اهتزت الأرض..عصفت بالأحلام في لمح البصر، بات في بيته ينعم بدفء حضن والديه، و أصبح وحيدا، يتيما.لا بيت...و لا معيل...فقد كلمة "ابني" التي كانت تمنحه الأمل.فقد كلمة "أبي" و "أمي". أضحى مسلوبا من عز كان يعتقد انه سيخلد .
امتزجت دموعه الدافئة بإيمانه الفطري بقضاء الله و قدره.هذا ما رباه عليه أبويه...تذكر ذلك ...يوم قال له والده:" عليك ولدي "أيوب" الإيمان الصادق بقضاء الله و قدره. إذا أراد شيئا يقول له كن فيكون".تلك الكلمات لازالت ترن في أذنيه، كلما تذكرها خففت عنه آلام المصاب الجلل.
تطلع بوجهه البريء إلى السماء فأبصر وجه القمر الحزين الذي يطل على هموم العالمين..في هذا العالم الظالم...متحسرا عما يجري فوق الأرض من أحداث..ظلم...استعمار...خيانة.. .سلب...نهب...ألم...
انحنت حوله تحت الضوء الباهت ظلال أشباح "الزمن" تمتد إليه لتخطفه لعالم...مجهول
تقترب و تقترب حتى خيل له في غمرة الحزن أنها تكبر بسرعة مخيفة. أدار وجهه الشاحب متفقدا بعينيه السوداوين ذلك الفضاء المظلم الذي يحيط بجسده الصغير. صوت الظلام الساكن ملأ صدره، لم يستسغ بعد كيف انتزعت منه الدنيا ابتسامته...
يقف..يجلس..يتكأ على ركبتيه...
يحمل قلما خشبيا،يكتب شيئا...
يخط على التراب خطوطا متشابكة فيما بينها،خطوط مبعثرة ذات اليمين و ذات الشمال،تنبعث منها ضوضاء صامتة لا معنى لها.
تذكر يوم الفاجعة "الزلزال" حالة هستيرية عمت المدينة،فوضى في كل مكان.غبار عم المدينة..ركام أحجار غطت أكوام لحوم ميتة،و أخرى تصارع الحياة..اختلطت أصوات. ويلات العائلات على ضحاياها... أصوات سيارة الإسعافات ...نباح الكلاب المختصة في البحت عن الأشلاء البشرية...ترى المدينة كأنك تشاهد صور مخلفات حرب مدمرة.
خوف و قلق..بيوت مهدمة و أخرى آيلة للسقوط، غمر المدينة ظلام أحمر فجر ذلك اليوم المقدر.
قل الغذاء .. الكل في عراء..
يتوقف القلم لا يدري ماذا يخط على تراب بارد ...لا يدري ماذا يخط؟!!...
عيناه تملأهما دموع اليتم.يرى كل ما حوله حلم..جدران هاوية...جراح..يتم...
تتلمسه برهافة،أحسته بدفء . لعلها أيدي تذكره بلمسات أمه الحنونة..تساءل لمن هاته الأصابع المشفقة؟! التي تمتد إليه وسط زحمة من الأيتام. التف حوله خيال يكبر و يكبر معه عكازا يقوده خطوة ... خطوة.
ذلك الشيخ العجوز الذي يتحرك ككومة لحم تمشي بقدمين يابستين مرتعشتين أحرقتهما شمس "الدهر".
أحس "عبد القادر" أن "أيوب" جزء لا يتجزأ من حياته،أشعره بإحياء مسلسل عاش فيه الحرمان في صغره، و مكتوب عليه المعاناة حتى في كبره.
جلس "عبد القدر" صحبة عكازه...نظر في وجه "الصبي" ثم استرسل يحكي له مجريات حياته، لعله يخرج من قوقعة الحزن و تنبعث في قلبه روح الأمل و التحدي.
إذا سألت "عبد القادر" عن أعز شيء في حياته، يجيبك على الفور و بدون تردد: "عكازي"..
ذلك العكاز تحمل ثقل جسده و مسؤوليته.
مذاك اليوم الذي فقد فيه كل شيء،زوجته..أولاده..بيته..ومم تلكاته...
ذاق مرارة اليتم و الحرمان وهو ابن الخامسة من عمره. عندما غزا القرية وباء خطير خطف روح كل العائلة. فصار يحبو وحده في أغوار زمن لا يرحم الضعيف ...صبر وكافح حتى بنى مستقبله ...لكن القدر لم ينحو منحى خطة "عبد القادر" الذي كان يتمنى أن يترك الدنيا لتنصف أبناءه بعد الموت.
يعيش في قرية تضطجع على سرير الجبال. كان بيته معروفا بتلك الصخور المنقوشة بدموع الفرح و الحزن تشهد عليها بقايا شموع خامدة تحمل لون و ذوق كل ليلة. جدران البيوت الطينية المشقوقة تشتكي من برودة الشتاء و حرارة الصيف. تحمل على ظهرها إطارات صور...
إطار/ صورة يحلم صاحبها إكمال تعليمه .. كان يحلم أن يصبح مهندسا ، يحول القرية إلى مدينة ينعم سكانها بالعيش تحت السقوف "الخرسانية" تنير أرجاؤها الكهرباء....
و كانت تحلم صاحبة تلك الصورة ،أن تصبح طبيبة تساهم في تطبيب أبناء القرية التي كانت تفقد كل يوم أحد أبناءها، القرية نائية...التضاريس وعرة ...لا مشفى و لا طبيب...
أما ذلك الإطار فهو لتلك الشابة العجوز التي شاركت "عبد القادر"مرارة الحياة قبل حلاوتها. يشهد لها بالوفاء و الحب ...
تألم "عبد القادر" توقف عن الكلام..نظر نحوه "أيوب"، ثم سأله عن أحوال القرية عقب الزلزال.توقف قليلا ثم أكمل حديثه مبينا حالة القرية التي تجمهر سكانها مطالبين بالخبز...الغطاء... و الخيام.عم الفرح بعد أن أعلنت وسائل الإعلام عن حجم المساعدات...طال الإنتظار و طال معها خوف النسيان... حلقت فوق سماء القرية مروحيات النجدة...
مرت تلك الأيام التي لم ينتظرها "عبد القادر" تزلزلت الأرض و زلزلت معها العقول و الأجساد.
تذكر "العجوز"تلك الأيام التي كان يجتمع فيها في صباه مع أبناء المدينة المتوافدين على القرية.كان يحلم برفاهية المدينة التي خيلت له جنة الحياة..يستهويه ذلك الجهاز العجيب الناطق بالأغاني و أخبار العالم.
كانت تهف نفس الطفل القروي إلى المدينة التي لا يعدم فيها "عمل"!!.
كان يحلم بهجرة القرية ذات الصخر الجبار،يبدو ساكنها معزولا منفيا عن الحياة. كلما تغير المناخ تغيرت معها الحياة .
ابتسم "عبد القادر"، لقد تحقق حلمه...لا يهمه الزمن..المهم انه في صدر تلك المدينة "الجنة" في صباه.
و "الشبح" في كبره...وجد مسكنا...لا كالحلم... المنتظر؟!. و جد نفسه في بيت العجزة.
رحل العجوز و ترك "أيوب" يعود إلى قلمه الخشبي ،يخطط أحزانه...لا يدري مادا يخط..لا يدري...



ساهم معنا في نشر الموضوع