مشاعر صادقة(هل رأى الحب سكارى)
روعة محسن الدندن....سوريا

الطبيب الشاعر
إبراهيم ناجي







وصف شعره بأنه شعر صالونات هذا ما قاله عنه العقاد وطه حسين عند صدور أول ديوان له.
وبعد رحيله صدرت عنه عدة دراسات مهمة حاله كحال الكثيرين من الأدباء الذين ينالون الإنصاف والتكريم بعد رحيلهم
ولد شاعرنا الطبيب إبراهيم ناجي في 13ديسمبر عام 1898م في حي شبرا بالقاهرة وهو مصري الجنسية
بدأت حياته الشعرية بعدما نهل دراسته الثقافية من العروض والقوافي لدواوين أبي فراس والمتنبي وابن الرومي وكما نهل من الثقافة الغربية، فقرأ ل شيلي وبيرون وغيرهم من رومانسي الشعر العربي كما قام بترجمة بعض الأشعار لتوماس مور وألفريد دي موسييه
انضم لمدرسة أبولو عام 1932م التي ضمت نخبة من الشعراء المصريين والعرب واستطاعوا تحرير القصيدة العربية الحديثة من الأغلال والكلاسيكية والخيالات والإيقاعات المتوارثة
اشتهر إبراهيم ناجي بالشعر الوجداني الذي يميل للرومانسية وكان وكيلاً لمدرسة أبولو الشعرية ثم ترأس بعدها رابطة الأدباء في الأربعينيات من القرن العشرين
أحب حباً صادقاً وهو في سن 16عاماً لابنة جيرانه.
سافر ليكمل دراسته في الطب وحمل حبه معه وعند عودته وجد حبيبته تزوجت
ولكن هذا الحب بقي ساكناً في قلبه ولم ينساه يوماً
هذه المشاعر القديمة التي نجهل مقدارها في قلوبنا وخاصة مع مرور الزمن وتكون مطوية داخل قلوبنا نائمة وراقدة كعروس جميلة تنتظر قبلة اللقاء والصدفة لتنهض من سباتها
وتشرق معها المشاعر بعطرها القديم الممزوج حباً وألماً
هذا ما حدث لشاعرنا بعد مضي 15عاماً على حبه
ففي إحدى الليالي وفي منتصف الليل التقى برجل يستغيث به لينقذ زوجته التي كانت في حالة ولادة عسيرة وحالتها خطيرة، كان يحاول انقاذها فبدأت أنفاسها تقل وتغيب عن الوعي وقد تم تغطية وجهها فطلب منهم الكشف عن وجهها لتتمكن من التنفس ليجد نفسه وجها لوجه مع حبه القديم هذه الصدمة التي لم يكن يتوقعها
فتأججت مشاعره وأجهش بالبكاء وهو ينتظر انتهاء ولادتها والجميع مذهول منه ولا أحد يفهم ما يحدث وبعد لحظات رزقت حبيبته بمولودها وأصبحت بخير
فغادر المنزل عائداً إلى بيته قبل طلوع الفجر، جلس أمام بابه وكتب قصيدة الأطلال
التي غنتها أم كلثوم لتهز قلوب ملايين العشاق في العالم جيلاً بعد جيل لقصة حب سحرت الجميع من خلال
(هل رأى الحب سكارى مثلنا)
وقد قام إبراهيم ناجي بتبديل بعض الأبيات لغاية في نفسه فكتب
يا فؤادي لا تسل أين الهوى) وهي كانت يا فؤادي رحم الله الهوى
وأما كلمات قصيدة الأطلال فهي

يا فؤادي لا تسل أين الهوى كان صرحاً من خيالٍ فهوى
اسقني واشرب على أطلاله واروِ عني طالما الدمع روى
كيف ذاك الحب أمسى خبراً وحديثاً من أحاديث الجوى

لست أنساك وقد أغريتني بفمٍ عذب المناداة رقيقْ
ويدٍ تمتد نحوي كيدٍ من خلال الموج مدت لغريق ْ
وبريقاً يظمأ الساري له أين في عينيك ذياك البريق ْ

يا حبيباً زرت يوماً أيكه طائر الشوق أغني ألمي
لك إبطاء المذل المنعم و تجني القادر المحتكم
وحنيني لك يكوي أضلعي والثواني جمرات في دمي

أعطني حريتي أطلق يديَّ إنني أعطيت ما استبقيت شيَّ
آه من قيدك أدمى معصمي لم أبقيه وما أبقى عليَّ
ما احتفاظي بعهودٍ لم تصنها وإلام الأسر والدنيا لديَّ

أين من عيني حبيبُ ساحرٌ فيه نبل وجلال وحياء
واثق الخطوة يمشي ملكاً ظالم الحسن شهي الكبرياء
عبق السحر كأنفاس الربى ساهم الطرف كأحلام المساء

أين مني مجلس أنت به فتنةٌ تمت سناء وسنى
وأنا حبٌ وقلبٌ هائمُ وخيالٌ حائرٌ منك دنـا
ومن الشوق رسولٌ بيننا ونديمُ قدم الكأس لنا

هل رأى الحب سكارى مثلنا كم بنينا من خيالٍ حولنا
ومشينا في طريق مقمرٍ تثب الفرحة فيه قبلنا
وضحكنا ضحك طفلين معاً وعدوّنا فسبقنا ظلنا

وانتبهنا بعد ما زال الرحيق وأفقنا ليت أنّا لا نفيق
يقظة طاحت بأحلام الكرى وتولى الليل والليل صديق
وإذا النور نذيرٌ طالعٌ وإذا الفجر مطلٌ كالحريق
وإذا الدنيا كما نعرفها وإذا الأحباب كلٌّ في طريق

أيها الساهر تغفو تذكر العهد وتصحو
وإذا ما التأم جرح جدّ بالتذكار جرحُ
فتعلّم كيف تنسى وتعلّم كيف تمحو

يا حبيبي كل شيءٍ بقضاء ما بأيدينا خلقنا تعساء
ربما تجمعنا أقدارنا ذات يوم بعد ما عز اللقاء
فإذا أنكر خل خله وتلاقينا لقاء الغرباء
ومضى كل إلى غايته لا تقل شئنا فإن الحظَّ شاء

ومن روائع إبراهيم ناجي
التقت أرواحنا في ساحة كغريبين
استراحا من سفر
وحططنا رحلنا في واحة
زادنا فيها الأماني والذكر
وتساءلت عن الماضي وهل حسنت
دنياي في غير ظلالك؟
ياحبيبي! أين أمضي من خجل
وفؤادي أين يمضي من سؤالك!

كما قال:

لن تستطيع سنين البعد تمنعنا إن القلوب برغم البعد تتصل
لا القلب ينسى حبيبا كان يعشقه ولا النجوم عن الأفلاك تنفصل

ومن قصيدة ساعة لقاء

يا حبيب الروح يا روح الأماني لست تدري عطش الروح إليكا
وحنيني في أنين غير فان للردى أشربه من مقلتيكا

ومن روائع الشاعر إبراهيم ناجي
قصيدة " في ظلال الصمت "

ها أنا عدت إلى حيث التقينا في مكان رفرفت فيه السعادهْ
وبه قد رفرفَ الصمت علينا إنّ في صَمْت الحبيبين عباده
رُبَّ لحنٍ قص في خاطرنا قصةَ الساري الذي غنى سهادهْ
وكأنّ الصمتَ منهُ واحةٌ هَيّأَتْ من عُشبها الرّطبِ وساده

******************

صمتَ السّهلُ ولكن أقبلتْ من ثنايا السهل أصداءٌ بعيدهْ
كلُّ لحنٍ في هدوءٍ شاملٍ تشتهي النفسُ به أن تستعيدَهْ
يتهادى في عُبابٍ ساحرٍ باعِثٍ للشّطِّ أمواجاً مديده
فإذا ما ذهب الليلُ بها تزخرُ النفسُ بأصداءٍ جديدهْ

********************

هدأ الليلُ هنا لكنني كنتُ في حُسنِكِ بالصمّتِ أُغنّي
كلُّ لحنٍ لَجِبٍ يغشى دمي لَعِبَ العازف بالعُود المَرنّ
ناقلاً للنّهر والسهل معاً قصةً يشرحُها عنك وعني
قصة الشاعر والحسنِ إذا اسـ ـتبقا للخلْدِ في حَوْمة فنّ

*********************

ما الذي في مجلس يألفه عقد الحب عليه موعده
ربما يبكي أسىً كرسيُّه إن نأى عنه وتبكي المائده
ولقد نحسبها هشّتْ إذا عائدٌ هَشّ لها أو عائده
ولقد نحسبها تسألنا حين نمضي أفراقٌ لعِدَه؟

********************

رُبّ كَرْمٍ مَدّه الليلُ لنا فتواثبنا له نَبْغي اقتطافَه
وعلى خيمته حارسه عربي الجود شرقي الضيافهْ
وجَد العرس على بهجته وسناه دونَ وَرْدٍ فأضافهْ
ثم وارتْهُ غَياباتُ الدّجى كخيالٍ من أساطيرِ الخُرافه

********************

أرجٌ يعبقُ في جُنحِ الدّجى حملَته نحو عَرْشيْنا الرياحْ
كلّ عطرٍ في ثناياه سَرَى كان سِرّاً مُضْمراً فيه فباح
يا لها من حقبة كانت على قِصَرٍ فيها كآماد فساحْ
نتمنى كلما امتدت بنا أن يظل الليل مجهول الصباحْ

********************

أنا إن ضاقتْ بيَ الدنيا أَفِئْ لثوانٍ رحبةٍ قد وَسِعَتْنا
إنما الدنيا عُبابٌ ضمَّنا وشطوطٌ من حظوظ فرَّقتنا
ولقد أطْفُو عليه قَلِقاً غارقاً في لحْظةٍ قد جمعتنا
ومعاني الحسن تترى وأنا ناظرٌ فيها لمعنىً خلف معنى

********************

هذه الدنيا هجيرٌ كلُّها أين في الرمضاء ظلٌّ من ظلالكْ
ربما تزخرُ بالحسن وما في الدُّمى مهما غَلَتْ سحر جمالك
ولقد تزخر بالنور وكم من ضياء وهو من غيرك حالكْ
لو جَرَتْ في خاطري أقْصى المُنى لتمنّيتُ خيالاً من خيالِك !

********************

قلتُ للّيلِ الذي جلّلنا والذي كان على السرّ أمينا
أينَ يا قلبيَ مَنْ قلبي اجتَبَى لهواهُ واصطفاهُ لي خدينا؟
لم أكن أطمع أن ترحمني بعد أن قَضَّيْتُ في الوجدِ السنينا
لم أكُنْ أطمعُ أن تُضْمِرَ لي آسياً يُبْرئُ لي الجُرح الدفينا
لم أكن أعلمُ يا ليلَ الأسى أن في جُنْحِكَ لي فجراً جنينا

********************

ما الذي مكَّن في القلب الودادْ ما الذي صبَّك صبّاً في الفؤادْ؟
ما الذي ملَّك عينيك القيادْ ما الذي يعصف عصفاً بالرشادْ؟
ما الذي إِنْ أُقْصِهِ عنِّيَ عاد طاغياً سِيّانِ قرب أو بعاد؟
ما الذي يخلقنا من عدم ما الذي يُجري حياة في الجمادْ؟

********************

كم حبيب بَعُدت صهباؤه وتبقت نفحة من حبَبهْ
في نسيج خالدٍ رغم البلى عبث الدّهرُ وما يعبث به
أين سلطاني ومجدي والذي حبُّه مجدٌ وسلطانٌ وعزَّه؟
أين إلهامي ونوري والذي أيقظَ القلبَ إلى البَعْثِ وهَزَّه؟

********************
و كانت نهايته بعد الحكم القاسي الذي صدر من الأديب طه حسين عليه حين وصف شعره بشعر الصالونات إذ تأثر به كثيراً شاعرنا فهجر مصر ذاهباً إلى لندن و ساءت الحالة النفسية له, أصيب بمرض السكري و مات بحادث سيارة عابرة
صدمته في 24- 3- 1953 عن عمر ناهز الخامسة و الخمسين عاماً.


ساهم معنا في نشر الموضوع