حِين كُنْت طِفْلِه دُون سُنّ الْمَدْرَسَة الِابْتِدَائِيَّة حَكَت لِي أُمِّي حَدوته أَنَّهُ فِي قَدِيمِ الزَّمَان كَانَتْ هُنَاك بِنْتٌ صَغِيرَة، تَمْلِك بَيْتًا صَغِيرًا وَأَثَاث بَيْتِهَا كُلُّ مَا فِيهِ صَغِيرٌ، ومكنسةَّ صَغِيرَة هِي المحور الَّذِي تَدُور حَوْلَه الْقِصَّة، وَمَاذَا يُخَيَّلُ إِلَيْكَ أَنْ تَفْعَل الْبِنْتُ الصَّغِيرَةُ بِالْمِكْنَسَة الصَّغِيرَة؟!!، لَا شَيْء طَبْعًا غَيْر عَادِي! الْمِكْنَسَة للكنس، فَكَانَت الْبِنْتُ الصَّغِيرَة تَكَنَّس بِالْمِكْنَسَة، تَكَنَّس كُلَّ يَوْمٍ مَرَّة، وَكُلِّ يَوْم تَجِد قِرْشًا!!.

وَأَسْأَل أُمِّي: (قِرْشًا فَقَط؟!)
تُجِيب: (قِرْشًا فَقَط)،
وأعلق: (طَيَّب فلتَكَنَّس الْبَيْت مَرَّاتٍ كَثِيرَةٍ وَفِي كُلِّ مَرَّة تَجِد قِرْشًا)
تُجِيب أُمِّي: (وَلَكِن الْبِنْت مَا كَانَت تَكَنَّس إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَا تَجِدْ إلَّا قِرْشًا)
أَعُود وأسألها: (مِن يَضَعُه لَهَا؟!)
تُجِيب أُمِّي: (مِنْ اللَّهِ لَا أَحَد يَضَعُه)
وَالطِّفْل بِفِطْرَتِه الَّتِي لَم يَنَالُهَا التَّحْرِيف يُصَدَّقُ أَنَّ الْقِرْش مِنْ اللَّه، وَإِلَى الْيَوْمَ أَنَا مُصَدِّقَة.

وَأَيْضًا مَاذَا يُخَيَّلُ إِلَيْكَ أَنْ تَفْعَل الْبِنْتُ الصَّغِيرَة بِالْقِرْش؟!، لَا شَيْء طَبْعًا غَيْر عَادِيٌّ الْقِرْش تدخره الْبِنْتُ الصَّغِيرَة، فِي عُلْبَة صَغِيرَة مَوْضُوعَةٌ عَلَى نَافِذَةِ بَيْتِهَا.
وَأَسْأَل أُمِّي: (كُلَّ يَوْم الْبِنْتُ الصَّغِيرَة تَفْعَلُ هَذَا؟!!)
تُجِيب: (كل يَوْم تَفْعَلُ هَذَا)
وَأَسْأَل أُمِّي: (مَا أَحَدٌ يَأْخُذَ مِنْهَا الْقِرْش؟!)
تُجِيب: (مَا أَحَد يَأْخُذ الْقِرْش ومَا أَحَد يَقْدِر)
وَأَسْأَل أُمِّي: (وَبَعْد؟؟)
تُجِيب بِأَن الحَدوته انْتَهَت
وأتحايل عَلَيْهَا أَن تريحني وَتَكْمُل شَيْئًا
وَلَا فَائِدَةٌ أُمِّي مُصِّرَه أَن الحَدوته انْتَهَت .

وَفِي كُلِّ مَرَّة أَطْلُب مِنْهَا أَنْ تَحْكِي لِي نَفْس الحَدوته ، وَأَظُنُّ إنِّي سَأوقِع بِهَا فِي حِيلَة فَلَعَلَّهَا تَضَيَّف جَدِيدًا ، وَتُعِيد أُمِّي الحَدوته وَيُعَاد نَفْس الحِوَار السَّابِق بَيْنَنَا .
قَد تَتَخَيَّل أَنَّهُ إلَى هُنَا انْتَهَى حَدِيثَي، وَلَا تَجِدُ فِي بدايتي الَّتِي سَرَدْتهَا طَعْمًا وَلَا مَطمعاً، وَلَكِن الْتَمَس مِنْك لُطْفًا إنْ تَتَابُع حَدِيثَي، بِأَن الحَدوته اخْتَبَأْت فِي ذِهْنِي وَكَانَت تفاجئني طِيلَة سَنَوَات عُمْرِي الْمَاضِيَة، بَيْنَ الْأَيَّام وَالْأَيَّام وتراودني ذِكرَاهَا وأمامها عَلاَمَةَ اسْتِفْهَام.
وهداني اللَّهُ بَعْد الْحِيرَة إلَى كُلّ الْجَمَال وَالْقِيمَةُ فِي حدوتة أُمِّي، مِثْلِ هَذَا النَّمَط مِنْ الْقَصَص يُعْرَف بِالْقِصَّة الرَّمْزيَّة.

الْبَيْتُ الصَّغِير سَكَن وَمَسْكَن الْمَرْأَة المفطورة عَلَى الِاسْتِقْرَار ، وَالْمِكْنَسَة الصَّغِيرَة هِي آداتها الَّتِي تَحْصُد بِهَا الْقِرْشِ وَهُو أَجْرُهَا الَّذِي يَضَعُهُ اللَّه لِقَاء قِيَامِهَا بِالْمَسْؤولِيَّة ، و ادِّخَارُهَا الْقِرْش لِأَنَّه مَحْفُوظ لَا يَضِيع ، وَفِي عُلْبَة صَغِيرَة لِأَنَّ الْأَجْر يَنْمُو وَيَتَزَايَد ، وَمَوْضُوعُه الْعُلْبَة الصَّغِيرَة عَلَى نَافِذَةٍ مُطِلَّةٍ عَلَى السَّمَاء وَرَحْمَةِ اللَّه ، وَمَا أَحَد يَأْخُذ أَجْرُهَا وَلَا أَحَد يَقْدِر لِأَنَّهُ مِنْ اللَّه .

فَكَانَت الحَدوتة كَمَا سَرَدْتهَا أُمِّي كَنْزًا صَغِيرًا وَلَكِنَّه ثَمِينٌ! وَحُزْنِي إنِّي عِنْدَمَا سَرَدْت الحَدوتة عَلَى صغاري لَمْ أَكُن قَد تَوَصَّلَت إلَى جَوْهَرِهَا النَّفِيس، فَجَاء سَرْدِي لَهَا لَيْسَ بِأَكْثَر مِن سرد، وشعرت بِالْفَرْق الشَّاسِع بَيْنِي وَبَيْن أُمِّي الرَّائِعَة

وَلَا أَحْسَب فَوْقَ مَا منحتني مِنْ حُبّ يُوجَد حُبّ، منحتني كُلّ الْحَبّ، نَزَعَت أَشْيَاء أَنَانِيَّة، غَرَسَت أحاسيس شَفّافِيَّة، فِي الْمَدْرَسَة علموني بِأَن (الإنسان مَوْقِفٌ وَالْحَيَاة مبدأ)، وَفِي آخِرَ عَهْدِي بالطفولة عَلَّمْتَنِي إنِّي صَفْحَة بَيْضَاء وَعَلِيٌّ ـ الْبَقَاء ـ وَفِي زَهْو عَهْدِي بِالشَّبَاب قَالَت (إن الْحُرِّيَّة كَلِمَة بِدُونِ مَعْنًى إذَا لَم نَتَمَتَّع بِهَا ونحياها)، يَا أُمِّي أَدِين لَك بصنيعك، حريةٌ وقلم صنعتي مِنِّي.
IMG-20181030-WA0124.jpg


ساهم معنا في نشر الموضوع