(معايير النقد الأدبي ليكون عِلماً)
الحوار الذي أجرته معي الأديبة السورية روعة محسن الدندن
باعتباره الحلقة الثانية من سلسلة حوارات كانت قد نشرتها الكاتبة الأستاذة روعة في وقت سابق.
بعد الترحيب وجهت المحاورة سؤالاً:
س/كيف تنظرون لحقيقة مايتم نشره من نقود؟
فأجبت:
كنتُ مهتماً بقراءة العديد من النقود، والتي أغلبها آراء انطباعية، او كلمات اعجاب وإطراء تفرضها نوع العلاقة بين الكاتب والناقد، وكذلك إنشائية الكلام المكتوب بعيداً عن روح النص، أو المقولات المنقولة من هنا وهناك حرفياً لكتابات آخرين حتى وإن كانوا ليس من العرب، ولاتربطهم بأدبنا صلة، وطالما اسأل مرارا:ألا يمكن العقلية العربية إبتكارَ منهجاً نقديا اونظرية نقديةً عربيةً خالصة، والتخلص من التعكز على نظريات أجنبية أكل عليها الدهر وشرب، إضافة إلى أنها لاتخدم ادبنا ولأسباب عديدة، منها ان لغتنا ألف بائية وليست مقطعية، كذلك بلاغة اللغة العربية وسعة مرادفاتها دالا ومدلولاً،وبذات الوقت هي، لغة الإيجاز والإفصاح والوصول بأعمق المعاني وبأقل عدد من الكلمات، وهنا لابد من السؤال الذي يفرض نفسه:
هل النقد الأدبي عِلم من علوم الأدب، أم هو مصاحب للأدب، وماالعلاقة بينه وبين الفلسفة من جهة وبين الأدب من جهة اخرى؟
وبدايةً ،فأنا على يقين راسخ، بعدم استقامة الأدب الحقيقي من غير نقد حقيقي، ومادام الأدب عرّاباً للمجتمع، فالنقد حقيقةً هو عراباً للأدب في كل الأحوال والأزمان.
وحين لاتجد العلمية في المقولات والكتابات النقدية، سيتضح لك جلياً أن هناك حيفاً سيتحمله الأدب، وسيقع ضحية المتناقدين ولكل من هب ودبّ مدعياً انه ناقد دون الإكتراث بالنتائج الوخيمة التي ستترشح جراء الإسفاف واللامبالاة، ولابد من الإشارة للدور الذي تتيحه العديد من المواقع والصحف والمجلات ودور النشر، دون وازع، بغية الربح السريع والشهرة المفرغة من المعايير الأدبية الحقيقية، وقد غالت بعضها كما غالى بعض المتناقدين وهم يوسمون كتاباتهم بعناوين طنانةٍ ورنانة تخرج احياناً من دائرة المنطق والذوق، واعتقد انكم قراتم مثل ذلك الكثيرنقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعيدراسة نقدية أدبية)، أو اختيار مصطلحات مترجمة بشكل خاطئ ليستخمونها عنونة لتلك الدراسة المزعومة، من أجل ايهام البعض بأنهم من فلاسفة النقد وانهم كذا وكذا، وفي حقيقة الأمر، يقتلون النص وصاحب النص، بعبارات منقولة حرفيا لاتمت لواقع ومضمون وبيئة النص بصلة، لامن قريب ولامن بعيد، مثلما يفعله بعض اصحاب مايسمونه مخطوءاً:بقصيدة النثر، والله يعلم أنها ليست بقصيدة ولابنثر، لاسيما والجميع يعرف ماهي معايير الشعر وماهي معايير النثر، لذا وجب الوقوف امام التقليد الفارغ، والعودة لأدبنا وتراثنا العظيم وبرؤيا حداثية واعية تستوعب الحدث وتصوره وفق الوان وذائقية التلقي ابن المجتمع العربي، وهنا لاأقصد ابدا، العودة للقيم التي اختفت وماعاد لوجودها دالاً يذكر، وإنما بروحها الحية ووجهها المشرق الذي يأخذ بالثقافة والوعي نحو السمو.
وهنا سأشير لملاحظات ونقاط في غاية الأهمية، وهي:
1.أن.جُلَّ،وليس كلَّ الآراء والمقولات والكتابات، هي بعيدة كل البعد عن علم النقد الأدبي، والدليل، حينةتقرأ منها تجد نفسك امام غموض مهول وحيرة مقيتة، ويغيب عنك مرمى النص وبيئته ورسالته التي يروم الكاتب إيصالها التلقي، حيث لايتطرق(الناقد) لمعايير أو ظواهر أدبية تجعل من هذا النص أو ذاك في مصاف العمل الأدبي الحقيقي، او اشتباكه مع غيره من الكُتّاب، باعتبارهم يمثلون أدب مرحلة بذاتها زمكانياً ،وكذلك إهمال وبتعمد التطرق لجنس النص، والعجب العجاب هناك من يدعي أن مايسمى خطئاً بــ :قصيدة النثر، قد اختزلت جميع الأجناس الأدبية.، وانا ارد على ذلك القول:أتّقوا الله فيماتقولون، فطعم التمر ليس كطعم الباذنجان، ولارائحة الجوري كرائحة الدفلى ولاالمومياء كمثل الأحياء.... وللذكرِ مثل حظ الأنثيين...
يتوهم البعض ايضاً حين يضع إسماً لأجنبي مستشهداً بمقولاته، يتصوره جواز سفر عابر القارات، ناسيا او متناسياً أن بين يديه إرثاً عظيما حياً ومازال طرياً،لكن زوغان الأعين النُجل لاتكترث بالنظر إلى ماحولها، حيث يوجد جدار سميك من التقليد للأجنبي حتى وإن اهان ادبنا وتراثنا.
اهمية النقد تأتي من كونه علم يرتكز على فلسفة، لأن اللغة الأدبية، نعم الأدبية، لايمكن الولوج لأعماقها إلا بعِلم مبني على أسس وجذور فلسفية، كمثلث له ثلاثة أضلاع، دال-مدلول-مفهوم، وهذا الأمر جعل النقد من الصعوبة بمكان، واحياناً أضحى عصياً على من لم يرتكز على الأثافي تلك، حيث يجب فِهم معادلة العلاقة الوثيقة والفرق بذات الوقت بين العِلم من جهة وبين الفلسفة والجذور الفلسفية من جهة ثانية، مع الأخذ بنظر الإعتبار ماورد من مصطلحات نقدية، ومن هنا، نلاحظ كم هي الحاجة للتقصي والبحث الدؤوب عن هذا العلم الواسع والذي نسميه :النقد الأدبي؟
وللحديث بقية.


ساهم معنا في نشر الموضوع