقافة ظهر في أوروبا بداية القرن 19 بهدف تحسين مستوى الأفراد ثم تطور إلى تعديل المهارات من خلال التربية والتعليم ، واختلف مفهومها في نهاية الحرب العالمية الثانية حيث برزت في علم الاجتماع ، والأبحاث الثقافية ، وعلم النفس ، وأبحاث الإدارة...

عبارة الثقافة تحولت في أوروبا إلى معنى الحضارة مترجمة للتمييز بين سلوك الأفراد والمجتمعات...

وانطلاقا من واقع بيئتنا الإسلامية اختلف العلماء في وضع تعريف واضح للثقافة لها بسبب جدية المصطلح لأن من أهدافها :
- تقديم التصور الصحيح للإنسان وعلاقته بالحياة .

- علاقة الدين بالحياة كلها.

- الربط بين العبادة والمعاملة وترجمته بالأخلاق والسلوك.
إننا نعيش كمواطنين عامة وكمسلمين (خاصة) زمن الانفصام بين العبادة والمعاملة ، بين القول والعمل ، بين الحقيقة ونكرانها ...
بصراحة حالنا ليس بحال أهل الإسلام الحق ولا بحال أهل الكفر والعياذ بالله ، لم نحدد الهوية الفكرية الحقيقية بعد، الإسلام بدون فهمه لا معنى له ، الفهم يجب أن يتقدم الإخلاص ، بل مازال الحوار فيما بيننا إلى من ننتمي ، ومن نحن ، ما هي هويتنا رغم أنها واضحة المعالم التاريخية!؟

نعم ، بل نؤكد إنه حين يصير حال الثقافة أوحال الدين - على يد من يتحدث باسمهما – فالدين ومن خلال خطابه التقليدي مرادفًا لجمود الفكر والانعزال عن حركة الحياة وواقعها ورجوعًا إلى الوراء وانتكاسًا شاملًا في كُلّ الميادين الماديّة والأدبية، فلا لوم على البعض إذا نبذوه وهاجموا تعاليمه بسببهم .. إنّه وقتئذٍ لن يكون دينًا من عند الله، بل ميدان يخوض معاركه الهامشية مجموعة من قاصري الفهم وضعفاء النظر في إطار الإفراط والتفريط ، ولذلك فإننا ندعو إلى حربٍ شاملة على الكهانة المعاصرة والجهل الحديث وكافّة الأدواء والرذائل التي أصابت خاصة بعض دعاة الفكر يمينا أو شمالا في زماننا ، إذ أنّ الهزائم التي لحقت بنا في ميدان الثقافة والفكر أخزى وأشد من الهزائم التي لحقت بنا في ميدان السياسة والحرب...

إنّ معظمنا وكعينة فقط ، اختزل الدين مثلا في علاقة ضميرية روحيّة بين العبد وربّه، الدين في القلب كما يرددون ،وفصله كلّ الفصل عن باقي مناحي الحياة السياسيّة والاقتصادية والاجتماعية ...، ونحن كما نوجه من يعتقد هذا يقينًا من العلمانيين والمتغرّبين، فإنّه من الأجدر بنا أن نواجه من يختزل الدين ويسطّح قضاياه جهلًا في أركان ضيّقة بدعوى العصرنة أو التمسك بالقديم البعيد عن التجديد الذي تجاوزه الزمن، إذّ لا مكان للإسلام عندهم إلّا في أماكن محددة ، والعبادات التي حولوها إلى مجرد طقوس وحركات بلا روح...

إنّ هذه النتيجة المخزية التي أُصبنا بها في واقعنا ، جاءت مباشرةً من حملات التغريب الاستدماري لا الاستعماري أقول عن طريق من تم تدريبهم وتكليفهم للقيام بمهام نيابة عنهم ماضيا أوحاضرا وبأكثر شراسة وتنوع في الوسائل الخبيثة المسمومة المغلفة تحت عناوين براقة خادعة للسذج ، وبالتشويه فكانت مثالًا عمليًا لها، و من أناس تمنبروا أي ارتقوا المنابر المختلفة زورا وبهتانا !

من أهداف الرقي الثقافي يقول مالك بن نبي رحمه الله في شروط النهضة: “إنّ للتاريخ دورة وتسلسلًا، فهو تارة يسجل للأمة مفاخر عظيمة ومآثر كريمة، وهو تارة يلقي عليها دثارها، ليسلمها إلى نومها العميق، فإذا ما أخذنا هذه الملاحظة بعين الاعتبار، تحتّم علينا في حلّ مشكلاتنا الاجتماعية أن ننظر مكاننا من دورة التاريخ، وأن ندرك أوضاعنا، وما يعترينا من عوامل الانحطاط وما ننطوي عليه من أسباب التقدم، فإذا ما حددنا مكاننا من دورة التاريخ، سهل علينا أن نعرف عوامل النهضة أو السقوط في حياتنا”.

إن الكثير ممن تولى منابر السياسة والثقافة والتربية والتعليم والتوجيه الديني بل والإشراف العام بدءا من الأسرة والمدرسة والمسجد ... ، لازال يتحدث بلسان أهل القبور، يغرد خارج السرب طمعا أو خوفا ، فكر قديم وأسلوب أقدم ...

ومع الأسف إن نوعا آخر يحصر أسباب واقعنا المريض في سبب البعد عن الدين ، وهو من شوهه أو بتخلف فكري أو اقتصادي وهو من أسبابه !!!

تصور مثلا كما قال أحدهم : أنّ المساجد إذا امتلأت بآلاف المصلين وحفظة القرآن والفقهاء...، ولكنهم في ميزان القوّة الاقتصادية والعلميّة لم يجاوزوا خانة الأصفار، ألم نرى عكس هذه الصور بعين اليقين من خلال واقع غيرنا من الأمم والأوطان وراحوا بعيدا في عالم التقدم !؟

إن ما نحن عليه اليوم في عصرنا هذا لا يُسأل عنه من خططوا له قدر ما يُسأل عنه نحن ، فكيف إن كان المريض مخدوعًا لا يدري أنّه مريض؟

مما سبق أتمنى من أخي القارئ وأختي القارئة أن لا يفهم أنني أسخر من مجتمع أنا عضو فيه ، إنما هي مراجعة لحالنا بعيدا عن المجاملات التي بسببها كنا كتلك العجوز التي حملها فيضان الوادي للهلاك وهي تقول "ياله من عام زاخر..."

عليه سوف أتطرق في كل مرة بمشيئة الله تعالى شاكرا إدارة الجريدة الموقرة إتاحتها الفرصة للتواصل مع قرائها الفضلاء لنساهم بمحاولات متواضعة في علاج بل في التنبيه لأسباب تخلفنا ووهننا وعجزنا عن الإصلاح كغيرنا بكل موضوعية بعيدا عن تجريح الأشخاص والهيئات والتي بدونها يستحيل أن تكون لنا نهضة أورقي .
الكاتب محرز شلبي


ساهم معنا في نشر الموضوع