التنوير بين العرب والغرب/روعة محسن الدندن/سورية
يقول دي بلايغ الذي عمل مراسلا في الشرق الأوسط لصحفيتي غارديان وإيكونومست. إن الهوة بين الغرب والعالم الإسلامي موجودة منذ مئات السنين
إلا أن رقعتها اتسعت بشكل ضخم في الآونة الأخيرة وساهمت في ذلك عوامل عديدة أهمها في ذلك أعمال العنف التي ترتكب بإسم الإسلام والمغالطات التاريخية والنظرة والفوقية وعقلية المنتصر الذي يسيطر على عقول ونهج السياسيين والمؤرخين والكتاب الغربيين
كما حاول دي بلايغ إثبات أن العالم الإسلامي كان تواقا للمعرفة ومنفتحا على الآخر ويفتخر بالإستفادة من تجارب الأمم الأخرى بل إنه يذهب إلى حد توجيه اللوم للغرب في إيجاد الهوة التي تفصل الغرب عن العالم الإسلامي دينيا وثقافيا
وهذا ما تناوله المؤلف كريستوفر دي بيلايفو في كتاب التنوير الإسلامي ـ صراع الإيمان والمنطق
وقال في هذه القضية من خلال روايته Jane Eyre التي تحكي قصة كفاح طفلة يتيمة مضطهدة في القرن التاسع عشر لتكبر وتتحدى كل الظروف والمصاعب وتحقق ذاتها بدون مساعدة من أحد
أنها مثال حي على أن العالم الإسلامي لم يغلق أبوابه ويتقوقع داخل عالمه كما يدعي الغرب بل إنهم هم من أداروا ظهرهم للعالم الإسلامي وصم أذنيه عنه ورفض أن يسمع منه
كما تناول الكتاب ظهور الإسلام السياسي وصعود التيارات الإسلامية المتشددة وأنها كانت ردة فعل على التيارات الفكرية التي انتشرت في القرن العشرين حيث دب الصراع بين الرأسمالية والأيديولوجية الإشتراكية
وسعي كل منهما لإحتواء أكبر جزء من العالم وهذا ما اعتبره المسلمون جرس إنذار يحثهم على التفكير وابتكار درع يحمي هويتهم وخصوصيتهم
وتعتبر تلك الرواية مصدر إلهام في الغرب
ويعود التنوير الأوربي إلى تلك الفترة التي أطلق عليها اسم العقل
(The age of reason)
وذلك في القرنيين السابع والثامن عشر من خلال الفلاسفة العقلانيين الذين طبعوا بطابعهم الثقافي لينتج التنوير وهم
لوك و ديكارت و سبينوزا و لايبنتس
وتأثر بهم طبقة من المثقفين من أمثال
بيكاريا و كوندورسيه وفولتير وديدرو وهولباخ
واما مصطلح التنوير فيرجع إلى الفيلسوف الألماني (كانت)وهو تعبير عن الحركة العقلية التي بدأت في أوربا في القرن السايع عشر وقد بلغت أوجهها في القرن الثامن عشر الذي أثر في الحضارة الأوربية كلها والشعوب المتأثرة بهذه الحضارة
وجاء التنوير الأوربي كحركة عقلية للعقل ليتحرر من وصايا الكنيسة والنزاعات الغيبية والخرافات وسببه الظلمة التي سادت في تلك العصور منذ سقوط روما في القرن الرابع وما مارسته الكنيسة من ألوان قهر واستبداد ونشر للأباطيل والخرافات ومحاربة العقل وهذا أدى إلى خلاف بين العلم والدين ليكون التنوير ضرورة لتحرر العقل من سلطة الكنيسة
وأما التنوير الإسلامي فكان منذ بزوغ الإسلام في القرن السادس وبالعودة لما جاء في معجم القرآن الكريم
النور:المعارف والحقائق والدلائل التي تجلو الشك وتجلب اليقين في العقائد وتنفي البلبة والوسوسة وعقائد الضلال
فليس النور أوهام وتخيلات ولكنه حقائق ودلائل مقطوعة بصحتها وبسلامتها من الشك والريب. مبرأة من العيوب وهذا التعريف اللغوي يحمل دلالة فكرية وثقافية لا ينبغي إغفالها
كما أن مفهوم التنوير الإسلامي يرتكز على قاعدة أساسية راسخة وهي العلم والإيمان وتنوير للعقل والقلب ومنح استقلالية الرأي والفكر والإرادة
ويحث على التفكير والعمل الصالح والعلم من خلال استخدام العقل للوصول إلى الحقيقة
كما أن الدين الإسلامي يعيب الذين يعطلون عقولهم ولا يتفكرون ولا يعقلون ويعتبر فعلهم مخالف لمنهج الله في الحياة
ولذلك ازدهرت الحضارة الإسلامية وأنارت ظلمة العالم الشرقي والغربي في تلك الفترة
وكما أننا نجد التناقض بين التنويرين
فالتنوير الأوربي جاء رفضا للخلاف بين العلم والدين
وأما التنوير الإسلامي جاء ليحي الجوهر من خلال العقل
وأما الجمود الإسلامي الآن مختلف عن ظلمة الغرب في القرون الوسطى رغم التشابه لبعض الصور وهذا سببه الحجر على العقول وعدم ايجاد الأجوبة عن الأسئلة التي يجب أن تتناسب مع أحكام عقلية معاصرة لعصرنا والإجتهاد في الفقه وأحكامه
ليقدم ضياء الإنسانية للعالم ونور الحضارة


ساهم معنا في نشر الموضوع