فلسفه بقلم/اعتدال طلال السباعي

جزى الله من علمني العد والعدد من واحد إلى عشرة من يومها فتح الله على بالبركة، جزى الله من صبر وعلمني السير في فلك الرياضيات إلى أن كتبت على الورقة بالقلم.

من الرياضيات تعلمت الكتابة وتهيأت لتحليل الموقف وتركيب الكلمات في نظم خالي من الخطأ في سطور.

من تصاعد الأعداد وتنازلها تعلمت أي الأمور كبيرة ثم اصعدها لان الواحد رقم له وزنه وأي الأمور صغيرة ومكامن الخطر فيها أنزلها.

من العمليات الأساسية الأربعة تعلمت لكل شئ جوابه وإلا عن الحق مال.

من المتراجحات تعلمت ألا تطغى أمور على أمور وان تأخذ أمور حقها من الظهور.

من المعادلات تعلمت الأناة في نفسي عند الكتابة والمبهم أضعه في مكانه إلى أن ينكشف حاله ويأتي جوابه، ومن المصفوفات تعلمت أن لكل مقام مقال.

ومن الأشكال الهندسية تعلمت أن الإنسان يصنع إطاره، ولكل إطار معانيه في علم الفراسة؛ فلا يُخدع الكَاتب عند الكِتابة، ولكل وجه ما به يليق وان كُسرت المقالة فكاتب المقالة مكسور.

من الهندسة تعلمت أن الكتابة جمالها في المنظور، ففي التصغير يصغر كياني في خيالي وأدخل الورقة، واكتب فيها وأصور وكل أمر أضعه كما في الفراغ الهندسي مكانه اللائق وأرتب وأطمئن، والضوء أحسبُ له حسابه بذكر الله اكشف سواده ما أخاف، أُسقط الضوء المناسب واللون وأظلل بظل بعكس اتجاه النور، وما أخرج إلا راضية وكبيرة النفس جمة الأدب، وما أخرج إلا بإذن من العقل والنفس المحاسبة وبفضل الله راضيه.

من التفاضل والتكامل تربيت أدب ما تفلت الشاردة والواردة بالخاطر عابره وبالعقل أدخلها ثم أفحصها وأمحصها إلى أن تقرأها صالحه، من التفاضل والتكامل تعلمت أن الكتابة في المسائل الكبيرة يلزمها التركيز والنباهة وشيء من الفطنة والألمعية والحذاقة حتى إذا ما وقع الخطأ سهوا في الكتابة يعذر القارئ الفاهم الكاتب بوعي منه وبأن الكمال لله.

حين أضعف عن الكتابة أهرب إلى ألوان الطيف لعل فيها ما يُسَّكِنُ ألمي ويهدئ روعي أبث خاطري اللوحة بالألوان.
في الألوان رحاب أوسع من أرجاء الكتابة فالورقة أراها أرجاء واللوحة أراها رحاب، أُرتب عِدة رسمي ألواني وفُرشي وأجمع شتاتي وأفكاري في فكرة عمقها تفاصيل تتصل كالحلقات في سلسلة لا عقدة فيها تربكني.
وقد أمارس على اللوحةِ قواعد المنظور والتكوين الفني والوحدةِ والتأطير، لذا أفضل الألوان المائية فهي مثلي تُحب التأني والروية، حتى لا تفسدها البلبلة.

قبل الألوان بالطبع أختار قلم الرصاص أولا فهو صديق الطفولة منذ كنت على الورق أشخبط، كشخبطات الإنسان البدائي فأنا له وفيه ويعود يصدمني بضعفي كما كان زمان يصدمني بجهلي.

سأحاول في الرسم كالطفل بحبو يقف يسقط، يقف يتعثر يسقط، يقف يتمايل يخطو، ثم يسترسل بالخطوات، ثم يستند ويعود يقف ويخطو خطواتٍ بأكثر ثبات، ثم يركض ويجري وينطلق عنانه إنسان.

وفي الرسم هكذا أحاول لعلي أكون ولن يبقى ضعفي ضعف الطفلة حائلاً في داخلي ببني وبين اللوحة والفكرة، سأحاول إلى أن تتحلل يميني من عقد قيد الضعف ويُسكب ما في خاطري، إحساساً على اللوحة بالفرشاة والألوان المائية.
فالرياضيات فنٌ يُتعَلم أما الرسم علم من الإحساس يتقن، وليت إحساسي يصير أستاذ رسم. كأن فن الرياضيات البسط وعلم الرسم المقام، والكتابة الإنسانية الحد الفاصل بينهما.

هذا ما تفتق عنه ذهني من دروس في الكُسور قاسية، ومفردات الرياضيات تجدها أحيانا في مفرداتي، ويبقى وفائي لأمي ولأستاذات الرياضيات واللغة العربية.

وأدينُ بعملي هذا لله السَّميعُ العَليم القائل في محكمِ التنزيل﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾يوسف 76
والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله خير الأنام وسيد المرسلين،

WhatsApp Image 2018-11-08 at 2.02.01 PM.jpg


ساهم معنا في نشر الموضوع