الإهداء : إلى شهداء طائرة بوفاريك في الذكرى الاولى
سفــــر ...؟
مدخل : ( عندما يحل موتي أكون قد أصبحت غير موجود ، طالما أنا موجود يكون موتي لم يأتي بعد ) أبيقراط .
لماذا نسافر ؟ سؤال يغيب في تلافيف الذاكرة ، يبحث عن أجوبة شافية . هل نسافر لأننا نرغب في أن نشفى من جراحنا ؟ هل نسافر لأننا نحمل أحلامنا و قلقنا و أمانينا راغبين في فضاء أرحب ؟ ، في أرض خصبة تطلع فيها بذور أحلامنا كما تطلع الشمس بعد ظلام حالك ؟ أم أننا نهرب هشيم أحلامنا و أفراحنا و نرغب أن يدب الوهج فيها من جديد ؟
الكل يحمل أحلامه هذه ، القريبة البعيدة ،و الكل يسافر في اليوم ألف مرة يشعل شمعة فتنطفئ أخرى .
جاءوا من رحم الحب إلى رحم الحياة التي لا يملكون منها سوى الاسم، طلعوا كما الإزهار تطلع من رحم الأرض الخصبة.
لا يدري لماذا تذكر الآن حكاية السندباد و طائر الرخ ؟ لماذا تحضر أمامه الآن بكل تفاصيلها .
تطلع إلى كتاب الفرقان و راح يقرأ قوله تعالى ( خذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعوهن يأتينك سعيا و اعلم أن الله عزيز حكيم ) .
هم أيضا جاءوا سعيا من الجهات الأربعة توسطوا قلب هذا الوطن ، جاءوا يحملون حقائب الأمل و الحب و رحلة قد تقرب أحلاما بعيدة ثمة أحاسيس كبيرة تدفعهم لـــــــــــ.....؟
لا يدري لماذا تذكر صديقه الموصلي و هو يحدثه عن نفسه عندما حط به الطائر الأسود بمطار قرطاج و هو يقول : لقد تملكتني رغبة شديدة في البكاء أمام المطار و أنا أرى الطائرة التي أقلتني تقلع في الجو من جديد .
الطائر الأبيض بمطار بوفاريك لم يكن رخا و إلا لكان أرحم . كان ( اليوشين ) ... بعد هنيهة من إقلاعه تحول و حول الجميع إلى سواد عظيم ، فاضت الأرواح إلى خالقها و صارت الأجساد أشبه ما تكون بجذوع شجر خرجت للتو من المحرقة .
أنا الآن في المسيلة .. أنا الآن في وهران ، في الشلف ، في ونزة ، أنا في معظم مدن و قري و مداشر هذا الوطن ، أنا في قلب الأم و الأب و الأخت و الزوجة و الابن و البنت أنا في دموعهم جميعا ، أنا في حرقة الآه في النبض الراجف و القلب الواجف ، أنا في أظافرهن في بقايا الدماء النازفة من وجوههن ، أنا في النفس و الحركة .
لهيب الاشتعال يعيده إلى الطائرة . فماذا ستقول الطائرة ؟ الطائرة لن تعزف على الربابة بصوت حزين فقد عزفت لحنا جنائزيا للجميع و للوطن دفعة واحدة .
شهر فقط و سأعود سأنير عمرك يا عمري شهر و تغني لنا العصافير و تحفنا الفراشات شهر و سأضمك الى قلبي مدى الحياة .
بابا توحشتك هكذا عبرت فرح ببساطتها و بروحها البريئة عن حنينها لأبيها ، فاستكثرت عليها الحياة لحظة فرح .
أمي مازال ما نحيتش منك الوحشة راني حاب نضمك لصدري . فضمتهم أمنا جميعا إلى صدرها كتلا فحمية .
ماذا للطائرة أن تقول و هي القاتل و الشاهد في آن واحد .
أطفئ هذا الجهاز اللعين صرخ في وجه زوجته ، لكن هل له أن يطفئ أحاسيسه ؟ هل له أن يطفئ خياله ؟ هل له أن يطفئ هذه النار الملتهبة ؟ هل و هل و هل ؟ تقتله الهلهلات تميط بياض أفكاره الى سواد عظيم .
يفر من فضاء الإعلام ا ذ به يفر الى فضاء أرحب فمواقع التواصل الاجتماعي تحولت الى مواقع البكاء الجماعي و الحب الجماعي و التلاحم الجماعي .
يقرأ هنا: هكذا قال لصديقه قبل أن يرحل و يقرأ هنا أيضا هكذا ودعني ابني ليلة رحيله قبلني في جبيني كما لم يفعل من قبل احتضنني و كأنه يحتضنني للمرة الأخيرة تقول أم مفجوعة في فلذة كبدها . حبيبي سنتزوج مع نهاية رمضان ان شاء الله هكذا قالت إحداهن لكن الله لم يشأ. كل حرف يدمي القلب أكثر و ينزف الدمع أكثر و يميط على الجراح ملحا أجاح و لكم أن تتخيلوا الحرقة .
فر من الفضائين ، هرب الى فضاء أوسع و أرحب .. فتح باب منزله فارا إلى الفضاء الخارجي .. في المقهى تحولت قهوته إلى حنضل و الأصوات المتداخلة لا تتوقف .. كارثة .. مساكين الله يرحمهم ... مازالوا شباب . هيا مد ساقيك للريح ، حاول أن تجد مخرجا و هو يقترب من منزله تلقاه ابنته آخر العنقود و هي تحمل طائرة ورقية . أبي هل تلعب معي بالطائرة ، لا يدري كيف صرخ في وجهها ابنتي لقد لعبت بنا الطائرة ، و نحن صغار كنا نلعب بطائرتنا الورقية و نحلم أن نطير كما هي .
مد بصره باتجاه الحقول ، اذ بذاكرة الليمون تتكلم . كنت أنبض بالحياة ، أعطر الجو برائحتي الزكية ، أعانق السماء فتتمازج ألواننا بين زرقة الأمل و اخضرار الحياة . عشقنا الأبدي . فجأة فرت العصافير هاربة و تحولت الحياة الى موت رهيب . بيد أن رائحة دماء الشهداء الزكية عطرت المكان مجددا . اعتره السكون فراح يقرأ في سره ( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي ) .
لحبيب يعقوب


ساهم معنا في نشر الموضوع