_ أنا تعبت من كل شيء _ دخل أحمد الغرفة _ .
طريقته في الشكوى كلما أجبرته آلام معدته و الأمعاء،على تجاوز بضعة أيام دون شرب و سهر،ليلوح غيم اكتئابه في الأفق من جديد.
_ الحياة ابسط بكثير _ أجابت لنجا و هي تتمنى خنقه،لعدد النعم التي لا يراها بين يديه _ .
_ أنت لا تهتمين إلا بأولادك،منظمة كل شيء كالبلهاء.فربما أطردك بعد الإنجاب،و تعرفين أنك ستضيعين لو فعلت _ تعالت ضحكته الشريرة _ .
لم تجبه و نهضت متثاقلة نحو باب الغرفة هربا من كآبته المدمرة،و حتى لا تنزع القناع الملتصق بوجهها و روحها،فتهد المعبد على من فيه.
تاهت منها الأحاديث حولها لتذكر عمتها خديجة الحديدية الجميلة،التي كانت و لازالت تبدو للجميع مرعبة السيطرة،فتظل متربعة مكانها وصواني عليها أباريق القهوة والحليب الفضية لا تفارق مجلسها.و دوما بعض البنات من البادية،ممن تدرسن في المدينة تحت رعايتها،أو لإتقان صنعة ما من تطريز و حياكة أو تصفيف شعر،يحطن بمجلسها تمهيدا لخدمتها.خاصة بعد أن هجرتها بنتيها إلى خارج البلاد.
تحركات أنثوية في كل اتجاه تلبية لأوامرها،بينما لباسها ظل عبارة عن فستان طويل بصدر عار يبرز نصف نهديها،بفتحة على جنب تظهر ساقها إلى نصف فخدها،لا يتغير بألوانه و أشكاله الحريرية،إلا في فصل الشتاء بوضع عباءات صوفية،بلا ذرة عاطفة متحركة في عينيها أبدا.لكنها ظلت عاشقة من الطراز الأول،كأروع حكايات العشق لو اختارت زوجا،و عفريتة من مردة الإنس لو قررت تطليق من لم يعد على هواها.
_ هل كانت خديجة على حق،حين حاولت صنع جبارة مثلها مني ؟ _ .
_ هل أنت عمتي من خبرت ظلم الصبية،فاعتقلت الخوف و أطلقت شباك الترويع،تصطادين أشرار الكون بلا رحمة،قبل أن يقتنصوا ملاحتك و قلبك،الذي و أدته في أول ليلة،فوق سرير ذلك الرجل الضخم و أنت طفلة ؟ _ أضافت مناجية طيف عمتها التي أحبتها بطريقتها _ .
_ أم أنا حاولت عدم السقوط في مستنقعك،رغم مروري بنفس تجاربك و أكثر.فجرفت فوقي كل مستنقعات الكون،متمسكة بالأمل في العبور ذات يوم أطهر من الطهر نفسه ؟ _ .
_9_
_ سأذهب عند لنجا أو أنتحر _ .
بكاء شهرزاد الصبية يمزق نياط أي قلب،إلا قلب النسوة المحيطة بقامتها المهتزة من كثرة البكاء:
_ عليها أن تعطيني الأساور التي اشترتها خفية،لأفرقها على أختيك،فهما أحوج إلى إيجاد زوجين محترمين.أم أنك تحبينها من دونهما ؟ _ لعلع صوت كنزه والدة شهرزاد،لحسم موقف البكاء هذا _ .
_ إنها تجمع حليا لتبيعها حين تنقصنا الكتب أو الألبسة و غيرها،و ليس لزينتها الشخصية _ اعترضت مريم الأخت الثالثة متدخلة للتهدئة _ . ر
اقتربت كنزه من عينيها فأشاحت شهرزاد بوجهها،كأنها تفر من أفعى قد تلدغها في أي وقت،و بدون أي إشعار.
_ هي تريد أن تظل السيدة المحترمة وحدها _ عقبت نورا متهكمة _ .
_ اصمتي أنت يا كلحاء الوجه _ همست شهرزاد غاضبة _ .
_ ماذا تقولين ؟ _ قفزت إلهام واقفة لتصفعها _ .
_ اتركيها لتموت بغيظها هي و الأرنبة البيضاء مثلها.و لو عيرتني بسمرة ملامحي فأنا أكثر ملاحة _ علقت نورا متشفية _ .
_ و لهذا وجدت زوجا،دون الحاجة إلى أساور و ملابس أحد _ .
جاء التعليق منتهيا بصفعة نورا و جر إلهام لشعرها،لكن شهرزاد لم تصمت و مزق صراخها الآفاق،حتى تدخلت مريم لتدافع عنها.
_ اتركيهما يقتلانها لأرتاح من وجهها _ حاولت كنزه جر مريم بعيدا،لتظل المتفرجة الابدية على حلقة القنافذ و القردة _ .
كانت كنزه المحرضة على أذى لنجا دائما،و ظلت على نفس المنوال مع شهرزاد،و الفارق الوحيد هو أن وحشية الأب لامست مرة واحدة الصبية،حين كسر ذارعها و هي بنت سنتين.لكن لنجا تصدت له كالمسعورة مهددة إياه بكل الوسائل المتاحة حد التبليغ عنه.و من يومها لم يلمسها إطلاقا،كأنه ندم على كل ما فعله معها هي،فأعلن توبته بنبذ العنف ضد شبيهتها.
_ كرهت لنجا لأنها لم تكن صبيا،فرزقك الرب بنتين بعدها قبل الولدين اللذين فقدتهما بجهلك _ تحدت مريم أمها لأول مرة _ .
صعقت كنزه متأملة هذه الفتاة الجميلة،التي تقص شعرها مثل الولد،و كأنها تمحو أنوثتها حتى يتركها الجمع اللعين في سلام:
_ اتركاها و شأنها و سأذهب معها،لأوصلها في قطار أو حافلة،و إلا والله أبلغ الشرطة الآن و فورا،أنكن جميعا تحرضننا على الفساد _ .
توقفت النساء الثلاثة أمام هول ما أعلنته مريم المراهقة المسالمة التي لا تتدخل،رغم إعجابها سابقا بأختيها.و أمام حملها لأول زجاجة عصير،كاسرة عنقها على حافة المائدة،استعداد للقتال حد الموت،حماية للطفلة التي طالما غارت من إطلالتها بعدها،بأكثر من سبع سنوات.
أعلنت مريم ميلاد نموذج آخر،لخلية كنزه المتناقضة،و الذي لن يسمح بعد الآن بالتعدي عليه بسهولة.فمنذ تلك اللحظة،لم تعد مريم المنسية،بل خطرا متحركا مقلقا جمع بين نعومة الأنثى و خشونة الذكر.فاحتارت الأم بين الإعجاب و الرفض حد الإلغاء كعادتها.
_10_
مضت أيام و لنجا لا تغادر فراشها،إلا بعنادها المتحدي لمخاوف الطبيب،فبدأت تحتاج مساعدة مرات في أخذ حمامها الطويل الذي قصرته،و لمتابعة سهرها على الأولاد،الذين وضعت لهم فراشا في زوايا غرفتها،ليناموا تحت مجهر عينيها.
_ ليست غرفة نوم هذه،و عدم الخصوصية يوترني.كما أنك تتصرفين مثل طفلة جاهلة مسئولياتك،كزوجة يجب أن تحافظ على غرفة النوم مقفلة _ هاج أحمد غضبا للمرة الألف _ .
_ أنت غالب الليل خارج البيت،فكيف يضايقونك ؟و بصراحة لا أفهم عن أية خصوصية تتحدث،و قد أصبحت لديك أسرة _ قالت ببرود تجلى متحديا قناعها المزخرف بالحنان _ .
_ ثم لن نسمي خصوصية،ما هو فقط حاجز قد يقف بيني و بين أولادي،و لن تكون خصوصية بمعناها المعروف،بل منع لبابي عنهم لو احتاجوني.ثم أخاف أن تتوقف أنفاس أحدهم،أو يتسمم بطنه أو يفقد وعيه،وهذه اشياء تحصل عند النوم أكثر من النهار _ عقبت ببراءة وجهها المتشحة بقناع الاستعطاف _ .
داخلها كان يغلي رفضا لأي ابتعاد عنهم،فهي تحميهم حتى من الضيوف المتقاطرين باستمرار على البيت،و غالبهم يحاول زرع عقده و أحقاده داخل صدورهم.
لمست فستانها القصير من القطن المزهر بدمى صغيرة ملونة،أول ما ظهرت تحركات جنينها عبر جلدها الرقيق،لترسم بعض أعضائه الحبيبة فوق الفستان الصيفي.
تعرف أن أحمد يؤثر السلبية في التعامل مرات،ليحافظ على سهراته الاعتيادية حتى الفجر،و هي تستغل وضعه المتردي للآخر.
_ لا أريد أن يفرق ايا كان بينهم،لأنني سمعت أشياء ترعبني مرات و أمامي،فكيف لو غبت أو نمت في غرفة أخرى ؟ ثم كيف سيرتاحون غالب الأحيان،و الجميع يتحركون طول الليل كأنهم داخل نادي ليلي،و ليسوا في بيت يضم أطفالا صغارا لديهم مدارس الصبح_ تحاول لنجا إقناعه من ضمن الف وسيلة _ .
مصرة هي على عدم التغيير أبدا،لكن تعرف أيضا أن عليها تفادي إغضاب الطرف الأناني،لأنها السياسة المطلوب و الإلزامية لإنجاح مهمتها.
يرن الهاتف المنزلي بجانبها.
_ حسنا انتظر لغاية يغادر قاعة اللعب،و لو رأيت أيا كان يقترب منه تدخل،لكن لا تدعه يراك _ ردت على المتكلم بسرعة و أقفلت _ .
_ أنت تراقبين كل شيء من قريب أو بعيد،ماذا سيحصل لهم ؟ _ثار أحمد مرة أخرى _ .
_ الشارع مليء بالمشاكل و أنا لا أمنعهم،لكن اقوم برقابة ذكية حماية لهم.و لو تمكنت كنت لأضع أساور سحرية أو إلكترونية،تريني فوق شاشة أنفاسهم بنبضهم و أدنى تحركاتهم _ ترد كعادتها ضاحكة _ .
تمييع المواضيع المهمة،منعا لدخولها مجال الجد لتفجر غبار مشكلة.
آخر ما تريده لسنوات قادمة،هي المشاكل التي تتعقد بلا أدنى حل.لكنها بارعة في إلقاء عصاها لابتلاع بقية الأفاعي الصغيرة،و لو بلحظة شغف ترفضه خلاياها.
_ هل تعرف أن كنزي،تتحدث عن الحروف كما ترسم و ليس كما تكتب ؟ وجدتها تخبر أخاها شهاب أنها رسمت الحروب بإتقان _ ضحكت فدار رأس أحمد الباحث عن نقاش يكتمل بمشكلة _ .
تأملها و هي تحكي عن صديقة شمس الجديدة،و شهاب لا يصادق إلا من هم أكبر منه.أما طارق فيصادق كل الأولاد بلا تمييز،طالما يتبعونه في مرحه و إغاظة المعلمين،أو حتى أصحاب متاجر الحي،لو ما وجد أنواع حلويات ترضيه.
_ كلمت شهاب عن عدم مصاحبة رفاق من عمره،فرد أن عقولهم فارغة _ أنسته لوهلة حفره الأولى _ .
رنين الهاتف من جديد:
_ اسمع يا علي...لا تغادر قاعة الألعاب حتى يغادر،و انظر هل هناك مدخنون من الشباب _ .
_ طيب...مادامت القاعة راقية فلا بأس،و أول ما يصل شهاب هناك ليحرسه،عد إلى عملك _ .
_11_
_ كيف تنجحين بتشغيل الجميع،و حتى حراس الإقامة السكنية و الإقامة المجاورة ؟ فهم يتركون البديل للحراسة،و يسرحون وراء ولديك مثل جواسيس الأفلام.كم أنت مرعبة رغم ما تظهرينه من براءة الطفولة _ علق كعادته باستغراب _ .
_ أشغلهم دون حتى طلب مباشر،لأنهم يحبونني لا أكثر،فلا أتعامل معهم بترفع كما يفعل غالبية الناس.فهم يؤدون وظيفة و نحن نحتاج إليهم _ ترد منهية الجدال بأي شكل و أيضا،بقمع لطيف لتعاليه الفطري _ .
_ رغم حرصي و مراقبتي المحكمة،أجدك تمنحين الجميع الحلويات و الأكل بلا حساب،فلا تظني أنني لا ألاحظ حماقاتك حين تختفي مبالغ من جيبي،و تقولين كنت سكرانا فسقطت ربما مني _ قال بشك في نبرة صوته _ .
لا يفهم كيف تدبر أمور البيت،و تساعد من يحتاجها من أقارب و اباعد.لكنها مرة أخرى ألقت بعصاها البلورية،مبتلعة الثعبان المطل عليها فجأة:
_ لا تهتم لهذه التفاصيل،فهو جواد ابن عمي كلما باع بعض أغنام يملكها في مزرعة والده يبعث إلي بمال،مرددا أن جدتي تركت لي غنما و بعض العجول،يتكاثر قطيعها بحكم الطبيعة أو يقل _ ردت بوحي اللحظة باسمة داخلها _ .
_ لو مت في العملية الحالية لا تفرق الأولاد عن بعض،و لا تسلم رعايتهم إلى أسرتك أو أهلي _ قالت فجأة بصوت مختنق _ .
لمسة عصاها السحرية الأخيرة،مسحت كل الموضوع المنذر بعاصفة.
_ لا عليك،فكل شيء سيكون كما ترغبين،فقط ارتاحي و انسي الأولاد قليلا _ رد بحيرة ظاهرة أمام تقلباتها المذهلة _ .
و لأنه بطبيعته يشقي من حوله،و يغار من حبها هذا للأولاد،أضاف و كأنه يلقي بمعلومات طبية عادية.
_ حتى الإجهاض رفضه طبيبك،كما أخبرني أنك ستموتين أثناء هذه العملية القيصرية الرابعة،مضيفا أن قلبك لن يتحمل،إضافة إلى مشكلة دمك النادر،الذي لا نجده إلا بشق الأنفس.كما دوما حمى النفاس إن خرجت حية من خطر الجراحة،و نزيف طبعا بعدها مباشرة،ثم غيبوبة تطول أو تقصر.و تأكدي أن نجاتك دوما معجزة،حتى لو كنت مثل جنية لا أفهمها _ انسابت كلماته ببرود عجيب _ .
_ لن يسمح الرب بموتي و لو نكاية فيكم،و لن تتسلموا مقاليد مصائر أولادي ابدا،لتعيثوا في أرواحهم فسادا.فلا أنت و لا أسرتك و قبلكم ما يسمون أهلي،ستكون لكم وصاية على قطع قلبي _ تمتمت لنفسها بعناد _ .
_ تعودت على العمليات الانتحارية،لأن قراراتي كلها من هذا النوع،و لم ينتزع طير عيني بعد،و لا دودا بدأ ينهش لحمي _ ردت باسمة بمكر المقاومة _ .
دهش مرة أخرى و هو يراها تنقلب،إلى جنية متنمرة التحدي.
_ الوجع يزداد و أنفاسي تكاد أن تتوقف _ قالت بإعياء باد على محياها الفياض براءة _ .
كانت تغرق اية مشكلة قد تلوح في الافق،في بركة ماء من خيالها،أو تمحوها بعصاها السحرية المنتصبة،بين جملة حزينة و أخرى جارفة الحنان،أو تغير المكان بانسحاب لطيف.
_ نادي سعدية لتساعدني حتى آخذ حماما تقليديا _ همست في إعياء _ .
_ أنت أخذته أمس و النساء يمارسنه اسبوعيا،لأن الدش كاف،كما أنك ستموتين من قلة النوم و الأكل.فكل النساء يزداد وزنهن أثناء الحمل،و أنت تتحولين إلى هيكل عظمي منفوخ قليلا،و مغطى بجلد _ رد أحمد معترضا _ .
_لكن أجنتي دوما بوزن صحي _ همست ملطفة جوها _ .
ابتسامتها فقدت وعيها تحت الألم الحارق.
لكنه رن الجرس لتأتي سعدية،التي أدخلت ملوكه الحمام،مهمهما بكلمات اعتراض لن تسمعها بحكم الحاجز الزجاجي المقاوم للرصاص،الذي شيدته بأنفاسها الممانعة.
سيدة تساعدها قبل و بعد الإنجاب،ثم تفرد ذراعيها فوق كل الأشغال،أول ما تقف على قدميها من جديد.فخوفها على الأولاد يفوق كل المخاطر المتربصة بصحتها،كما أنها تفضل عمل كل شيء بنفسها،محافظة على دوام نظافتهم و مراقبة طعامهم.
سعدية امرأة ذات بياض مشرق،و جمال تداريه بوشاح تنزل شده فوق منتصف الجبين على الطريقة العتيقة،متفادية ارتداء أي لون يبرز رونقها،خشية فقد عملها الذي يفرض عليها الاتزان،عند نساء قد يغرن أو يحملنها فوق طاقتها.لكنها تخفف تزمتها عند لنجا.
فهي لا تريد سوى الكفاح من أجل تربية طفل،تخلى عنه والده و عنها بلا كلمة أو سبب واضح،فقط ذات صباح لم تجد له أثرا.و بعد بحث طويل أخبروها أنه تزوج في مدينة جنوبية بعيدة،و أصبح لديه أطفال آخرين،فنسيت أو تناست الموضوع كله لأجل عيني طفلها،لتغرق في رتابة الحياة الوحيدة التي أشرعت لها أبوابها.
_ مجنونة بالماء و بالأولاد،و بمآسي البشر كلهم،و تأكل الكتب كما تسرق المال،حين أبالغ في الشرب عائدا من سهرات أصحابي.فأبدا لا أفهم ما يدور في رأسها الصغير،المتواري وراء الطفلة البريئة.لكن أتمنى أن أفهم،من أين لها كل هذه الطاقة الجبارة ؟ فأنا لا أستوعب خفاياها و لا أظن سأفعل _ كان أحمد يكمل نقيره وحده _ .
_12_
حاولت لنجا تجفيف شعرها الكثيف،لكن توقفت منهكة.
_ إني أموت _ كان صوتها لا يكاد يسمع _ .
_ لم يكتمل الشهر السابع و لا يريدك الطبيب قبل نهايته،و أنت لا تصرخين لنعرف هل هو الطلق،أم هو فقط إنذار خاطئ _ قال أسامه ببرود العادي الذي لا ينتفض حرارة،إلا عند الغضب من لاشيء _ .
_ إنني أموت ... _ .
_ كل مرة لا تصرخين،فأظل حائرا حتى تغيبين عن الوعي _ .
كسله من ينطق في تلك اللحظة.
آخر ما تذكرته صفعات على وجهها،ثم وجوه الأطباء القلقة و محاولة إضحاكها،حنانا من طرف القابلة.
_ لا ملابس داخلية،دوما تأتين إلينا مستعدة و جاهزة _ قالت لها إحدى الممرضات ملاطفة _ .
لا تفهم لنجا كما غيرها،هذا الكره الجبار داخلها،اتجاه كل ما يلتصق بجسدها غير قطع أكبادها.
_ يريدك الطبيب الجراح بسرعة خارج الغرفة _ همست ممرضة أخرى في أذن أحمد بلهفة _ .
تعدد الخطو المسرع في كل اتجاه،بعد وضعها على سرير التنقل،ثم لا شيء غير ضباب.
_ أخبرتها من ثاني عملية جراحية ألا تعود،و هاهي تعود الآن...كان ينبغي على الدكتور كريم إقفال كل شيء دون استشارتها _ همس الجراح الاختصاصي القلب و الشرايين _ .
_أنظري إلي _ قال طبيب التخدير بلطف فائق _ .
و لم تعد تذكر شيئا قبل إدخال المخدر في شرايينها بلحظات طويلة،سوى ابتسامة اخترقت الوجع،عبر شفتيها لنكتة ألقاها طبيب التخدير محاولا إزاحة بقايا خوفها.
لكنها بطريقتها الغريبة في الضغط على أسنانها مقاومة إخراج مشاعرها الخفية،شعرت بشق كالكسر يلامس أحد أضراسها،فاستسلمت لعذوبة الغياب عن الوجع.


ساهم معنا في نشر الموضوع