النظام العالمي الجديد ( الجزء الحادي عشر )
هل نحن مقبلون على حرب عالمية ثالثة
كتب دكتور/ حسن صابر

أعلنت أمريكا حرب الخليج الأولى على العراق عام 1991 بسبب الغزو العراقي لأرض الكويت ورفض صدام حسين الإنسحاب منها خلال المهلة التي منحت له ، وبعد سحق الجيش العراقي وتدمير البنية الأساسية بما فيها محطات تنقية المياه والمستشفيات ، تم فرض عقوبات إقتصادية لمنع العراق من إعادة بناء البنية التحتية من جديد ، وإستمرت هذه العقوبات التي بدأها بوش الأب ، وإستمرت طوال ولاية كلينتون ، لأكثر من عقد ، وقدر عدد الضحايا بأكثر من نصف مليون طفل ، وكانت إدارة كلينتون على علم تام بهذه الأرقام ، وقد صرحت مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية في عصر كلينتون أن هذا العدد يفوق الذين قتلوا في هيروشيما ، وسألتها إعلامية أمريكية إستضافتها : هل كان الأمر يستحق هذا الثمن ؟ فردت مادلين أولبرايت أنه كان خياراً صعباً ، لكننا نعتقد أن الأمر كان يستحق هذا الثمن ، وتساءل الكثيرون : سيدة أولبرايت ما هو بالضبط الأمر الذي يستحق أن يقتل بسببه نصف مليون طفل ؟

وفي نوفمبر عام 2000 ، بدأ العراق يبيع النفط حصريآ باليورو ، وقد إعتبرت الولايات المتحدة الأمريكية هذا الإجراء هجومآ مباشرآ على الدولار ، وعلى الهيمنة الإقتصادية للولايات المتحدة ( فهل حسبها صدام بدقة . . هل قدر عواقب قراره هذا ، وهل قدر قوته جيدآ أمام القوة الأمريكية ؟ ) . . لم تستطع الحكومة الأمريكية أن تتغاضى عن هذا الإجراء ، فتم تدبير حادث أو تمثيلية تفجير المركز التجاري العالمي بنيويورك في 9/11/2001 ، ثم إتهام العراق وأفغانستان بالمسئولية عن هذا الحادث ، بعد ذلك قامت بإطلاق حملة دعاية مكثفة بالإستناد إلى وسائل الإعلام ، أشاعوا فيها أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل ، وأن قياداتها مصممة على إستخدامها ، وفي عام 2003 غزت الولايات المتحدة الأمريكية العراق ، وبمجرد السيطرة على البلاد ، عاد الدولار ليكون العملة المعتمدة لبيع النفط العراقي ، هذه حقيقة لا غبار عليها ، فإعتماد الدولار يعني خسارة بنسبة 15-20% في إيرادات العراق بسبب إرتفاع قيمة اليورو عن الدولار ، وسيبقى الأمر محيرآ ما لم تأخذ البترودولار في الإعتبار . . في ذلك الوقت كانت الطائرات الأمريكية تقصف أفغانستان ، وطرح سؤال مهم من الجنرال ويسلي كلارك ، وهو هل مازالت الحرب ضد العراق محتملة ؟ وكانت الإجابة نعم ، بل إن الأمور قد تكون أسوأ من ذلك ، يقول ويسلي كلارك أن المسئول الذي كان يحاوره قد مد يده إلى مكتبه ، وسحب قطعة من الورق وقال : نزلت للتو من الطابق العلوي اليوم ( يقصد أمين مكتب الدفاع ) ، وقال أن هذه مذكرة تصف كيف ستضرب 7 دول في خمس سنوات ، بدءاً من العراق ، ثم سوريا ، ولبنان ، والصومال ، والسودان ، وأخيرآ إيران .

دعونا نلقي نظرة على الأحداث في العقد الماضي ونرى إذا كان بإمكاننا ملاحظة نمط معين في ليبيا . . كان القذافي بصدد تنظيم وحدة من البلدان الأفريقية ، لإنشاء عملة موحدة وهى " الدينار الذهبي " ، والذي كان هدفه هو إستخدامها لتحل محل الدولار في تلك المنطقة ، فساعدت الولايات المتحدة قوات الناتو على زعزعة وإسقاط الحكومة الليبية في عام 2011 ، وبعد السيطرة على المنطقة ، أعدم الثوار القذافي بدم بارد ، وفورآ أسسوا البنك المركزي الليبي ، وقامت إيران بحملة نشيطة لوقف مقايضة النفط مقابل الدولار ، وحصلت على إتفاقيات للبدء في بيع النفط مقابل الذهب ، وردآ على ذلك ، قامت الحكومة الأمريكية بدعم من وسائل الإعلام الرئيسية ، بمحاولة للحصول على الدعم الدولي لتوجيه ضربات عسكرية إلى إيران ، وكان لابد من إختلاق سبب لضربها ، فكان السبب هو منع إيران من صنع سلاح نووي ، وبدأت بفرض عقوبات إقتصادية على إيران ، ويعترف المسؤولون الأمريكيون علنآ أن الهدف هو التسبب في إنهيار الإقتصاد الإيراني ، وسوريا هى الحليف الأقرب لإيران ، وقد وقعا إتفاقيات دفاع مشترك ، وبمساعدة سرية من الناتو ، تقوم بعض الأطراف بزعزعة الإستقرار في سوريا وإيران ، وعلى الرغم من التحذيرين الروسي والصيني لأمريكا بعدم التدخل ، لكن البيت الأبيض سرب تصريحات تشير إلى أنهم يفكرون في التدخل العسكري ، ثم غيروا خطتهم ربما بسبب التحذيرات الروسية والصينية وفضلوا أن يصنعوا داعش لتحارب لهم حربهم . . هكذا بدأت عصابات الإرهابيين العبث في سوريا لتدميرها ، وبالنظر لما حدث في حلب وما حولها فإنهم قد نجحوا في ذلك .

الدافع وراء هذه الحروب والعمليات السرية يتضح عندما نضع الأحداث في السياق الصحيح ، وعندما نربط النقاط ، أولئك الذين يسيطرون على الولايات المتحدة الأمريكية وأقصد بهم أصحاب بنوك الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي ، يدركون جيدآ أنه حتى إذا بدأت عدد من البلدان ببيع نفطها بعملة أخرى ، فإن الأمر سيفجر تفاعلآ متسلسلآ ينتقل من بلد نفطي لآخر ، وقد يؤدي إلى إنهيار الدولار ، هم يعرفون جيدآ أنه ليس هناك طريقة أخرى تساعد على إنخفاض قيمة الدولار ، والعالم يدرك هذا ، لكن بدلآ من القبول بالأمر الواقع ، وبأن الدولار يقترب من نهايته المحتومة ، قامت القوى المسيطرة بمناورات محسوبة ، وإتفقوا على الإستخدام المفرط للقوة العسكرية لسحق كل دولة مقاومة في الشرق الأوسط وأفريقيا ، وهذه الطريقة بحد ذاتها لها عواقب وخيمة ، لكن ما نحتاج لفهمه أن هذا لن ينتهي مع نهاية إيران وسوريا ، فالصين وروسيا أعلنتا أنهما وتحت أي ظرف ، لن يتسامحا مع أي هجوم على إيران أو سوريا ، لأن إيران واحدة من أهم حلفائهم في المنطقة ، كما أن إيران تعتبر من أهم منتجي النفط المستقلين في المنطقة ، وهما يدركان أنه إذا سقطت إيران ، لن يكون لهما مفر من إستخدام الدولار دون اللجوء إلى الحرب ، ولتفادي هذا الوضع تحالفت روسيا والصين وإيران وسوريا ، ومعهم حزب الله اللبناني الشيعي ، وكونوا حلفاً عسكرياً غير معلن ، ونجحوا حتى الآن في إنقاذ سوريا من السقوط ، وتراجعت الولايات المتحدة مؤقتاً ، وتبرأت من صنيعتها داعش ، وأعلنت أنها ستنهي هذا التنظيم خلال أشهر قليلة ، فقد إنتهت الأهداف التي خلقت من أجلها وإنقضى دورها .

أخشى أن يكون ما نشهده الآن هو المسار الذي يؤدي مباشرة إلى ما لا يحمد عقباه ، إنه المسار الذي رسموه منذ سنين ، مع إدراكهم الكامل للعواقب التي ستنتج عن ذلك ، لكن من الذي وضع أمريكا على هذا المسار ؟ وأي نوع من المختلين عقليآ مستعد لتفجير صراعات عالمية ، قد تؤدي إلى حصد أرواح الملايين من البشر ، لمجرد حماية قيمة عملة ورقية هى الدولار . . من الواضح أنه ليس الرئيس ، لأن قرار غزو ليبيا وسوريا وإيران حسم قبل إعتلاء أوباما كرسي الرئاسة بوقت طويل ، لكنه نفذ واجبه تمامآ مثل الرؤساء الدمي الذين سبقوه ، فمن الذي يحرك هذه الدمي ، ومن المستفيد ؟ طبعآ هم أولئك الذين لديهم القدرة على طباعة الدولار من لاشئ ، وهم أكثر المعرضين للخسارة إذا إنهار الدولار ، ومنذ عام 1913 إنحصرت التكهنات بل التأكيدات على أن البنك الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي هو المسئول عن كل هذا .

الإحتياط الفيدرالي هو كيان خاص ، يملكه تكتل هائل من أقوى البنوك في العالم ، والأفراد الذين يسيطرون على هذه البنوك ، هم الذين يحركون الدمي ، بالنسبة لهم العالم مجرد لعبة ، حياتك وحياة من تحبهم ليست سوى بيادق على رقعة الشطرنج بالنسبة لهم ، وعندما يخسرون تقوم القوى المهيمنة بالإستعداد لبدء الحرب العالمية الثالثة للإحتفاظ بالسيطرة على النظام المالي العالمي . . فهل فعلاً نحن مقبلون على حرب عالمية ثالثة تكون خطوة جديدة للأمام في طريق النظام العالمي الجديد .


ساهم معنا في نشر الموضوع