بقلم الكاتبة/ وسيلة الحلبي
لم يكن استخدام القوة بين الأقران سلوكا جديدا في المدارس، بل يمكن القول بأنه سلوك بشري طبيعي وغريزي بين الناس في كل المجتمعات الإنسانية ويمكن مواجهته وتقويمه لكن المشكلة القائمة الآن تكمن في أمرين: أولهما استفحاله وانتشاره وتحوله إلى سلوك مرضي ينذر بخطورة شديدة. وثانيهما عدم مواجهته المواجهة التربوية الرادعة التي تسيطر عليه وتحد من انتشاره وتقلل من آثاره، ولهذا كان لابد من بحث وتقص حول الأسباب التي أدت إلى انتشاره ذلك الانتشار السريع والمريب فكان من أسبابه:
الألعاب الاليكترونية العنيفة الفاسدة:
حيث اعتاد كثير من الأبناء على قضاء الساعات الطوال في ممارسة ألعاب اليكترونية عنيفة وفاسدة على أجهزة الحاسب أو الهواتف المحمولة وهي التي تقوم فكرتها الأساسية والوحيدة على مفاهيم مثل القوة الخارقة وسحق الخصوم واستخدام كافة الأساليب لتحصيل أعلى النقاط والانتصار دون أي هدف تربوي ودونما قلق من الأهل على المستقبل النفسي لهؤلاء الأبناء الذين يعتبرون الحياة استكمالا لهذه المباريات. فتقوى عندهم النزعة العدائية لغيرهم فيمارسون بها حياتهم في مدارسهم أو بين معارفهم والمحيطين بهم بنفس الكيفية وهذا مكمن خطر شديد وينبغي على الأسرة بشكل خاص عدم السماح بتقوقع الأبناء على هذه الألعاب والحد من وجودها، وكذلك على الدولة بشكل عام أن تتدخل وتمنع انتشار تلك الألعاب المخيفة ولو بسلطة القانون لأنها تدمر الأجيال وتفتك بهم فلابد وأن تحاربها كما تحارب دخول المخدرات تماما لشدة خطورتها.
وهناك انتشار أفلام العنف بين أبنائنا:
وذلك بتحليل ما يراه الأطفال والبالغون من أفلام وُجد أن مشاهد العنف في الأفلام قد زادت بصورة مخيفة وأن الأفلام المتخصصة في العنف الشديد مثل أفلام مصاصي الدماء وأفلام القتل الهمجي دون رادع أو حساب ولا عقاب قد تزايدت أيضا بصورة لابد من التصدي لها فيستهين الطفل أو الشاب بمنظر الدماء ويعتبر أن من يقوم بذلك – كما أوحى إليه الفيلم – هو البطل الشجاع الذي ينبغي تقليده فيرتدون الأقنعة (الماسكات ) على الوجوه تقليدا لهؤلاء " الأبطال " ويسعون لشراء ملابس تشبه ملابسهم ويجعلون من صورهم صورا شخصية لحساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي ويحتفظون بصور عديدة لهم في غرفهم ويتغافل كثير من الأهل عن هذا التقليد الذي يزيد من حدة العنف في المدارس أو الجامعات .
أضف الى أفلام الكارتون العنيفة.
حيث لم تقتصر أفلام العنف على الأفلام الحقيقية التي يمثلها ممثلون بل وصلت لمستوى أفلام الكارتون التي يقضي الطفل أمامها معظم وقته ويظن الأهل أن أبناءهم في مأمن حيث لا يشاهدون إلا تلك القنوات والحق أنها اخطر في توصيل تلك الرسالة العنيفة حيث يتقبل الطفل الصغير الأفكار بصورة أسرع من الكبار وحيث تعتمد أفلام الكارتون على القدرة الخارقة الزائدة والتخيلية عن العمل البشري في تجسيد أثر القوة في التعامل بين أبطال الفيلم فمصطلحات استخدام السحر وإبادة الخصوم بحركة واحدة واستخدام مقويات ومنشطات والاستعانة بأصحاب القوة الأكبر في المعارك كل هذه منتشر وبقوة في تلك الأفلام الكارتونية والتي تساهم في إيجاد بيئة فاسدة يتربى خلالها الطفل على استخدام العنف كوسيلة وحيدة لنيل الحقوق أو لبسط السيطرة .
إضافة الى الخلل التربوي في بعض الأسر:
حيث تنشغل بعض الأسر عن متابعة أبنائها سلوكيا وتعتبر أن مقياس أدائها لوظيفتها تجاه أبنائها هو تلبية احتياجاتهم المادية من مسكن وملبس ومأكل وأن يدخلوهم أفضل المدارس ويعينوهم في مجال الدراسة والتفوق ويلبون حاجاتهم من المال أو النزهة وغيره من المتطلبات المادية فقط ويتناسون أن الدور الأهم الواجب عليهم بالنسبة للطفل أو الشاب هو المتابعة التربوية وتقويم السلوك وتعديل الصفات السيئة وتربيتهم التربية الحسنة وقد يحدث هذا نتيجة انشغال الأب أو الأم أو انشغالهما معا عن أبنائهما مع إلقاء التبعة على غيرهم من المدرسين أو المربيات في البيوت .وربما قد نجد سببا لانحراف الابن أو تشوهه نفسيا نتيجة الخطأ التربوي الواقع من أبويه ، لكن ما ذنب الطفل - المعتدى عليه بذلك السلوك المتنمر البشع - الذي يدفع ثمن خطأ تربوي وقعت فيه أسرة غير أسرته عندما أخرجت نموذجا مشوها للمجتمع ليتعدى خطره وضرره لكثيرين لا ذنب لهم ولا لأسرهم ؟
وهناك انتشار قنوات المصارعة الحرة العنيفة ومتابعة الفتيات لها:
الغريب أن جمهورا كبيرا من المتابعين لهذه القنوات من الفتيات في ملاحظة غريبة حول هذه الرياضة التي ظلت فترة كبيرة هواية خاصة من هوايات الشبان لا الشابات، مما أثر كثيرا على السلوك العام للفتيات المتابعات والذي أدى لظهور ظاهرة سميت " بالبويات “، وهن الفتيات المتشبهات بالرجال في سلوكهن وتعاملهن وبالتالي تكونت بذرة لنمو التنمر داخل الأوساط الطلابية للفتيات في المدارس
إضافة الى العنف الأسري والمجتمعي: حيث يشاهد الأبناء يوميا تصرفات مجتمعية منها أفعالا أو ردود أفعال تتسم بالعنف بين والديه فلابد عليه أن يتأثر بما شاهده وربما يمارسه فعليا إذا سنحت له الفرصة لذلك، وهكذا يجني المجتمع على أبنائه وأيضا هكذا يساهم الأبوان في إفساد سلوك أبنائهما بدفعهم بصورة عملية في اتباع ذات النهج الذي شاهدوه.
لذا لابد على الأهل أن يراجعوا أنفسهم جيدا وأن ينتبهوا لأبنائهم ولسلوكياتهم في المدارس أو النوادي وفي كل التجمعات حتى لا يمارس أبناؤهم ذلك السبيل المشين , وكذلك يجب على المربين في المدارس أن يرصدوا تلك الظاهرة ويتابعوها متابعة فعالة وواقعية وصحيحة وواعية حتى يمكنهم اتخاذ الحلول لها في الجانبين , جانب المعتدي وجانب المعتدى عليه .وكذلك يجب على الأسر أن تتابع أبناءها إن وجدوا عليهم علامات مثل عدم الرغبة في الذهاب للمدارس أو تأخر مفاجئ في مستواهم الدراسي أو وجود آلام أو جروح أو إصابات في أجسامهم أو أي انكسار في شخصياتهم أو انزواء نفسي وميل للعزلة حتى في المنزل فيجب عليهم طمأنة أبنائهم وسؤالهم والاستفسار منهم حول أسباب ذلك باللطف واللين حتى يتبينوا حقيقة تلك الأسباب فقد يكون أبناؤهم قد تعرضوا للقمع المدرسي أو التنمر من قبل أقرانهم .

عضو الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين
• عضو اتحاد الكتاب والمثقفين العرب
• سفيرة الإعلام العربي


ساهم معنا في نشر الموضوع