17 أكتوبر 1973؛ وفي شهر الصيام؛ كان الحدث الأليم الذي زلزل كياني، ونحت تفاصيله القاسية في قلبي وعقلي ووجداني، ورغم أنني لم أتجاوز وقتها الرابعة من عمري إلا أن مشاهد القصة الحزينة قد سُجلت بدقة في أنقى مكان بذاكرتي، ولا يمكن لهذه التفاصيل أن تزول ما دُمت على قيد الحياة.

كنتُ يومها بيد أختي الكبرى؛ عازمين على الذهاب إلى أرض الجنينة أو (التمنتاشر)؛ كنا نسميها هكذا؛ كونها ضمت حديقة فواكه على ربع مساحتها تقريبًا، والتي شملت أشجار البلح والجوافة والمشمش والبمبوظة والليمون واللارنج وغيرها، وفي الطريق إليها قابلنا أبي على جسر ماكينة الطحين قادمًا إلى البيت غاضبًا لتأخرنا عليه في أمر ما، فأخذني من يد أختي وأمرها بالعودة لتنفيذ المطلوب، ثم استدار بي للعودة إلى الحقل من جديد، وكان من عادته التي لم يتخل عنها مدتي القصيرة معه أن لا يتركنى أبدًا أمشي على قدمي، إذ بمجرد الإستدارة قذف بي فوق كتفه العريض الواسع العالي، الذي كنت أنظر من فوقه وكأنني ملك على الدنيا وما فيها؛ ملك في كنف حنان أبوي لا مثيل له ولا نظير، وكيف لا وقد كنت أشعر أن أبي أقوى وأحن رجل في العالم.

وصلنا إلى الحقل، وعقب وصولنا وصلت جدتي أم أبي، الذي كان أصغر أولادها مثلي، والذي أنجبته بعد أربعة بنات، وكان لأبي الذي يبلغ من العمر 32 سنة دلالًا ومحبة في قلب جدتي لا مثيل له على وجه الأرض، كان اليوم هو يوم جني ثمار أشجار البلح التي أصبحت رطبًا جنيًا على ما يقرب من ست نخلات من أجود أنواع النخيل؛ كان جدي قد أتى بها من مكان مخصوص ثم غرسها في أرضنا لتنتج ألوانًا وأصنافًا أحلي وأشهى العسل، وقد كان أبي حافظ القرآن؛ ذا الصوت الجميل، والخط الرشيق ماهرًا في تسلق أشجار البلح، فراح يعد المُطلاع الذي يصعد به أعالي النخيل، فقلت في عفوية وبراءة طفل وأبي يرمم المطلاع (يا أبا المطلاع هيتقطع)، فلم يكترث أبي لما قلت، رغم التفاته إلى بحنان.

أخذ أبي يتسلق في خفة ورشاقة النخلة تلو الأخرى، وكلما انتقل إلى واحدة جلست في حجر جدتي الواسع إلى جذع النخلة التي تسبقها، فينادي من أعلى النخلة (عاوز البلحة الحمرة ولا السمرة يا عبده) فأقول (الحمره) فيقول (تعالى خدها) وما أن أذهب لأكون تحت الشجرة إلا ويلقيني بثمرة (صيص) وهي ثمرة خفيفة لم يدركها تأبير البلح، فينتابني الغيظ بينما هو يقهقه كالكروان من فوق الشجرة، وجدتي تعتب عليه (يا واد متزعلوش)، وظل الحال هكذا حتى النخلة الأخيرة!.

أخذتني سنَة من النوم في حجر جدتي، وكانت هي الأخرى قد أخذتها سنة من النوم، لنفزع معًا على صوت ارتطام شديد بالأرض، إنه أبي قد سقط من أعلي الشجرة بعد أن تمزق المطلاع، علا صوت جدتي ليأتي أربعة رجال من حولنا لحمل أبي، ووقتها كان ينظر إليّ بعينه شديدتا السواد والبياض وكأنه يقول لي: الآن حانت لحظة الفراق يا عبدالقادر!.

الغريب أن أبي من قوته مشى على قدميه وركب راحلته واتجه برفقة الرجال إلى البيت، وعند الوصول أصر على استكمال صومه، وقد استدعينا له الطبيب فقال (مصطفى تمام وهو بيدلع)، ظل أبي يعاني الوجع ثماني ساعات في صمت لا مثيل له، حتى صعدت روحه الطاهرة إلى ربه، وقبل ذلك لم يلفظ إلا بكلمة واحدة (يا حيلي يا عيالي) وكيف لا وقد كانت أكبرنا بنت ثماني سنوات، يومها انهار جبل الحماية، وجف نهر الحنان، وانكسر قنديل الحياة، ومضت الحياة من بعد أبي على أسنة الشوك.. رحمك الله يا أبتي
.


ساهم معنا في نشر الموضوع