المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صوت في حقيبة موروثة



لحبيب يعقوب
12-23-2012, 03:06 PM
صوت في حقيبة مـوروثة...؟

- أحس أنه حين تفقد العبارة معناها ويغدو الكلام لاشيء وسط كل شيء ، حين يتحسس الإنسان أنه كالجوف الفارغ أمام فـــراغ يفوقــــــه.
- حين يغضب الإنسان يصير لحظتها لاشيء وكل شيء ساعة يداس الشعور بالعبارة ويقهر بها . يقف هو صامتا لأن الطـرف الأخر لا يسمح لــه بالمعارضة ، وقتئذ تغدو الحياة كعصفور في يد طفل يهينه ويغدو الكلام ضربا من الجنون.
- كان الليل قد جن وكان الهدوء عميقا عمق معاناته عمق ظلام دامس ينم عن سواد أيامه و لياليه . هناك إ ستلقى على فراشه يده على جبينه محدقا في اللاشيء .. ولاشيء يقطع تأمله في خضم معتركه كاد يغيب وتجرفه الأحداث تتهاطل علامات الاستفهام تهوى تتساقط وتحشد كومات الضباب أمام عينيه التي كلما تبددت قليلا لاح في قرارة نفسه تسأله الملح
- أين أنا من هذه الحيـاة ؟
فسؤاله هذا كان خـلاصة لتضارب كل الأسئلة . لم يستفق إلا والشمس تطبع أول قبلة على وجه الأرض ، نهض من فراشه .. حملق بجدران غرفته الحزينة تمسح بها احتضنها. تناول حقيبته الموروثة عن جيل أبيه ، لملم أشياءه المتناثرة.أقلام ، كراسة ..عباءته ومجموعة رسائل حين هم بفتح باب غرفته رواده شيء ..استدار وزع نظراته على غرفته تماما كحبيب
يلقي آخر نظرة على هيكل رفيقة أحلامه ولياليه .تراه آخر احتضان لدفتر الذكريات , تردفها آخر دمعة تحبس غصتها في الحلق ؟.عندما احتضنه حوش الدار رفع راسه فاذا بالعين تلتقي بالعين .وجه شاحب أخذت منه مفارقات الزمن مآخذها ، رأس بالف حكمة يغزوه شعر أبيض ذلك هو أبوه الذي لم تسعفه الاقدار ذات يوم من تحصيل قسط وأفر من العلم يهيء له واقعا أفضل مما هو عليه في هذه القرية التي يحوم حولها العدم .
كانت لحظة رهيبة حرجة غابت فيها التحية وحل بدلها الاستفسار :
- الى أين يا عبدالله ؟ بصوت تجلوه مسحة حزن تنحنح : إني رأحل ؟ إني رأحل .
- مـــــــــاذا ؟ .
أجل ياأبتي لابد من هذا السفـر . على الشفاه ماتت البسمة ، إنتحرت الكلمات والأم ترواح مكانها محملقة بوجه وحيدها ينتابها ألف ظن وظن ،من عينيها ينهمر سيل دون سابق إنذار. أما أبوه ظل يلقي نظراته ملء بصره على وجه بكره وهويتحول الى كتلة من إحساس بها أمنية وأحدة ".كن أحسن مني ياعبدالله "، كأن المنزل المتواضع فقد جدرانه ، كأن الربيع إرتدى ثوب الخريف وصدى صوته يفجع من كتب له أن يشهد وأقع هذه القرية ودأعـا و..د..أ..عا.
انطلق بإصرار الغريق على النجاة يتلمس ممر القرية الوحيد ، يمخر عباب أيامه ليبدأ رحلته مع المجهول. في ذات الصباح كان الدرب هو الذي يسير ، المجازفة أنسته نفسه لم يستفق الا على وقع الحقيبة من على كتفيه وهي تلامس ارض البور وهي تنفرج قليلا تقوس حتى يعدلها ويحملها أذ بصوت ياتيه من جوفها: * إن الحياة حوت منتصرا ومهزوما . إحذر دروبها المطرزة بالرياحين ولاتهب منها كثيرا ما قد ينال من جهدك *. خرج من توهانه أغلقها وأنطلق من جديد يستجمع أشلاء أحلام وراها ذلك الشفق البعيد.
عندما وجد نفسه في حرمة محطة الحافلات ، عمد بالنظر للوحات الاتجاهات عله يرسو على محطة محظوظة .. زاغ بالبصر يبحث عن المكان حتى استقر على ما يريد . تقدم متثاقلا قابله الشباك قطع تذكرة سفر ، إتخذ مكانا له في مؤخرة الحافلة وانزوى يفكر في نفسه يبحث عنها من خلال ما تراى له من زجاج النافذة .. شحوب هذا الوجه العبوس شرود هاتان العينان السوداوان وخيال شنبات رجولته تحامل عن ضيقيه فلم يفلح كثيرا تأوه : كم أنت قاس يازمن ..؟
بادر بالهروب من حاضره فتح حقيبته الدكناء ..تناول كتابا تناسى عنوانه عله يعثر على وأقع أقل مرارة من واقعه . غمر أذنيه نفس الصوت في حميمية مفرطة: امضي فكما قدر الله لك من رزق كان ..أمضي وتوكل على الحي الذي لايموت .. نفخ فيه الصوت عزم وإسرار جديدين .
لما وطئت قدماه أديم الأرض من جديد بشعره الأشعث وبدلته المنهوكة .. رفع رأسه الى سماء المدينة وأسترسل في تيه : هأنا بين أحضانك أيتها الصاخبة . فهل بين ثناياك من قسمة تنتظرني.؟
قضى ليلته كما شاء الله لما أصبح الصباح قام وقد لامس خافقه شيء من الأمل والإصرار يشغل فكره أمر وحيد العمل ، العمل وليس غيره . بعزيمة القروي اقتحم واقع المدينة الغاصة بالناس والأشياء التي سمع عنها ، أمضى ساعات يومه كمختص في التنقيب ينقب في كل الاتجاهات عن فرصة تسوق يقين .
وتتوالى الأيام وتمضي الشهور تباعا على مداها تحمل فراغ بطنه توسد خشخشة وسادة بالية بمبيت حمام ، لكن لم يركن إلى الوهن ظل مرفوع الرأس كنخلة تقف عائقا في وجه الرياح العاتية ، لم يكن لقمة سائغة لأحد إلى أن وقف على رجليه . كانت واقفة أمامه ظهرا بفستانها الزاهي وبهرجة مدنية بلهاء تتحدث إليه بنبرة مؤنبة جراء ميعادين أخلقهما في نفس هذا الأسبوع . ظل هو فقط يلحظ شفتيها المتحركتين ولا يعي قط سياق حديثها ، كان قد سرقه من نفسه شريط ذكريات مريرة قبل تسعة أشهر مضت كاملة استعاد فيها بدقة فائقة تفاصيل اليوم الذي تحصل فيه على عمل كبناء بمقاولة عمي راشد الطيب الذي لاحظ عليه نباهة وكياسة في معاملة الجميع فلم يتأخر إثرها بمفاتحته في موضوع شؤونه الخاصة وفتح عبدا لله بدوره صدره له ، فكأن بعبد الله بعث يومها ليؤمنه عمي راشد على إدارة شؤون مستخدميه ، وكأن بعمي راشد وجد في الحصول بواسطة معارفه على بيت إيجار يحتوي على غرفتين كاملتين . توالت الأحداث في خاطره الخفاق دون أن يسقط منها تكرار زيارته الأولى على المصلحة وهو إذ ذاك كان يقصدها لتصفية حسابات ضرائي المقاولة التي أوكلت شؤونها الإدارية له . برهة رأته تعلقت به بطموح يسكنه ، لقي هو فيها أنوثة ورقة هدأت قليلا من جموحه عمد إلى عدم مباغتتها بحقيقته التي أخفاها عنها وأحاط العلاقة بشيء من الحذر كانت في برج الأحلام وهو في ركن الواقع القاهر .
- مابك أناء هنا ؟
لم يشعر إلا ويدها تضغط على عضده ، تنهد ثم انحنى يفتح حقيبته الدكناء وقبل أن يفي بالغرض جاء الصوت المرافق للرحلة الشاقة ." انك إن عشقت امرأة وهي لاتعرف تاريخ حياتك ولالون معيشتك ستسير معك قليلا على الدرب لكن تأكد أنها حين تصطدم بواقعك ستتخلى عنك ."
- أخرجها من بين صفحات كتاب ناولها الرسالة التي احكم غلق ظرفها بشريط اللاصوق .صعد الحافلة أخذ مكانا له في المقدمة وراح بيمينه يتحسس أورقا نقدية سميكة وفر ها بعد تقشف صارخ ليوم عودته هذا.
لحبيب يعقوب
ملاحظة : القصة كتبت ذات صيف من سنة 1992

عبير
12-23-2012, 05:54 PM
الكاتب الرائع



لحبيب يعقوب



من أروع ما قرأت لك


شدني العنوان وراقني


صوت في حقيبة موروثة..


حقيبة عمر تلخص مراحل حياتنا وامتدادنا


كتبتها بسرد متقن سلس وبلغة جميلة قويمة


وكان حوار مع النفس تجوبه الفلسفة


بمحطات رحلتنا في هذه الحياة..


دام نبض يراعك يخط هذا الجمال


وأود الاستفسار عن هذه الجملة بوضع الهمزة على الألف


وأقع هذه القرية ودأعـا و..د..أ..عا


وايضا


ظرفها بشريط اللاصوق





تقصد شريط لاصق؟


تحياتي وتقديري

لحبيب يعقوب
12-23-2012, 06:13 PM
الاستاذة الفاضلة : عبير ياجملة كل الرياحين والشذى الرائع
لايسعني الا ان اتقدم لك بكل أيات التقدير والامتنان والاحترام على متابعتك الطيبة لكل ماينشر في الحقيقة ما سألت عنه فر مني هكذا وأناء لازلت بصدد تعديل الموضوع فبدلا من أن أضغط على معاينة المشاركة ، كان العكس الشيء الذي لم يمكنني من تعديل ما مر في الموضوع من هفوات أما بالنسبة لشريط اللاصوق فنفس المعنى الذي ذهبت اليه .
ودمت عبيرا يفوح اريجه في كل الامكنة .

عبير
12-23-2012, 07:14 PM
شكري وتقديري لحضرتك أديبنا الفاضل


ونعم أدركت ما حصل لك بتكرار المشاركة مرتين


وقد عملت على حذفها


واما كيف يمكنك تعديل مشاركاتك فيوجد على يمين الموضوع في الاسفل خانة


كتب فيها تعديل المشاركة


بامكانك تغيير اي كلمة تريدها وتعيد الارسال


ولكن وجدت الان بردك ذات التكرار : وأناء لازلت


مما يدل إن الغلط يقع اثناء الطبع


تحياتي ويسعدني دوما متابعة جميع اسرتي العريقة بمحبة وتقدير

رضا سالم الصامت
12-23-2012, 11:45 PM
اخي لحبيب يعقوب
تحية تقدير انك أديب رائع كتبت و تفننت و ابدعت و اتقنت
بل قل نقشت احرف و كلمات ادبية كزربية تجمع كل الألوان
فقصة كهذه يفهمها كل من يقرأها لأن فيها صور جميلة
و لغة سليمة و سرد سلس ممتع و مفيد
بوركت اخي و دام يراعك
رضا سالم الصامت
المستشار الثقافي و سفير اتحاد الكتاب و المثقفين العرب في تونس

عبير
01-21-2013, 02:57 PM
http://www.alexandrie3009.com/vb/mwaextraedit6/extra/104.gif

طلعت محمود
01-21-2013, 04:09 PM
الأديب الرائع لحبيب يعقوب
قصتك رائعة بارك الله فيك
http://i22.servimg.com/u/f22/14/62/34/97/5210.gif