سياحة العطور بين الورود والزهور

حوار الأديبة روعة الدندن مع المفكر د محمد حسن كامل رئيس اتحاد الكتاب والمثقفين العرب

دعوة لسياحة عطرية تتجاوز حدود الزمان والمكان , والأوراق والأقلام , والحروف والظروف ....لأول مرة في العالم ينفرد بهذا الحوار روعة الدندن مع المفكر الكبير الدكتور / محمد حسن كامل رئيس اتحاد الكتاب والمثقفين العرب .
أهلا وسهلا بك سيدي , أشكرك على تلبية طلبي للحوار معك في هذا الموضوع الجديد في الطرح والفكر , واكرر شكري لك على موافقتك لتلك الجدارية الحوارية .

ــ في البداية أتوجه لكِ بالشكر سيدتي لدعوتي لتلك السياحة العطرية , وأتمنى من الله أن اكون على جانب كبير من الإجابة بنجابة في تلك السياحة العطرية الخلابة .

ــ للعطور لغة ساحرة ومذهلة تغني عن الكلمات , وثقافة وتفرد , وللعطور لغة انسجام وتوافق روحي إذا إجتمعت مع بعضها البعض
وهي أيضا تذكرة سفر للجمال والخيال والذكريات
ويعود زمن إستخراج العطور إلى العصور البدائية للإنسان حيث إستخدمها في إنتاج محاليل معطرة
وتطورت فيما بعد في عصر السومريين والفراعنة, وكان لكل ملكة مصنعها الخاص وعطرها الخاص في حديقة القصر ومن أشهر هذه العطور عطر نفرتيتي وحتشبسوت وكليوباترا
كما تمكن الفراعنة من إيجاد طرق للحصول على العطور من خلال غلي الأزهار وحفظها في الأواني الفخارية والخزفية
ثم قام الإغريق بتطوير صناعة العطور
وأما استخراج العطور بطريقة التقطير فكان من قِبل العالم ابن سينا والكيندي الذي فصل في كتابه (كيمياء العطور) قائمة طويلة للعطور فكان أهمها العنبر والمسك وأساسهما
فالعرب أول من استخدم العطور كدواء وأقدم هذه العطور الدوائية هو عطر الورد كما استخدم عطر اللافاندر(الخزامة) والياسمين والليمون وغيرهم في ماسكات التجميل ولعلاج البشرة والجسم
وأما جوهر العطر فمصدره ليس من الأزهار وإنما من الخشب كعطر الصندل والأرز ومن الجذور نستخرج عطر السوسن والزنجبيل ومن الأوراق عطر النعناع
وفي عام 1370م تم إضافة الكحول للعطور من قبل الهنغار وسمي ماء الهنغاري الذي إستخدمته الملكة اليزابيت ملكة المجر
وفي عصر بداية النهضة في فرنسا تم التأسيس لصناعة العطور الفرنسية من قبل الملكة كاترينا دي ميديسيس زوجة الملك هنري الثاني ملك فرنسا . ثم توالى الإهتمام بالعطور من قبل ملوك فرنسا مثل لويس الخامس عشر
وأما في انجلترا فكانت الملكة إليزابيت الأولى أول من اهتمت بصناعة العطور
إلى أن أحدثت الكيمياء الحديثة تطورا وتغيرا كبيرا في صناعة العطور لتنتشر بين جميع طبقات الشعب ويصبح لدينا شركات عالمية لها
ولكن سياحتنا ستكون مختلفة مع العطور من خلال المفكر الدكتور محمد حسن كامل لنقوم معه في رحلة مع العطور والذكريات فإلى أين سيأخذنا مفكرنا في رحلته مع العطور وماهي الأسرار والذكريات التي سنكتشفها في جعبته؟

ــ 1 )) الحب لغة والفكر لغة والثقافة لغة وللعطور لغة أيضاً
فماذا تعني لغة العطور لمفكرنا محمد حسن كامل؟

ــ في بداية حديثي يسعدني أن أكون في ضيافة سعادة المستشارة الأستاذة والأديبة والمحاورة الفذة / روعة محسن الدندن , مستشارة رئيس اتحاد الكتاب والمثقفين العرب للعلاقات العامة , أهلا وسهلا سيدتي بكلماتك المعطرة في حوارنا هذا , لغة العطور لها ثقافة عريقة أنيقة رقيقة , يفوح منها أريج الذكريات وإحياء لزمان ولى وفات , لحاسة الشم بصمات , تماماً مثل بصمات الأصابع أو العيون أو الأذن أو الصوت وغيرها من البصمات , يتمتع الإنسان بحوالي 350 شفرة شم , بينما الكلاب تتمتع بلاثة أضعاف تلك الكمية , ويصف عالم الفيزياء المتخصص في حاسة الشم العالم "هانس هات" الألماني أن ابجدية الشم تتكون من 350 حرف , والجدير بالذكر ان الكمات والشفرات العطرية التي تتكون من تلك الأبجدية يصعب التكهن بها من إنسان لأخر , بالنسبة لي العطور سفر ورحلة وترحال ومقام وتأمل وتدبر , وحب وتصوف , لدي عطر ساحر يأخذني خارج المجرة , وأخر يدخلني داخل الذرة , العطور عندي تاريخ , جغرافية , حساب , أبيات شعر محاكاة وجدانية , مكاشفة مع النفس , حوار , ثورة , بركان , زلزال, بحر, سر مستور , وسر يريد أن يثور , العطور هي المتناقضات التدي تداعب الذاكرة الحاضرة والغائبة من اول شهقة عطر تخرج من قارورة عطر علاء الدين صاحب المصباح السحري, أو من قارورة عطر شهر زاد لشهريار في ليالي الف ليلة وليلة .

ــ 2 )) روح الإنسان تظهر من خلال عطره إلى أي حدا تتفق روح الإنسان وشخصيته مع عطره وهل هي مفتاح لجوهره أيضا؟

ــ للعطور لغة بكل مفردات المشاعر , بل بكل مفردات المواقف , العطور تترجم المذكرة التفسيرية للنفس , وربما تترجم المواقف التي يمر بها الإنسان في حالات الحب أو الحزن أو الفرح أو النجاح أو المكسب او الخسارة , العطور شفرة سرية وتميمة لا يحل شفرتها إلا صاحبها , العطور الصحيفة التي تترجم شفرات النفس الإنسانية , الشئ العجيب أن هناك تناسب نفسي بين مظهر الإنسان وعطره المفضل مع ذوقه العام في إختيار ملابسه , العطور هي المفاتيح السرية لسراديب النفس الإنسانية , بل أن لغة العطور بين الذكور والإناث تكشف معالم الشخصية بل تتعانق أحياناً وأخرى تتراجع .

ــ 3 )) أي العطور التي تمنحك جواز سفر للذكريات وإلى أين؟

ــ سؤال ذكي سيدتي , مما لاريب فيه أن هناك علاقة وطيدة بين العطور والذكريات , العطور بنوعيها الرجالي او النسائي , لكل عطر تذكرة وجواز سفر غير منتهي الصلاحية بلا تأشيرة , هناك عطور تطير بي مع أول طائرة ركبتها في حياتي , طائرة أيرفرانس من القاهرة إلى باريس , كنت محظوظاً حينما جلست بجوار حسناء فرنسية رغم تقدمها في العمر , كانت تتعطر بعطر فرنسي عرفته لاحقاً من ماركة " شانيل " الفرنسية المعروفة , إنها عالمة الأثار الفرنسية كريستيان ديروش نوبلكور التي وافتها المنية عن 97 عام , رحلت عنا 23 يونيو 2011
أما عطر الشبراويشي والخمس خمسات كان العطر الوحيد الذي كنت أعرفه قبل السفر لباريس , وهو كحول معطر أكثر منه عطر , رخيص الثمن وكان من دواعي الأناقة المتواضعة كان يؤدي الغرض للمواعيد الهامة بكل أنواعها .
أما عطر كريستيان ديور أسافر معه إلى إبنتي والتي أهدتني قارورة من هذا العطر قبل رحيلها , مازلت احتفظ بتلك القارورة وبذكرى اليوم الذي أهدتني إياها في عيد ميلادي
ومن العجيب أن تهديني زوجتي هذا العطر وهي لا تعلم انني احتفظ بقارورة عطر إبنتي , لقد رحلت ابنتي وعاش العطر بتلك الذاكرة .
مازال هذا العطر يسافربي لتلك الذكرى التي أعيشها بعبرات ودموع تتحدى عيوني .
أما برفان " ايف سان لوران" اتذكر على الفور زميلتي الفرنسية " جي " التي كانت تدرس الأدب اللاتيني في جامعة السربون , أهدتني تلك القارورة الذهبية من عطر أيف سان لوران في حديقة لوكسمبورج القريبة من الجامعة والتي كنا نتقابل فيها بعد المحاضرات على مقعد طه حسين وسوزان وقصائد شاعر فرنسا " لامارتين "
أما عطر " جيفنشي" يسافر بي في أول حفلة أوبرا دعتني لها الفنانة العالمية الفرنسية " كالورين دوما " وقد قدمت لي الدعوة الدكتورة / إيناس عبد الدايم وزيرة الثقافة المصرية أثناء دراستها للموسيقى في باريس .
وللعطور ذكريات لم تنتهِ بعد .....!!

ــ 4 )) باريس عاصمة النور وعاصمة العطور أيضا
هل تفوقت باريس بعطورها عن العطور الشرقية كالزنبق والياسمين والنرجس أم مازالت هذه العطور تحتفظ بأصالتها رغم كل الماركات الأوروبية ؟

ــ لم أبالغ سيدتي حينما نسأل التاريخ عن السبق والريادة لصناعة العطور , وحينما تفوح رائحة العطور من بين ثنايا الحضارة المصرية القديمة , حيث كان الفراعنة رواد صناعة العطور ومستحضرات التجميل للرجال أو للنساء , ومروراً بالحضارة القبطية التي كانت تعتمد على خلط سائل شجرة تسمى شجرة المر مع القرفة، ثم بعد ذلك يتم إضافة عصير القصب، وكانت هذه الطريقة تتم فقط من أجل صناعة العطور للقساوسة .
أما في بداية الحضارة الإسلامية ابتكر العرب وسائل جديدة لتحضير العطور من خلال استخدام تاج الزهرة لأول مرة في العالم وكانوا يستخدمون الياسمين والبنفسج وزهرة الليمون من أجل الحصول على العطور، وأيضا كان يستخدم خشب الأرز وخشب الصندل والنعناع والخزامي لصناعة جوهر العطر، وقد كان يتم إستخراج العطور من الأزهار بطريقة التقطير، ومن أشهر العلماء في هذا المجال بن سينا .
مازالت العطور العربية والشرقية تتصدر قائمة الصدارة في العالم ولاسيما وهي ترتبط بإرتباط وثيق بمصادر العطور من النباتات والأشجار , بعيداً عن نسبة الكحول التي تدخل في صناعة العطور الأوروبية .

ـــ 5 )) ماذا لو طلبت منك سياحة عطرية شرقية فأين ستأخذ القراء وأي العطور ستختار من حديقة ذكرياتك ؟

ــ لقد زرت معظم دول أوروبا , وحضرت معارض للزهور في العالم , منها معرض زهور باريس , وأخر في امستردام في هولندا , فضلا عن النمسا وأسبانيا وإيطاليا وغيرها , أما رحلتنا ستكون عبر تاريخ الحضارة الإنسانية بداية من الحضارة الفرعونية القديمة حتى عصرنا هذا , بالتأكيد تلك الرحلة سوف تقدم شهادة على العصر في مهد الحضارة الأشورية والبابلية , حديقة الذكريات حافلة بالمحطات العطرية بداية من الإسكندرية والمشي على الشاطئ وركوب ترام الرمل الذي كان يفوح بعطور غربية من ركابه من الخواجات والاجانب , إلى مترو باريس الذي اشم فيه أحدث العطور مجاناً , بل أتعرف على مستحضرات التجميل الجديدة من خلال السيدات اللأئي يضعن المكياج أثناء رحلات المترو ليلاً او نهاراً , ربما اشم تلم العطور في المكتبات العامة حينما ابحث بين أوراق الكتب , تنبعث عطور رواد المكتبات من صفحات الكتب , قد أجد مداعبة بيني وبين الزهور التي تتماهى بها حدائق باريس العامة , وربما في المقاهي العتيقة التي ترتل تاريخ الإبداع في باريس , مازالت رحتلي في باريس عبر الأزقة القديمة التي تفوح بعطر ماضي يداعب الحاضر ويرنو للمستقبل بالحب والأمل .

ــ 6 )) تبقى ذاكرة العطور أسرع جواز سفر للإنسان وأحيانا تكون لمراحل الطفولة فما هي العطور التي تعيدك لطفولة ؟

ــ العطور التي تعود بي إلى طفولتي مازلت أتذكرها تماماً, عطور زهور الفواكه , منها زهرة الجوافة والبرتقال واليوسفي , فضلا عن عطور زهور الربيع من الفل والياسمين والنرجس والورد البلدي والزنابق والاقحوان وغيرها , كما اتذكر عطر زهرة الفول الأخضر .....أما ثمرة المانجو فهي تعلن بنفسها عن نفسها بلا منازع من خلال عطرها المميز.

ــ 7 )) الكتب المكان السري للأزهار التي نحتفظ بها لنخلد ذكرياتنا
فهل جمع مفكرنا الزهور والفكر ضمن رحلته العلمية وتم تدوين
الذكريات على أوراق الورد أم هي في صندوقه السري ؟
ــ دعيني أقدم إعتراف سيدتي , مازلت احتفظ في كُتبي القديمة زهور وورود وفراشات مجففة , وبجانب كل وردة وفراشة وزهرة , تذكرة لهذه الذكرى منْ قدم لي تلك الوردة او الزهرة او الفراشة , والتاريخ والمناسبة , احتفظ بذكريات أكثر من نصف قرن , تسافر بي مجانا حيث الزمن الجميل , زمن البراءة , والطفولة والصبا وربيع الشباب .
شهادة على العصرتبوح بها كُتبي العتيقة التي تضمني في صدرها حينما أشكو لها من واقع ربما يؤلمني , أسافر عبر تلك الوريقات الصفراء بين شهيق التاريخ وزفير الأيام , لن تقدر تلك الزهور والورود بمال ولاسيما وهي الحضن الذي يسعدني من قسوة الواقع المادي الذي نعيشه الأن , لن يجف الحب على شفاة الورد بكل كل يوم يجدد لي العهد ويفي بالوعد .

ــ 8 )) ماذا تعني الزهور الشرقية كالياسمين والنرجس والزنبق..؟

ــ الزهور الشرقية برمتها تُعني لي الأصالة والمعاصرة في أن واحد , تعني لي الأصالة وكأني اشم عطور ابن سينا وأيضاً أشم عطر العلم من الدكتور زويل رحمهما الله , العطور الشرقية تُعني لي الحضارة , الفكر , التطور , التأمل , التصوف , الثورة , الحرية , الديموقراطية , تلك العطور تعني لي الطفولة السعيدة البسيطة البريئة , الفطرة , الأمل في مستقبل إن شاء الله أفضل .
في نهاية حواري يسعدني أن اقدم باقات من الزهور وقارورات من العطور للزميلة المحاورة الأديبة روعة محسن الدندن , مستشارة رئيس اتحاد الكتاب والمثقفين العرب للعلاقات العامة .
ــ شكراً مفكرنا الكبير الدكتور محمد حسن كامل على تلك الثروة الفكرية عبر السياحة العطرية في ذاكرتك المعطرة العطرة على أمل اللقاء في حوار قادم ورحلة أخرى في أروقة الفكر في عالم مفكرنا الكبير رئيس اتحاد الكتاب والمثقفين العرب , ختى هذا الحين تقبل مني سيدي فائق تقديري ومودتي .


ساهم معنا في نشر الموضوع