شهياً كالإنتظار...8
الجدران الإسمنتية...
روعة محسن الدندن...سوريا

إياك أن تخبر القدر على مخاوفك, فمصابيح القدر فانوس الأمنيات المؤجلة, أوهمه بالتجاهل وأنك سعيد بكل ما يمنحه لك, وأنك اكتشفت لغز الصدمات والمفاجئات وسيمنحك الأحلام
عندما تصيبك اللامبالاة والبرودة, ويمكنك اختراق الصدامات فالجدار لم يعد يخيفك.
ولذلك توقفت عن البحث عن ذلك البطل, وهل احضره من أوراق الماضي أو ألتقيه في المستقبل وانتظر الأيام التي لم تتوقف يوما عن الجديد لأنها ملت لعبة الروتين التي منحتها لنا لسنوات وأصبحت أكثر تقلبا عندما كسرنا نوافذ أرواحنا
لتقدم لي طيرا يشبه طيور طفولتي والذي جعلني أشفق مرارا على موت أحدهما ليموت الآخر حزنا
ولكن هذه المرة لم يكن القفص يحوي عاشق ومعشوق وإنما أنثى وحيدة واستغربت أنها على قيد الحياة بدون حبيبها
ويبدو قسوة الحرب وصلت لطيور أيضا
لأنني طلبت من زوجي أن يذهب في الغد ويحضر لها حبيب لعلمي أنها لا تعيش طويلا بدون عاشقها
ولذلك يطلقون على هذه الطيور عاشق ومعشوق
فقال لي :إنها وحيدة منذ عام ولم تمت يبدو أنها خائنة
لأنها لم تمت كل هذه الفترة حزنا على حبيبها
فقلت له:الحرب علمت الطيور القسوة لكثرة الموت الذي حصد الأرواح وموت أطفالنا, ومعاناتهم جعلت الطيور تخجل من موتها حزنا على عاشق.
والأمر الأكثر غرابة أن تجد في المدن فوبيا الخوف من بعض الحشرات أو الطيور
فالمدينة تشبه القصر المسحور الذي ترافقة لعنة الخوف
الخوف من المرتفعات والخوف من الفراشات والخوف من ديدان الربيع ومن العصافير
ولكنهم لا يخافون المتاجرة بك لأنها عبقرية وشطارة في عالم المال والمصالح
فقررت ارسال صورة عصفورتي لمن لديه هذه الفوبيا الغريبة
لطيور كمحاولة مني لكسر هذا الوهم الذي بداخلهم
ولكن ضيفتي التي حلقت في الغرفة زائرة جعلتني أتسأل عن سبب الخوف وهي أضعف المخلوقات أمام الإنسان
كانت الضيفة الثانية فراشة ذات ألوان برتقالية وصفراء وسوداء أيضا ليرعبنا صوت ابنتي الذي جعلنا نظن أن وحشا دخل بيتنا
ورغم كل المحاولات مع صغيرتي لتمسك بالفراشة أو تخرج من المطبخ إلا أننا فشلنا فما كان منا إلا اطلاق سراح الفراشة وطردها من البيت رغم جمالها وأناقتها
ويبدو أن اليوم كان يوم الزيارات الربيعية فإذا بطائرة سوداء صغيرة تحلق في الغرفة
في البداية ظننتها جرادة وشعرت بفرحة كبيرة لأني اليوم حصلت على أكبر جائزة وهي الجرادة
ولكن اتضح أنها خنفساء لينتفض الجميع خوفا منها
وهذا جعلنا ننسى ضيفتينا الأنيقةوالعاشقة التي اعتكفت التغريد قبل دخولها بيتنا
ويبدو أنني عاجزة عن ايجاد اسم لها أيضا
لأكتشف خلو ذاكرتي من الأوفياء فنحن نطلق الأسماء إما حبا لأسماء أشخاص كانت لهم مكانة وذكريات خالدة في حياتنا حتى وهم غائبون حاضرون بأرواحهم
أو أشخاص لشدة كرهنا لهم
ولكن لا مكان للحب والكره فيما مضى
وكأن القدر يخبئ بين طياته أمرا أو حلما كنت قد نسيته
بهيئة انسان
كعصفورتي التي أصبحت توقظنا ويبدو أنها شعرت بالحب وأعجبها ترحيبنا بها ونحن نقوم بتصويرها وكأنها نجمة سينمائية
ولكن ماذا سأفعل للذين لديهم فوبيا الطيور؟
هل أقوم بدعوتهم للريف أو هذا يشبه السجن أو مشفى المجانين؟
لإنهم سيدخلون مدينة رعب حقيقية وخاصة في فصل الربيع
فالبيوت الإسمنتية سرقت جمال الطبيعة لقاطنيها ومنحتهم الإنطواء والقسوة والحياة لديهم مؤسسات وأموال
والعلم والبساطة لوحات على الجدران الاسمنتية


ساهم معنا في نشر الموضوع