النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: رقص القربان

  1. #1
    كاتب جديد

    تاريخ التسجيل
    Apr 2018
    الدولة
    المغرب
    رقم العضوية
    3611
    المشاركات
    14

    رقص القربان

    _مقدمة_

    حينما نعدم الاسلحة أثناء معاركنا،تظل التضحية البشرية اولها و اخرها.

    ّّّّّ
    كانت الحرارة مفرطة تلك الظهيرة،حين غادرت البيت الفخم سيدة حنطيه البشرة،بدت في حوالي الأربعين بأناقة فستانها الصيفي القرمزي الأنيق،بينما حذاؤها مع حقيبة اليد اللامعي السواد،أبرزا عقد اللؤلؤ المزيف و الحلق المتوهجي البياض،لتصعد إلى سيارة بيضاء رباعية الدفع،بجمال أظلته غيمة تحاول خجلى فرد أجنحتها بالقنوط بين العينين العسليتين.
    _ متى تتعلمين رد باب السيارة بنعومة ؟ فأنت لا تعرفين قيمة الأشياء و طول عمرك مبذرة حد الجنون _ تعالى صوت الشاب الوسيم القوي البنية صارما،و هو ممسك بعجلة القيادة بعنف أخافها _ .
    كادت تستسلم لبرودة المكيف،بعد عناء الوقوف تحت الشمس لنصف ساعة بدت لها دهرا:
    _ ما صفقته بعنف عن قصد،لكنه ارتد لوحده لميل الطوار _ أجابته السيدة و صوتها يختنق بدمع وليد،حاولت خنقه ببقية الكبرياء _ .
    _ لا تهتمين بشيء و عليك تعلم الكثير،أولها انتظار دعوة لزيارة بيتي،فلا يمكن لك اقتحام خصوصياتي بطريقتك الحمقاء،و إياك و طلب مساعدتي المادية يوما،فلن أكون أبدا بنكك المتحرك _ .
    رفعت عينيها بحيرة إلى الوجه الجميل،الذي طالما حمته من الهواء قبل لعنات الزمن،و دفعت كرامتها في حفنة واحدة ثمنا لما آل إليه من رفعة اجتماعية.فتراقص شريط العمر المهدر في ثواني،معيدا بشاعة صور حاولت طويلا محوها،بزرع الفرحة في الأعين حولها.
    _ يجب عليك تسليمه إلى ميتم،فأنت أصغر من أن تربي طفلا لوحدك _ صوت الكثيرين ذات زمن مضى _ .
    _ لا أريدك بطفل في بيتي و عليك الرحيل،فلم أتحملك وحدك لأتحمل إضافة بشرية منك،ثم لا أفهم كيف لطفلة أن تربي طفلا _ صوت زوجة الأب و هي تطردها ذات ليلة عاصفة،و وليدها متمسك بصدرها كأنه يشعر بانفتاح هوة ستبتلعهما معا _ .
    _ سأمرغ أنفك الصغير المترفع تحت قدمي،فامسحي القيء بوجهك هذا الأشبه بدمى المعارض و اخرسي،و إلا فعاقبة ابنك الميتم و نهايتك أنت هو الشارع _ صوت الزوج المريض الذي احتمت بظله من الضياع _ .
    الذكر الذي لجأت إليه من جحيم الزمن،و إهاناته بين السكر و صحوة الغيرة بحقد فطري،لا علاقة له بتصرفاتها البريئة،و إنما لاكتئاب حاد دمر معنوياته بإدمان الشرب و التدخين زمنا طويلا،رغم ما يحمله من شواهد أكاديمية عليا _ .
    شعرت فجأة بوجع الظهر لطول الخدمة عبودية شاملة لعينيه،بعد أن تناست المرايا فنسيتها بدورها للأبد،لولا وهج من جمال وراثي يثير كل اللعنات.
    كم تاقت إلى حضن محب،و كم اشتهت أن تتزين بحلي غير مزيفة،و تملك ما لا تحتاج إلى بيعه من أجل هاتف نقال و حاسوب و رفاهية أثواب تفرحه.و كم أرادت أن تكون أغانيها التي ملأت الأرجاء إسعادا لروحه،نابعة من عاشقة مدللة و أم اختارت الأمومة بملء إرادتها.
    _ ربيتك لتكون رجلا بجانبي أتباهى بظله،و أهتم بأولاده فرحة بعمله و طيب قلبه،لا ذكرا بجبروت أنانيته يسلخني بعد الذبح الطويل بصفاقة العقوق _ همست مختنقة الصوت _ .
    _ تربين أطفالي ؟ هل أتخلص من جنونك لأسلمك أطفالي ؟ _ تعالت ضحكاته ازدراء _ .
    _ لم أكن إلا أختا حانية و صديقة أكثر مما كنت أما ؟ و لا أطالبك بشيء،بل أنت من تطاردني لتذلني دون أن أفهم لماذا _ .
    تساءلت من اين أتى بكل بطغيان القسوة،لكنها سرعان ما لعنت جيناته المعربدة بالجبن و غطرسة الظلم.فوالدها باعها طفلة إلى المجهول،و والده تخلى عنهما و هو جنين بين أحشائها،و من كان رمزه الذكوري أذلها رغم تمردها الأخرس.و لو صادقه مع الوقت نكاية فيها أول ما بدأ يكتشف ميوله الشريرة نحوها،سواء عصيانا أو سخطا على الدراسة التي لم يكن يجد فيها،إلا تحت وابل من دموعها و رشوتها له بكل الطرق.
    تأملت نتائج دفعها له نحو كل أنواع الرياضة بذكاء ناعم،خوفا عليه من أي انحراف قد يوجه عدوانيته الوراثية نحو الهلاك.
    _ كان اختيارك و لم أطلب منك شيئا،فادفعي الثمن وحدك _ اقترب بوجهه الغاضب كثعبان ضخم مقفلا كل نقاش _ .
    ارتعدت من نظرته العدائية،فتراءت لها ليلة حالكة وقفت فيها أمام الملجأ مرعوبة،بعد طرد عادي من البيت المشئوم،قضت غالبها بين الحدائق العمومية متخفية عن أعين صعاليك الليل،و تذكرت همسها لوليدها:
    _ لن أحيى لحظة لا أعرف فيها هل أكلت و ماذا شربت،و هل تغطيت أم يقرص البرد جسدك الغالي،و لن أهنا يوما جاهلة أي خطر تعرضت له.لهذا نعيش معا أو نموت معا _ .
    احتضنته عائدة مؤقتا حتى تدبر أحوالهما معا،مقبلة يد زوجة الأب بكلمات توسل،فوقعت أول بند من عقد تنازلها الكامل،عن كل ذرة كرامة فداء لمقلتي صغيرها مستقبلا.
    _ بين الميتم و حضني اخترت لك الحياة الأكرم،و لست نادمة على رؤيتك كما اشتهيت أنا أن أراك،و لن ألوم أيا كان على التخلي و الجحود،ما دمت أنت قطعة كبدي شرارة اللعنة التي أحرقتني.و لهذا يجب علي إيقاف رقص القربان الذبيح و لو متأخرة _ جاء صوتها باردا و كأنه ينبعث من قبر منسي _ .
    _ الحنان الجارف سكين دو حدين _ أضافت و هي تترجل عن السيارة السوداء _ .
    كان الموقف أبشع وجعا من سياط والدها فوق طراوة جسمها طفلة،و من أسنان زوجة الأب و هي تمرر بسادية مفرطة،متبوعة بقرص الأصابع الحاقدة،فوق كل مناطق جسدها الحساسة.فبعد كل ما بدر من هذا الجاحد منذ أن أصبح دكتورا مختصا في الأعصاب،أقفل بثقله الأسود كل ملاحمها القديمة،لتكره الوجوه التي عرفتها بلا استثناء.
    ابتعد ضجرا بسيارته تأديبا لها على أنفتها الحمقاء،فلاحظ عبر مرآة السيارة الجانبية عدم عودتها إلى البيت،و إنما تابعت طريقها بعيدا حتى توارى طيفها.
    في الغد كان الخبر بين سطور جريدة إخبارية فوق مائدة إفطاره،عن امرأة وجدت أشلاءها متناثرة عبر الطريق السيار،و ابتسامة واسعة رغم تقلص الألم تعلو المحيى الجميل،غير المخدوش مثل بقية الجسد الذبيح قربانا منذ أزمان،و الذي غادر توا عبر بوابة الجراح قاع جهنم.

    انزلت كل الاسلحة في نهاية الحرب الطويلة،لتجد انها تهاوت مصابة بنيران صديقة.


    (مستوحاة من الواقع)

    _ جليلة مفتوح_


    ساهم معنا في نشر الموضوع


  2. #2
    كاتب نشيط

    تاريخ التسجيل
    Nov 2018
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    80
    رائعة .. وباللتوفيق



  3. 11aa

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •