الموجز الثالث :
طيور" الهاربيز "

عن شمال السّاحرة أسراب من طيور " الهاربيز" ، العالية القدرة على المناورة ، و التخفّي ،والتنّصّت ، والرّصد ، والإنقضاض ، وهي مزوّدة بتقنيات الرّؤية اللّيليّة ، ومدرّبة على الهجومات الخاطفة ، و لا تتوانى في استعمال الأسلحة المحضورة ، واللّجوء إلى الفتك بوسائل الدّمار الشّامل . هي في حِلّ من كلّ الإرتباطات ، والمعاهدات ، والإلتزامات الأخلاقية ، وما جاءت به العادات ، والأعراف ،والقوانين.

مسكت " النّافثة في العقد" ، الرّعيّة من تلافيف قوتها ، فنصّبت طيورها الأسطوريّة على كلّ معابر الرّزق، وممرّاته، وثناياه ، برّا ، وبحرا ، وجوّا .
لقد حلّقت الكواسر في سماء فحشها طوعا و كرها ، وتوزّعت فرقا وأسرابا .
طارت فوق مناكب الأرض ، واختالت في مشارقها
و مغاربها، واندسّت ألغاما شديدة الإنفجار ، و الئتّشظّي !
لقد تناقلت الأساطير، أنّ " الهاربيز" ألعن الطّيور الأسطوريّة وأخبثها . لم يكن لها من همّ سوى تجويع ، وتعطيش شيخ ضرير، كان كلّما همّ أن يأكل، أو يشرب شيئا ، هاجمته ، وخطفته منه ، إلى أن أشرف على الموت جوعا ، وعطشا ، حتّى كان الخلاص منها ، بقتلها من طرف البطل الأسطوري
( جاسون ) .
لم تكن هذه النّهاية الحتميّة العادلة ، لتتحقّق إلاّ بعد زمن طويل من التجبّر، والإستبداد والتّسلّط ، واستيلاب قوت المستضعفين .
كانت استراتيجيات الفتك ، تسير وفق خطط مدروسة ، تقود الهالك دوما ، نحو حتفه ، ويظهر في نهاية المطاف، في خانة المخطئ المتجنّي .
لم يكن لهذه الكواسر من همّ ، سوى تكديس الجثث بأشكال هندسيّة جميلة ، تنمّ عن حرفيّة عالية ، والمرور فوق الهامات و تجويع الحواصل التي يسهل ترويضها عندما تكون خاوية
"الهاربيز" المتوحّشة لا ترحم صغيرا ، ولا توقّر كبيرا ، وقد سرى في البلاد نبأ غزواتها الغادرة ، فكان لزاما على الجميع باختلاف الملل والنّحل،دفع "الجزية" لعبدة الدّينار !
اتّخذ العرش شكله الهرميّ ،وتفنّن مهندسوه في إحاطته بهالة أخّاذة ، من وسائل التّرهيب ، وبثّ الرّعب :
تجاورت الحناجر، والخناجر في انتظام باهر، وتجانس فائق، أتاح الأمل في ذبح منظّم ومشرّف يليق بكلّ مستقيم ومسالم ! و توفّرت المعزوفات الهادئة، لمن رام موتا بطيئا دون جلبة ! وهنالك كمّ هائل من الموسيقى الصّاخبة ، لمن يفضّل الإغتيال المباغت الجمبل !
سواقي الدّم الصّافي تجري رقراقة من نبع زلال !
التّنظيم محكم ، والحِرص شديد لتطبيق التّعليمات :
- يجب فصل البلازما عن سائر المكوّنات ! مفهوم ؟

  • سمعا وطاعة ، حضرة السّيّاف .

عمّ الوجوم برهة ، ثمّ هتف هاتف ، ردّدت الأركان صداه :
- الكريّات الحمراء توضع في أكياس بيضاء ، والكريّات البيضاء تأخذ مكانها في الأكياس الحمراء ، التّمويه مهمّ للغاية لا تنسوا ذلك أبدا !
أنجز" عبدة الدّينار" العمل بمنتهى التّفاني، والدّقة ، والإعتزاز بما قدّموا ، واستوضحوا حول ما يتعيّن القيام به ، فوشوشوا مستفسرين :
- هل من تعليمات إضافيّة ؟ نحن في شوق لإنجاز المزيد من هذه الأعمال المشرّفة المفيدة ، التي نتمنّى أن تزيدنا حضوة وقربا من الآلهة .
فجاء الجواب على الفور:
- عليكم الآن بتشغيل جميع أجهزة الشّفط ، واستغلالها على أقصى مداها .
- السّمع والطّاعة ، نحن لها ولأمثالها .
كان كلّ شيئ ينبئ بالإنسجام والوئام التّام ، بين المسؤول الأوّل ومساعديه . لم يكن ذلك في الواقع سوى هدوء عارض سبق عواصفه الرّعديّة ، فدخل في هستيريا مسعورة من السّب ، والشّتم وبدا حانقا ، متوعّدا :
- أقسم بشرفي الّلعين ، لو عاينت أدنى تقصير ، أو تبيّنت ذرّة رحمة واحدة في قلوبكم لأصلبنّكم أجمعين ! سأتنقّل قليلا بين مجمّعات النّذالة المميّزة ، ثمّ أعود إليكم محمّلا بباقة أخرى من الآلات الحديثة المتعدّدة الإستعمال ، والقادرة على مسح جميع الطّبقات مسحا شاملا ، في أوقات قياسيّة ، ومن ثمّة العمل على تجفيف منابعها بكلّ لطف ومحبّة !
يجلس" النّمرود" على قمّة عرش قُدّ من الجماجم الجميلة ، المختلفة الأحجام ، المتجانسة الأشكال . عرش مرفوع على أعمدة الأطراف العلويّة والسّفليّة الصّلبة
التي وقع تطويعها بعد صهرها بمخافر، حافظت على الدّوام ، على مواصفات الجودة والإبتكار، والإستفادة من تكنولوجيات العصر !
تنتصب بجانب النّمرود ، لافتة عافت أن تحمل عبارة :" منصب شرفي " فتقيّأتها ملتهبة حرّى !
و جلست "الناّفثة في العقد" على دفّة القيادة ، ميمّمة وجهها مباشرة ، نحو الهلاك !
انتشرت طيور " الهاربيز " في كامل الأرجاء ، يسوسها هاجس واحد : مصّ الدّماء الطّازجة في وجبات ليليّة ونهاريّة لا تني .
اقتضت الهجمات الجمع بين أساليب الحرب الخاطفة ، ومعارك الإستنزاف الطّويلة الأمد ، حدّ الرّغبة الجامحة في تأبيدها ! وأتقن القراصنة جميع التّقنيات من معاينة ،
ورصد ، وتلصّص ، وتجسّس ، وحصر المكاسب ، وتصنيفها وتقديرها ، وضبط مأتاها ، ومنسوبها ، ونقاط قوّتها ، ومكامن ضعفها ، ليكون الإنقضاض المميت في الوقت الغير مناسب للضّحايا التي لا يبقى لها في المطلق ،غير الإستسلام ،
والرّكوع ، وتقبيل اليدين والرّجلين ، لضمان كسر العظام ، دون طحنها !
تقلّب "النّمرود " بين الإمعان في النّظر للتّشفي ، وبين غضّ البصر لكي لا تُلْصَقَ به أعمال القرصنة ! ويعلم في الحالات كلّها أنّ الرّحى الطّاحنة تدور، وأنّ عملياّت الفرم بين أياد أمينة !!
يسري بين النّاس أنّ كثرة الألقاب ، دليل على رفعة النّسب ، وراج أنّها السّاحرة ،
والنّافثة في العقد ، وأفعى الأساطير القديمة ، والأفعى المتبرّجة و البحث عن مدلول
مشترك ، لهذه التّسميات المتعدّدة يتطلّب بالتّأكيد ، شيئا من النّبش في معاني الغدر ،
والرّذالة .
"لأفعى الأساطير القديمة " ، طقوسها المختلفة . ترتدي أفخر ما لديها من جلابيب المكر والخديعة . تحرّك قرنيها للإستشعار عن بعد . تشحذ أنيابها ، وتشحنها بأرقى صنوف السّموم ، ثمّ تدخل في فترة تأمّل ، و إطراق و تركيز وتتساءل :

  • كيف سأستقبل يوما جديدا تكون لي فيه فتوحات أرحب ، وآفاق أخرى ؟

ماذا أعددت لهذا اليوم ، وماذا ادّخرت لغد قد تكون المنازلة فيه أشدّ و أعتى ؟
إلى متى سأستظلّ تحت غباء" النّمرود " ؟

  • كيف السّبيل إلى إدخال الفتنة بين الجموع لتذهب ريحهم ، وأباغتهم بعاصفتي؟

تستلقي الأفعى المتبرّجة ردها على فحشها ، وردها تنتصب واقفة على شرورها تفاضل بين الحلول المغلّقة أبوابها ، لتختار في النّهاية ، أنذل السّبل وأقذرها !
شجّعت تجارة الأعراض ، وقرنتها بالدّفع " كاش " ، والمرور الإجباري عبر وسيط من منظومة الفساد !
كنّا نسمع فيما مضى ، عن تأميم الأملاك لفائدة العموم ، فناب عنه تأميم الملك العام
لفائدة الخواص النّافذين !! وقد خصّصت لهذه المهمّة الدّقيقة من "طيور الهاربيز"، أعتاها ، وأوسعها حيلة ، وأفضلها تكوينا ، وأشدّها فتكا ، وأقدرها على المناورة ، والمخاتلة فأصبحت " الأفعى المتبرّجة " بفضل سعة دائرة نشاطاتها ، تمتلك حقّ
الحياة والموت ، على الرّعية .
أحكمت قبضتها على منابع الرّزق كلّها ، ولم يعد من معبر للإستيراد ، والتّصدير ، والتّوزيع ، والإتّجار ، والإستثمار، والإيجار والتّصنيع ، والنّقل، والمحاصصة ، والمغارسة ، وإسناد التّراخيص وغيرها إلاّ ويمرّ عبر جحافل كواسرها المتعطّشة لسفك الدّماء .
حرصت على تطويع كلّ القوانين لخدمة مصالحها الخاصّة ، وما لم يتسنّ تنقيحه
تجاهلته ، وضربت به عرض الحائط !
تنتفض" النّافثة في العقد" ، انتفاضة شديدة كأنّ بها مسّ ، وتطلق فحيحا مرعبا تبثّ
به الخوف بين أتباعها .
تتحلّق طيور" الهاربيز " حولها متعطّشة للمعركة ، ومستبشرة شرّا يليق بنذالتها
ويرتقي إلى ألق فجور راعية فسادها .
تتفحّص تقاسيم أتباعها ، لتختبر مدى جاهزيّتها للإنقضاض ، و تفتتح الجلسة ، إيذانا بانطلاق شرور أعمالها . تتولّى توزيع مهام الفتك الدّافق ، فتدرس إمكانية الإستجابة لرغبة أحد الكواسر ، المحبّب إلى قلبها ، والذي يرنو إلى أن يفوز ، بأمر تجارة يرى فيها الخير والبركة ، ولكنّها لا تريد أن تترك شيئا للصّدفة ، وأصرّت على اختباره ، فدارت بينهما عجلة الحوار :

  • لما ذا وقع اختيارك على هذا المجال من التّجارة، رغم أخطاره الجمّة ،

ومسالكه المتشعّبة ، وما يقتضيه من جهود مضنية ، وتيقّظ دائم ، وحرص ، وفطنة
ورباطة جأش، وغيرها ؟

  • أراني ، بما يقتضيه هذا النّشاط من مواصفات ، قلّما تجتمع في شخص واحد ، خير من تؤهّله خصاله للإضطلاع بهذا الفنّ النّبيل ، الذي من بين بركاته ،

المسك بتلافيف العرش .
ارتاحت كثيرا ، لإجابته المتماسكة ، ورامت مزيدا من التّدقيق ، فبادرته :

  • أخشى ما أخشاه ، أن يكون اندفاعك الجامح ، قد حجب عنك شراكه القاتلة

لا سيما ، وأنّك لا تعرف حتّى مجرّد طبيعة المواد التي تنوي إدارة دواليبها .
ابتسم ابتسامة الواثق من نفسه ، وعزم على إعطائها نبذة عن علوّ كعبه في هذا
المجال فردّ :
- المورفين منسوب إلى مورفيوس ، إله الأحلام في أساطير الإغريق ، ومصدره نبات الخشخاش ، وهو العنصر النّشط في الأفيون ، واكتشفه ...
قطعت حديثه وهي مرتاحة لبذرة الشّرّ الطّيّبة ، التي بدأت تستكشفها لديه ،
وأرادت أن تستزيد ، فقالت :
- وما ذا تعرف عن ....؟
لم ينتظر أن تكمل السّؤال ، واندفع يستعرض انحرافه ، موضّحا :
- الهيرويين تعادل قوّته من أربعة ، إلى عشرة أمثال قوّة المورفين ، وأهمّ مناطق
تحويله المنطقة الحدوديّة بين باكستان ، وأفغانستان ، وهو أعتى العقاقير المسبّبة للإدمان .
أمّا الكوكايين ، فقد اكتشف في منتصف القرن التّاسع عشر وهو مسحوق أبيض
ناعم الملمس ، عديم الرّائحة .
وظلّ يصول ويجول ، ويستعرض أنواع المواد المخدّرة الطّبيعيّة ، والكيميائيّة
وصنوف الحشيش ، والزّطلة ، والبنجو ، والاقراص ، والإبر ، ومواقع الإنتاج ،
ومسالك التّوزيع ، و أباطرة الإتّجار ، والأعراض النّفسيّة والبدنيّة ، والعقليّة
وعمليّات تبييض الأموال ، فأقنع ، وأفحم ، وأعجب الحضور الّلئيم ، أيّما إعجاب
بما سمعوه ، وزاد شوقهم للحصول على نصيبهم من المغانم ، وتمنّوا أن يفسح
لهم المجال ليطرحوا ما أجادوه من ألاعيب " حمره – كحله "
ظنّ الجميع ، أنّه استوفى كلّ ما لديه ، إلا أنّ النّافثة في العقد فتحت له المجال
من جديد ، وسألته:
- ماذا تريد أن تضيف ؟
- كلّ الخير ، فقط أريد أن أؤكّد أنّه بقدر ما تكون النّتائج كارثيّة عليهم ، يكون الخير
عميما بالنّسبة إلينا ، كما أريد أن أوضّح بأنّ هذه التّجارة مباركة ! فهي إضافة للرّبح
الوفير، فهي تطلق أيدينا لنسجن و نقتل ، متى نشاء ، وكيفما نشاء ، ومن نشاء !
هذا ، إضافة للتّخدير الجماعي ، الذي لم يعد بمقدور الكرة ، ومسارح الهواء الطّلق الإضطلاع به !
تفتّحت أسارير" الحيّة المتبرّجة "، المنتشية بالمستوى العالي لنذالة "طائرالهاربيز"
الذي استلم مهامّه على التّوّ ! وشعرت بطمأنينة كبيرة لتأصّل الرّذيلة في العائلة !
طفقت تحاور، وتناور، وتفاضل ، لتوزّع الأدوار على الحاضرين المتحمّسين
للإنقضاض الكاسح ، وسدّ أبواب الرّزق على الأفواه الجائعة .
حرصت على تأمين البرّ ، والبحر، والجوّ، والتّهريب ، والتّجارة الموازية ،
والسّلب ، والنّهب ، والوساطات المشبوهة ، والعلب اللّيليّة ، والملاهي ، والفضاءات
الكبرى ، والإستيلاء على الأملاك العامّة والخاصّة فلم تترك شاردة ، ولا واردة
إلاّ وأحصتها ، وأحكمت قبضتها عليها .
قادها دهاؤها للتّكسّب بالدّاخل ، ومن وراء البحار . زرعت أشواكها بالبورصات
والبنوك ، والفلاحة ، والسّياحة ، والصّناعة ، ومسالك التّوريد ، والتّصدير ، وربطت قنوات مباشرة ، من المنتج إلى جيوبها !
لم تؤمن قطّ بأنّ أقرب طريق بين نقطتين هو الخطّ المستقيم ووضعت نظريّتها التي سارت عليها البطانة الفاسدة ، والتي أكّد ت على أن لا طرق، غير تلك التي تمرّ عبر المتاهات الملتوية !


ساهم معنا في نشر الموضوع