عزيزي..
هل أنت مشغولٌ بتفسير ما تكنه ضمائر البشر من أسرار؟!؛ أرجوك؛ لا تقل "لا" كي لا تضع في صحيفتك ذنباً آخر إذ كذبت؛ فقد رأيتك تقدحهم بلا سبب؛ وتهاجمهم بلا ذريعة.. رأيتك تُصَنِّفهم إلى منافق، أو مُراءٍ، أو جبان، أو حقود.. أو.. أو..، حتى كدت تَصِمَهم جميعاً بعيوبٍ لا يراها أحد سواك..!!، فهل ملكتَ عيناً ليس للناس مثلها؟؛ أقصد عيناً ثاقبة تقرأ بها ما تخفيه صدورهم وما يكتمون!.

الحقيقة، ليس لكائن من كان صلاحية الدخول إلى قلوب الناس ثم التفتيش فيها، فعِلْمُ ذلك عند مُقلِّبها سبحانه، فلماذا تشغل نفسك بما يقع خارج حدود عقلك وعلمك، فتهدر وقتاً، وتكسب إثماً، وتقطع رحماً؟؛ واهماً نفسك، وبعض السُّذج، أنك من الصالحين المُصلحين، الذين يبحثون عن علل النفوس، وأمراض القلوب، ليحفظوا المجتمع من شرها!.

يا عزيزي..
إنَّ الله الذي لا يرضى من عباده إلا أن يكونوا صالحين باطناً وظاهراً، هو من ستر أعمال قلوبهم ومكنونات ضمائرهم عن عيون الراصدين مهما بلغوا من علم وفهم؛ ذلك لأن الله خلق الناس ليتعارفوا ويتقاربوا ويتجاذبوا على أسس من الندية والمساواة، والحُكم عليهم بغير برهان دامغ استعلاء يتنافي مع تلك الأسس، ولذلك خص الله ذاته العلية بعلم السرائر وعمل الضمائر، لأن الكبرياء والعظمة شأنه وحده.

علاقة المرء بالله.. لها جانبان، الأول: جانب ظاهر للعيان في هيئة أقوال وأفعال ومعاملات؛ فإذا ظهر ذلك الجانب متفقاً مع أصول الدين، والعرف العام، وتقاليد المجتمع.. وُصِّفَ بالعمل الصالح ظاهراً..
الثاني: جانب خفي يتعلق بإخلاص النية، والصدق، وسلامة القصد، وهي أمور تتعلق بالإيمان، الذي محله القلب، والذي لا إطلاع لمخلوق عليه..
إذًا فقرار الناس على المرء يجب أن ينطلق من الجانب الأول فقط؛ فإذا قدَّم المرء خيراً حُكم عليه به، دون الخوض في صدق النية من عدمه.. فهل تعلم ذلك؟!.

روت كتب السنة أن أسامة بن زيد قَال { بعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) سَرِيَّةً إِلَى الْحُرَقَاتِ، فَنَذِرُوا بِنَا فَهَرَبُوا، فَأَدْرَكْنَا رَجُلاً، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَضَرَبْنَاهُ حَتَّى قَتَلْنَاهُ، فَعَرَضَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَذَكَرْتُهُ لَرَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم)، فَقَالَ: مَنْ لَكَ بلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟! قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا قَالَهَا مَخَافَةَ السِّلاَحِ وَالْقَتْلِ، فَقَالَ: أَلاَ شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَمْ لاَ؟! مَنْ لَكَ بلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟! قَال: فَمَا زَالَ يَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أُسْلِمْ إِلاَّ يَوْمَئِذٍ } أخرجه أحمد، والبُخَارِي، ومسلم، والنَّسائي.

إنَّ استهلاك الوقت والجهد أمام صفحات النوايا بُغية حل شفرتها أو التشكيك في سلامتها - رغم أننا غير مؤهلين ابتداءً لقراءة ما فيها من سطور - عبث كبير، يجب أن يتوقف فوراً من فوق منابرنا الفكرية والثقافية والإرشادية، لأن النبش في المقبور أو المستور أو المحجوب عن علم البشر زجٌ خطيرٌ بالمجتمع إلى دوامة الجدال العقيم الذي لا يأتي بخير أبدا.

خاتمة: قال رسول الله (صلي الله عليه وسلم) { إيّاكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث } رواه البخاري ومسلم بسنديهما.. والسلام.



ساهم معنا في نشر الموضوع