النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: الأدب بين التاريخ والأدباء

  1. #1
    مستشارة العلاقات العامة الصورة الرمزية روعة محسن الدندن
    تاريخ التسجيل
    May 2016
    الدولة
    سوريا
    المشاركات
    3,713

    الأدب بين التاريخ والأدباء

    الدراسات الأدبية بين التاريخ والأدباء....روعة محسن الدندن...سوريا
    شهادة من عميد الأدب طه حسين للدكتور اسرائيل ولفنسون
    عن كتابه تاريخ اليهود وتم منحه الدكتوراه وكتب مقدمة الكتاب طه حسين
    وأنا هنا سأقوم بكتابة ما قاله طه حسين في مقدمته
    لنتجول فيما بعد على بعض النقاط وردت في هذه الدراسة
    التي قدمها المستشرق من خلال البحث وقد تناولت سابقا مقالة عن تاريخ اليهود في الاندلس وسأقوم بإضافتها بعد شهادة عميد الأدب طه حسين. واخترت بعض ما كتبه
    (الدكتور اسرائيل ولفنسون عالم شاب يسرني أن أكون أنا مقدمه إلى جمهور المستنيرين من الذين يكلفون بالبحث عن الأدب والتاريخ)
    (وكنت أرى فيه عناية خاصة بكل مايتصل باليهود في عصور السيطرة اليونانية والرومانية على العالم القديم. فرأيت أن أوجه بحثه هذه الوجهة وأشجعه على المضي فيها ولست أنسى محاضرات تمرينية ألقاها في هذه الموضوعات وتركت في نفسي أحسن ماتترك أعمال التلميذ المجد في نفس استاذه من الأثر)
    (فإذا كان عالمنا الشاب قد وفق إلى الخير في هذا الكتاب الذي قدمه إلى الجامعة المصرية ونال به شهادة الدكتوراه والذي أقدمه أنا الآن إلى القراء سعيدا مغتبطا فتوفيقه مضاعف, ذلك لأنه وفق إلى تحقيق أشياء كثيرة لم تكن قد حققت من قبل ووفق إلى عرض مباحث المستشرقين حول هذا الموضوع في اللغة العربية ولم تكن قد عرضت من قبل ووفق بعبارات موجزة إلى أن يبسط تاريخ اليهود في البلاد العربية قبل الإسلام وأبان ظهوره بسطا علميا أدبيا لذيذا ممتعا في كتاب كانت اللغة العربية في حاجة إليه فأظفرها بهذه الحاجة)
    هذه مقتطفات من مقدمة عميد الأدب طه حسين في 20يونيو 1937

    يقول الدكتور جواد علي (من كتاب دراسة السيرة النبوية لدكتور عماد الدين خليل)

    أخذ على بعض المستشرقين تسرعهم في إصدار الأحكام في تاريخ الإسلام, وتأثرهم بعواطفهم لأخذهم بالخبر الضعيف في بعض الأحيان, وحكمهم بموجبه, ولإصدارهم أحكاما بنيت على الألفاظ المشتركة أو التشابه, مع قولهم بوجوب استعمال النقد, وباحتراسهم في الأمور ووجوب التأكيد من معرفة الآخذ قبل الحكم عليه.. وآية ذلك أن معظم المستشرقين النصارى هم من طبقة رجال الدين أو المتخرجين من كليات(اللاهوت) وأنهم إن تطرقوا إلى الموضوعات الحساسة من الإسلام حاولوا جهد إمكانهم ردها إلى أصل نصراني.
    وطائفة المستشرقين من اليهود وخاصة بعد تأسيس(إسرائيل) وتحكم الصهيونية في غالبيتهم, يجهدون أنفسهم لرد كل ماهو إسلامي وعربي لأصل يهودي, وكلتا الطائفتين في هذا الباب تبع لسلطان العواطف والأهواء
    ويتابع الدكتور جواد كلامه
    غالوا في كتاباتهم في السيرة وأجهدوا أنفسهم في إثارة الشكوك حتى في اسم الرسول صلى الله عليه وسلم
    ولو تمكنوا لأثاروا الشك حتى في وجود النبي
    وهذا هو الخروج عن المنهج العلمي لان المنهج العلمي هو المنهج العلمي وكل من يخرج عن العلم الصحيح يعني خروجه عن المنهج مهما كان شرقي أو غربي شخص يتعبد في مسجد أو كنيسة
    ويقول الدكتور (سنوك هيرغرنجه) في نقده لكتاب المستشرق غريم
    إننا نرى أن الأستاذ غريم لو اقتصر على درس السيرة النبوية القديمة وبحثها بعمق لكان أفضل وأن الثمار التي كان يمكن أن يجنيها من مثل هذا الدرس لهي أجدر ببلوغ الغاية التي توخاها, ولكنه ظن أن هذا عمل ليست له أهمية كبيرة وأراد أن يطرف الناس بنبأ جديد ففشل في وضع السيرة النبوية
    كما قال أيضا سنوك
    إن سيرة محمد الحديثة تدل على أن البحوث التاريخية مقضي عليها بالعقم إذا سخرت لأية نظرية أو رأي سابق)
    وكان ردي على ماذكره ولفنسون في صفحاته الأولى هكذا

    ونجد أن البعض ترك ثغرات أو سقط في الخطأ من خلال التناقض في الأقوال فيما يحاول أن يشرحه ويقدمه
    وهنا نجد أن طريق بحثنا سلك طريقا أخر لإن هذا التناقض يجب أن نفهمه ونبحث عن مصادره ونتسأل عن السبب وهل هو تعصب لفكر معين أو من باب قلة المصادر ولماذا يتم وضع روايات مجهولة المصدر وهذا يضعف من أسلوب الكاتب ويجعل من طرحه لرسالته موضع شك
    وهذا ما وقع به المستشرق إسرائيل ولفنسون في كتابه تاريخ اليهود في بلاد العرب وكان في أولى الصفحات
    عندما قال
    لقد ازدادت هذه الروابط متانة مع امتداد الزمن حتى دخل اليهود في جيوش المسلمين ليناضلوا معهم في إقليم الأندلس
    ويكمل الكاتب حديثه عن ماناله اليهود من ظهور الإسلام فيقول
    وينبغي ألا يغيب عن البال أن الخسارة القليلة التي لحقت يهود بلاد الحجاز ضئيلة بالقياس إلى الفائدة التي اكتسبها العنصر اليهودي من ظهور الإسلام فقد انقذ الفاتحون المسلمون ألافا من اليهود كانوا منتشرين في أقاليم الدولة الرومية وكانوا يقاسون ألوانا شتى من العذاب زد على هذا أن اتصال اليهود بالمسلمين في الأقاليم الإسلامية كان سببا في نهضة فكرية عظيمة عند اليهود بقيت آثارها في تاريخ الآداب العربية والعبرية زمنا طويلا
    ويقول المؤرخ اليهودي الشهير سيمون دوبنوف
    وتضمن الجيش الإسلامي الكتيبة البربرية اليهودية المنضمة إليهم والتي يقودها المحارب الذي يحمل اسما يهوديا وهو خولان اليهودي الذي فتح برشلونة والجزء الأكبر من قطلونيا
    وأما المؤرخ اليهودي الياهو أشتور والذي اعتبر أكثر اعتدالا من دوبنوف فيقول
    إن دور اليهود في عملية الفتح لم يكن يتجاوز أعمال الحراسة مع احتمال تقديم المعلومات المفيدة للفاتحين ولكنه جعل لها الأثر الكبير في الفتح وهذا يعتبر دليلا على أن لليهود كفاءات قتالية تجعلهم الشعب المحارب والمتميز والمختلف عن بقية شعوب العالم لقوله
    إن رجالا من هذا النوع يعدون حلفاء ملائمين للشعوب المقاتلة والفاتحة هكذا كان يهود اسبانيا لمئات السنين
    ومن العرب من تبنى أيضا هذه الفكرة وهو الكاتب أنيس زكريا في كتابه الدولة الأموية في قرطبة
    (لاشبهة أن لليهود ضلعا كبيرا في فتح اسبانيا وإن أهمل ذكرهم مؤرخو العرب والإسبان)
    وهنا كان يجب البحث عن وجود اليهود في جيوش العرب ووجودهم أيضا في الأندلس لإن كل ماتم طرحه لم يتم ذكر مصدر له من خلال الجميع ويبدو أن الخيال هو المصدر الوحيد لهذه الفكرة
    وهذا ما طرحه الدكتور خالد يونس الجندي في كتابه اليهود تحت حكم المسلمين في الأندلس
    وقال معترضا على ما زعمه سيمون أن لا أساس من الصحة لوجود قائد يهودي يحمل اسم خولان ولم يشارك اليهود مطلقا في فتح قطلونيا أو غيرها من مدن الأندلس لا مشاركة فردية ولا على شكل كتيبة مستقلة
    وهذا الكلام يعتبر أيضا مخالفا للواقع الذي عاشه اليهود قبل مجيء الإسلام بمئة عام للأندلس وكان ذلك في زمن حكم الملك القوطي ريكارد عندما تحول إلى الكاثوليكية عام 587م واعتبر اليهود كفارا وحرم مصاهرتهم وتحويلهم إلى عبيد وتم توزيعهم على أسياد نصارى وانتزع منهم أبناءهم وتسلميهم للعائلات النصرانية والأديرة
    ولو امتلك اليهود الشجاعة لتمكنوا من تكوين حكم لهم قبل الرومان والقوط والوندال
    وكما يناقض أشتور نفسه في موضوع آخر فيقول
    من الصعب التصديق أن المسلمين قد تحالفوا مع جماعة من الناس لم يكونوا من احدى الزمر المقاتلة قبل الفتح
    ولم تتحدث المصادر الإسلامية عن وجود يهود في المدن التي فتحها موسى بن نصير
    ويصرح أشتور أن ذلك لخلو تلك المدن منهم ومع عدم وجودهم وقلة عدد الجيش الإسلامي مقارنة بجيش القوط كان الجيش يحقق الإنتصارات والفتح السريع مثلما حقق طارق وجيشه
    وأما ماتم ذكره في المصادر اليهودية والإسبانية عن وجود اليهود في اسبانيا
    أن عددا من العائلات اليهودية الشهيرة في الأندلس تقول إن أجدادهم جاءوا إليهم أسرى مع إشبان في زمن التدمير الأول للهيكل مثل عائلة اليهودي إبراهيم بن داود في أليسانة والعائلات تنسب نفسها إلى النبي داود عليه السلام في إشبيلية مثل إيرابابيل
    وذكر إسحاق أبرابانيل في تفسيره لإصحاح الملوك
    أن أوائل المستوطنين اليهود لمدينة طليطلة كانوا أسرى قبائل يهوذا وبنيامين الذي جلبهم إشبان وبيروس ويدعي يهود غرناطة أن وجودهم يعود لذلك العهد وأنهم سموا غرناطة بإسمهم وتعني بالإسبانية القديمة (رمانة)
    وأما الدكتور خالد يونس الخالد فقال في كتابه تحت حكم المسلمين في الأندلس
    الفصل الأول:
    اليهود في أسبانيا قبل الفتح الإسلامي

    المبحث الأول: الوجود اليهودي في أسبانيا

    اتفقت المصادر التاريخية على قدم الوجود اليهودي في أسبانيا، ولكنها اختلفت في تحديد زمان وطريقة وصولهم إليها، فتحدثت المصادر الإسلامية أن أول وصول يهود إلى تلك البلاد يعود إلى عهد الملك الأسباني أشبان الذي شارك مع نبوخذنصر في فتح القدس سنة 586ق.م، ثم عاد إلى بلاده يحمل معه مئة ألف أسير يهودي.
    كما تذكر المصادر اليهودية والأسبانية عن هذه الموضوع، فالمصادر اليهودية تذكر أن عدداً من العائلات اليهودية الشهيرة في الأندلس تقول: "إن أجدادهم جاءوا إليها أسرى مع إشبان في زمن التدمير الأول للهيكل، مثل عائلة اليهودي إبراهيم بن داود في أليسانة، والعائلات التي تنسب نفسها إلى النبي داود عليه السلام في إشبيلية مثل عائلة أبرابانيل، وتناقل اليهود الأندلسيون خلال الحكم الإسلامي للأندلس روايات كالتي سجلها إسحاق أبرابانيل في تفسيره لإصحاح الملوك، عن أن أوائل المستوطنين اليهود لمدينة طليطلة كانوا أسرى من قبائل يهوذا وبنيامين الذين جلبهم إشبان وبيروس، ويدعي يهود غرناطة أن وجودهم يعود لذلك العهد وأنهم سموا غرناطة باسمها ويعني بالإسبانية القديمة "رمانة".
    وتقدم بعض الدراسات اليهودية افتراضات بدون أدلة عن أن الوجود اليهودي في أسبانيا ربما يرجع إلى زمن القضاة (1125-1025ق.م) أو خلال الحروب بين مملكتي يهودا وإسرائيل (931-742ق.م) أو أنهم سلالة السفراء الذين بعث بهم النبيان داود وسليمان للإقامة في أسبانيا وأن حيرام مسؤول كنوز سليمان قد توفي هناك.
    وقد رجح د. الخالدي مؤلف الكتاب الرأي القائل بوجود اليهود في أسبانيا منذ زمن أشبان لأسباب ذكرها وهي:
    • وجود هذه الرواية في العديد من المصادر الإسلامية دون غيرها، دون أن يشكك فيها أحد من المؤرخين.
    • ووردها في المصادر الأسبانية القديمة القريبة من زمان الحدث، والتي نقل عنها المؤرخون المسلمون.
    • اقتناع المؤرخين الأسبان اللاحقين ومنهم ماريانا بصحة ما جاء في مصادرهم القديمة.
    • شهادات المؤرخين اليهود والعائلات اليهودية الأندلسية عن قصص أجدادهم.
    • يبين التاريخ القديم لطليطلة أنه قبل 500ق.م طرأت زيادة كبيرة على سكانها ربما بسبب الأسرى اليهود.
    • عثر أمير ماردة هشام بن عبد العزيز على حجر في سورها من أحجار سور القدس، وأشار الحميري إلى غرائب من القدس وجدت بعد فتح الأندلس مثل الرخام ومائدة طليطلة وحجر ماردة وقليلة الجوهر بماردة.
    ورغم ترجيح المؤلف لهذه الرواية إلا أنه يشكك في بعض أخبارها مثل أسطورة اللقاء بين إشبان وهو حراث فقير والخضر الذي بشره بالملك وأنه سيغزو بيت المقدس، ومثل تقدير عدد الأسرى اليهود الذين نقلوا إلى أسبانيا بمئة ألف، فلو كان هذا العدد صحيحاً لأصبح اليهود بالملايين عند فتح الأندلس بعد 14 قرناً.
    وقد حاول لندو أن يثبت أن اليهود استقروا في أسبانيا منذ عهد سليمان واستشهد بنصوص من التوراة، تتحدث عن رحلات تجارية مشتركة إلى مدينة "ترشيش" بين مملكة سليمان والفينيقيين في عهد ملكهم حيرام، "حاملة ذهباً وفضة وعاجاً وقردة وطواويس"، وأكد لندو أن "ترشيش" هي طليطلة.
    ويفند د. الخالدي مؤلف الكتاب مزاعم لندو مدللاً بأقوال الجغرافيين مثل البكري بأن ترشيش هي اسم تونس القديم، وما قاله أونكالوس في "الترجوما" وهي الترجمة الأرامية للتوراة بأن ترشيش تقع في أفريقيا. ويرى الخالدي أن العقل لا يتصور بأن يترك اليهود مملكتهم القوية ويهاجروا إلى الأندلس البعيدة، وحتى بعد ضعف المملكة فإنهم لا يملكون الخبرة لركوب البحر.
    وبينما تختلف المصادر حول وجود اليهود في الأندلس في القرون السابقة للميلاد، لعدم وجود أدلة أثرية فإنا تتفق على وجود اليهود في أسبانيا في القرون الميلادية الأولى لتوفر هذه الأدلة، إذ عُثر في أدرا على آثار يهودية ممثلة في شاهد قبر وعملات نقدية، كذلك وجدت قوانين كنسية صادرة عن مجلس الفيرا المنعقد في (303-304م)، تحرم على النصارى مؤاكلة وتزويج اليهود، ويذكر أبرابائيل في تفسيره لإصحاح زكريا أن عائلته سكنت إشبيلية في زمن تدمير الهيكل الثاني (70م).
    أما التهجير الثاني لليهود إلى أسبانيا فحدث في عهد القائد الروماني فيسبسيان (70م) الذي أسر نحو 30 ألفاً ونقلهم إلى المغرب، وكان لأسبانيا نصيب منهم، أما التهجير الثالث، فقد قام به الإمبراطور الروماني هدريان سنة 136م بعد قمعه ثورة باركوباب فقام بنقل نحو خمسين ألف عائلة يهودية لاستعبادهم في أسبانيا.

    المبحث الثاني: اليهود في أسبانيا إلى زمن تحول القوط إلى الكاثوليكية

    عاش اليهود في أسبانيا منذ دخولهم إليها بين سكان نتجوا من اختلاط شعوب مختلفة الأصول والثقافات منهم الأيبيريون والترتيسوس والفينيقيون والرومان، وجاء المسلمون الفاتحون للأندلس فوجدوا اليهود قد حافظوا على طقوسهم وعاداتهم ومعتقداتهم، أما عن علاقة اليهود بالرومان فقد كانت في البداية حسنة، خاصة في زمن الإمبراطور أغسطس (31ق.م-14م)، وتمتعوا بإدارة شئونهم الخاصة، وحرية ممارسة الشعائر الدينية، وعملوا بالزراعة والتجارة، كما تأثروا بعادات ولغة الرومان.
    لم تدم حالة الوفاق بين اليهود والسلطة الرومانية الحاكمة، فقد اكتشف الرومان سوء المعاملة التي يعاملها اليهود للشعب الروماني، فقد كان اليهود ينطلقون في معاملتهم للآخرين من تعاليم التلمود التي تُشبه غير اليهود بالحيوانات وتحل دماءهم وأموالهم، وقد قام اليهود بحركات تمرد واسعة قتلوا خلالها مئات الآلاف من الإغريق والشعوب في برقة وقبرص، وكذلك كان لموقف اليهود من النصرانية، وعداوتهم للمسيح عيسى بن مريم انعكاسات واضحة لكره الشعوب لهم ومنهم الأسبان، ولكن كانت الأندلس أفضل من غيرها في معاملة اليهود، لهذا حصلت هجرات من شمال أفريقيا إلى الأندلس خلال القرن 3م.
    وأقدم وثيقة تعبر عن موقف نصارى الأندلس من يهودها هي القوانين الأربعة التي صدرت عن مجلس ألبيرة (303-304م) أي قبل اعتناق الإمبراطور قسطنطين النصرانية، وتنص على منع تزويج اليهود ومنع السماح لليهود بمباركة المحاصيل. وحدث أن اكتشف النصارى في جزيرة منورقه الآثار المقدسة للقديس ستيفانوس الشهيد النصراني الأول الذي قتله اليهود بعد مدة قصيرة من محاولة قتل المسيح، فتدفقت حشود النصارى من مختلف أسبانيا، وأثيرت مشاعر النصارى ضد اليهود.
    وبعد غزو القبائل الجرمانية للأندلس سنة 409م، واقتسامهم لها، ومنهم الوندال الذين سميت الأندلس باسمهم، والقوط، كانت معاملتهم لليهود جيدة، حيث كانوا يعتنقون المذهب الأيروسي حتى سنة 587م حين حول ريكارد مذهبه إلى الكاثوليكية وفرضه على معظم القوط. وكان اليهود في عهد القوط يتمتعون بحرية دينية غير أنهم لم يكونوا يعدون مواطنين رومانيين كاملين حسب القانون القوطي الأريوس الأول الصادر سنة 506م. وناصر اليهود القوط الغربيين ضد البيزنطيين في شمال أفريقيا في عهد الإمبراطور جستنيان، كذلك استخدمهم القوط في حماية حدودهم الشمالية في نربونة ضد هجمات الكاثوليك الفرنج، وعندما سقطت نربونة في الفرنجة اضطهدوا اليهود.

    المبحث الثالث: اليهود تحت حكم القوط الكاثوليك

    كان تحول الملك القوطي ريكارد إلى الكاثوليكية سنة 587م حدث مؤثر في تاريخ اليهود في أسبانيا، فتبدلت معيشة اليهود من رخاء وسلام إلى معيشة ضنكى، حيث أصبحوا الشغل الشاغل لمجالس الكنسية لإصدار القوانين المضيقة على اليهود، فاعتبروا اليهود كفاراً، وأن ما يصيبهم من عذاب نتيجة ما اقترفوه من جرائم، فحرموا مصاهرتهم، ومنع اتخاذ اليهود عبيداً من النصارى، فأثر عليهم ذلك كثيراً بسبب كثرة أملاكهم وتجارتهم، ومنع اليهود من ترتيل المزامير في المناسبات والجنائز.
    وفي عهد سايزروت أصدر قانوناً سنة 613م بتهجير من رفض دخول الكاثوليكية من اليهود، وسجن وقتل عدداً من أثريائهم، فاضطر نحو تسعين ألف يهودي إلى التنصر، وغادر آخرون إلى أفريقيا وبلاد الغال، واستمر وضع اليهود المتبقين في أسبانيا في اضطهاد طوال عهود خنتيلا 636-640م، وريثيسفنتو 652-672م، وأرفيخو 680-687م، وكانت أكبر كارثة تعرضوا لها سنة 684م حينما صدر أمراً من الملك إجيكا باستعباد اليهود، وبقي الأمر على حاله حتى جاء لذريق، الذي دخل المسلمون في عهده الأندلس ليحرروا البشر من الذل والعبودية.

    الفصل الثاني
    الاستقرار اليهودي في الأندلس

    المبحث الأول: تنظيم الاستقرار اليهودي في الأندلس

    كان اليهود زمن الفتح الإسلامي للأندلس ينتشرون في معظم أرجاء شبه الجزيرة الأيبيرية، ويتركزون في المدن الرئيسة، ولكن بعيداً عن قصباتها، وعندما فتح المسلمون الأندلس أجروا تغييراً على التوزيع السابق لليهود فضموهم إلى قصبات المدن كما حدث عند فتح إلبيرة وغرناطة وقرطبة وغيرها، وكان هدف المسلمين هو الإفادة منهم في أعمالِ الحراسة، والظاهر أن إقامة يهود الأندلس قبل الفتح الإسلامي خارج أسوار المدن المهمة لم يكن باختيارهم، وإنما أجبرهم عليها القوط، فقد عرف أنهم يميلون إلى حماية أنفسهم بالحصون والأسوار. وتدل العديد من الإشارات التاريخية على وجود أحياءٍ يهودية في كثير من المدن الأندلسية، وأنها استمرت طوال مدة الحكم الإسلامي للأندلس.
    وهناك إشارات أخرى تدلُّ على وجود مبكّر للحيّ اليهودي في قرطبة في حدود سنة 95هـ=713م.
    ودلت الروايات وجود باب يحمل اسم "باب اليهود" في قرطبة، وفي مدن أندلسية أخرى كسرقسطة"، يدل على وجود حي لليهود في تلك المدن.
    ومن الواضح أنَّ المسلمين لم يمنعوا اليهودَ من السكن خارج الحي اليهودي، إذ توجد إشارات عدة ذكرها الونشريسي والجرسيقي إلى يهود جاوروا المسلمين في مساكنهم، وأنهم امتلكوا دورا ً وأراضي بين دور المسلمين وأراضيهم.
    والجدير بالذكر أن إسكان اليهود في أحياء خاصة بهم يختلف اختلافاً كلياً عن "الجيتو" الذي أجبر اليهود على السكن فيه في أوربا في العصور الوسطى. لأن تصرف المسلمين كان للتقسيم القبلي، ولم يكن من منطلق عنصري كما هو الحال في تنظيم الدول النصرانية للجيتو، بدليل أنه قد سمح لليهود بالإقامة خارج أحيائهم، وبين دور المسلمين. وقد تمكَّن اليهود بذلك من حماية مجتمعهم من الانصهار داخل المجتمع الإسلامي.
    كما تبيِّن المصادر اليهودية أن الحي اليهودي كان يطلق عليه في بعض المدن الأندلسية اسم "الجماعة"، وهو اختصار لـ"جماعة اليهود"، أو يُسمى "القاهال"، وهو المعنى العبري لكلمة "الجماعة".
    وعندما يكون عدد اليهود في المدينة كبيراً فإنَّ حيَّهم فيها على الأغلب يكون كبيراً، وهو يحتوي في هذه الحالة على حارات صغيرة تُسمّى "الدروب". أمَّا الأحياء الصغيرة فهي عبارة عن مجاميع من المنازل المحيطة بزقاق مسدود الطرف في العادة، وكانت نهايته المفتوحة تغلق بباب يقفل في المساء حفاظاً على أمن السكان.
    وبما أنَّ ما يفصل الأحياء عن بعضها من كل الجهات كان الأسوار الخارجية لمنازلهم، فإنَّ أمن السكان اعتمد كلياً على المراقبة المتيقظة للباب. وكان السكان في الواقع يستأجرون الحراس الذين تصحبهم الكلاب والمصابيح، وكانوا يمرون في دوريات طوال الليل، وقد أطلق على الحارس اسم "الدرَّاب". وقد أحبَّ اليهود والنصارى طريقة المسلمين في الحفاظ على أسرار بيوتهم، وقد تبنوا هذه الطريقة داخل أحيائهم.

    المبحث الثاني: مراكز الاستقرار اليهودي وسط الأندلس

    تركز اليهود وسط الأندلس في مدينتين كبيرتين، هما قرطبة، وطليطلة.

    أولاً: قرطبة:
    يقول الحميري في وصفها: "قاعدة الأندلس، وأمُّ مدائنها، ومستقر خلافة الأمويين بها". وقد افتتحها المسلمون سنة 92هـ-711م، وخسروها سنة 633هـ-1236م"، يقع الحي اليهودي في قرطبة في الجهة الجنوبية الغربية منها، قريباً من قصر الخلفاء والجامع الكبير، وما يزال الجزء الجنوبي الغربي من قرطبة يُعرف إلى الآن بالحي اليهودي، ويتميز بضيق شوارعه، ونتيجة للازدهار الحضاري والعمراني والعلمي في قرطبة، ولا سيما في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، تدفق إليها المهاجرون، ومنهم اليهود، ولأن الحي اليهودي كان مزدحماً باليهود، فقد سمح لهم بإقامة حيٍّ آخر في شمال المدينة. وقد أشارت المصادر الإسلامية إلى يهودٍ أقاموا في قرطبة طوال مدة الحكم الإسلامي لبني أمية في الأندلس، ومنها قيام الفقيه طالوت عند خوفه من الحكم الأول 180-206هـ=796–822م بالاختفاء في بيت يهودي في قرطبة لمدة سنة. وإرسال المغني منصور اليهودي رسولاً إلى زرياب يدعوه للقدوم إلى الأندلس. وما أورده الونشريسي عن إحدى قضايا القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، المتعلقة باختلاف يهودي ويهودية في قرطبة على التقاضي عند المسلمين أو اليهود.

    ثانياً: طليطلة:

    واستقرَّ معظم أفراد الجالية اليهودية في طليطلة في الحي اليهودي الذي يقع في الجزء الغربي من المدينة. وما تزال بعض الشوارعِ والساحات في هذا الحي تحمل إلى الآن أسماء يهودية، فهناك شارع صاموئيل هاليفي، وشارع دي لا جوديرا، أي شارع الحي اليهودي. ولم يكن الحي اليهودي في طليطلة حَّياً تجارياً، لذلك فقد استأجر عددٌ من التجار اليهود محال لهم في مركز المدينة شمال المسجد الكبير الذي كان المركز التجاري يقع بينه وبين السور الشمالي للمدينة.
    كما امتلكوا المحال التجارية في حي القناة، الواقع بين الجامع الكبير وسوق تجار العطور، وكانت لهم هناك بعض المساكن التي كانت محصَّنة إلى حدً ما. واشتهر في طليطلة العديد من العائلات اليهودية التي ينتمي بعضها حسب زعم أبنائها إلى ذريَّة داود عليه السلام. ومن هذه العائلات شوشان، والفخار وهاليفي، وأبو العافية، والزادوك، وفيروزل، وأفن نحمياس.
    وينتمي إلى طليطلة العديد من المفكرين والأدباء والمشاهير اليهود، أمثال بنيامين الطوطيلي المتوفى سنة 586هـ=1190م، وصاحب كتاب "همساعوث" أي الرحلات، وإبراهيم بن داود الطليطلي صاحب كتاب "سفر هقبالة" أي كتاب التصوف، وإبراهيم بن عزرا الذي كان أديبا ً وشاعرا ً، وهو والد إسحاق بن عزرا الذي رحل إلى مصر في زمن الموحدين، ومنها هاجر إلى العراق حيث اعتنق الإسلام مع العالم اليهودي الشهير نتانيئيل المعروف بأبي البركة هبة الله، وإسحاق بن قسطار الذي قال عنه صاعد الأندلسي: "كان بصيرا ً بأصول الطب مشاركا ً في علم المنطق مشرفاً على آراء الفلاسفة، وكان متقدما ً في علم العبـرانية بارعا ً في فقه اليهود، خبيرا ً في أخبارهم وتوفي بطليطلة سنة 448هـ، وهو ابن خمس وسبعين".

    المبحث الثالث: مراكز الاستقرار اليهودي جنوبي الأندلس

    استقر كثير من اليهود في المنطقة الجنوبية من الأندلس، وقد رغب اليهود بالإقامة فيها لخصوبة أرضها، واعتدال مناخها، ووقوع عدد من مدنها على الطرق التجارية والبحرية المهمة، وبسبب كثرة سكانها، وقربها من العاصمة قرطبة، ولقربها من الشمال الأفريقي التي يأتي منها وعبرها معظم المهاجرين اليهود إلى الأندلس. وقد تركز يهود جنوبي الأندلس في كل من غرناطة، وأليسانة، ومالقة، وبجانة، والمرية.
    أولا ً: غرناطة: وقد فتح المسلمون غرناطة سنة 92هـ =711م، "فألفـوا بها يهودا ً ضموهم إلى قصبة غرناطة"، وتعاملوا معهم على وفق الأحكام الشرعية الخاصة بأهل الذمة، فنعم اليهود في غرناطة، كما في غيرها من مدن الأندلس بالتسامح والعدل والرخاء. وانتشرت أخبار ذلك التسامح بين اليهودِ في كل مكان، فأخذوا يتدفقون إلى مدن الأندلس عبر مضيق جبل طارق، وكان لغرناطة نصيب وافر من هؤلاء المهاجرين باعتبارها من المدن الأندلسية الكبرى الواقعة في طريق اليهود العابرين إلى الأندلس من الشمال الأفريقي. ومما يدلُّ على كثرتهم قول الحميري: وتعرف بـ "أغرناطة اليهود لأنَّ نازلتها كانوا يهوداً". ويقدر الكاتب أن عددهم فيها في عهد باديس الذي يعد أزهى عهودهم هناك، لا يزيد كثيرا ً على بضعة آلاف، وذلك من خلال الروايات التي تحدثت عن عدد القتلى اليهود في ثورة مسلمي غرناطة عليهم إذ ذكر ابن عذاري بأنهم أكثر من 3000 يهودي وكانوا جملة عظيمة.
    وقد تزايدَ عدد اليهود في غرناطة بشكلٍ ملحوظ خلال حكم الوزيرين اليهوديين إسماعيل بن يوسف بن نغدلة وابنه يوسف، لكنَّه عاد وتناقص بشكلٍ كبير بعد ثورة المسلمين على ظلمهم وتجاوزاتهم، حيث قتل وشرد معظم يهود غرناطة.
    وفي عهد المرابطين عاد كثير من اليهود إلى غرناطة، وفي عهد بني الأحمر، كانت غرناطة ملجأ لليهود الهاربين من ردود فعل النصارى الأسبان ضدهم، وقد استمر ذلك إلى أن سقطت في أيديهم سنة 897هـ=1492 م.
    وعندما سقطت غرناطة في يدِ النصارى الأسبان سنة 897هـ=1492م، وقام الملك القشتالي فرديناند بطردِ اليهودِ منها، قام بهدم الحي اليهودي، وبنى مكانه كنيسة سَّماها على اسم مريم العذراء.
    ثانياً: أليسانة : تقع أليسانة جنوب مدينة قرطبة، على بعد نحو أربعين ميلا ً منها، وتعد الطائفة اليهودية في أليسانة من الطوائف المهمة في الأندلس، إذ كانت حتى مطلع القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، تقوم بدور المركز الروحي لليهود في الأندلس.
    يتبين من الروايات أن مدينة أليسانة المسوَّرة كانت تقتصر على السكان اليهود فقط. وأنَّ المسلمين يقيمون في ربضها.
    ثالثاً: مالقة: وكان الحي اليهودي في مالقة في العهد الإسلامي يقع في الجزء الشرقي من المدينة، وكانت المقبرة اليهودية على منحدرات جبل الفارو. وكانت مالقة ملاذا ً لإسماعيل بن نغدلة ويهودٍ آخرين، حيث وصلوا إليها من قرطبة سنة 404هـ=1013م، بعد الاضطرابات التي أعقبت سقوط الخلافة في الأندلس.
    ويتناول الكاتب ذكر وجود اليهود كذلك في بجانة والمرية.

    المبحث الرابع: مراكز الاستقرار اليهودي غربي الأندلس

    تركز يهود غربي الأندلس في مدينتين كبيرتين هما، إشبيلية، وماردة، وفي ما يأتي بيانٌ لاستقرار اليهود فيهما.

    أولا ً: إشبيلية:

    ومما يدلُّ على وجود اليهود في إشبيلية، ويشير إلى كثرتهم فيها في عهد الأمير عبد الرحمن الداخل 138 - 172هـ=788 - 796 م، أنهم جسروا على فتح أحد أبوابها ليتمكن جند الأمير من دخول المدينة وقمع الثائرين، "ودخلت الخيل على باب قرمونة، وفتحه لهم اليهود، فوضعوا أيديهم في قتل المولَّدين".
    وقد عاش اليهود في إشبيلية خلال مُدَّة الحكم الإسلامي لها في مواقع عديدة، فقد أقاموا في الجانب الغربي من المدينة، في موقع الحي الحالي الذي توجد فيه كنيسة سانتا مجدولينا، كما سكنوا أيضا ً في القسم الشمالي الغربي من المدينة في مكان الحي الحالي الذي توجد فيه كنيسة سان لورينزو.
    وقد عاشت في إشبيلية في ظل الحكم الإسلامي طائفة يهودية كبيرة تضمُّ عددا ً من العائلات المهمة، مثل عائلة تيبون وأبرابانيل وأبو درهم، وابن الباطوم وابن كامنيل وابن المهاجر. ويزعم اليهود بأن بعض عائلاتها تنتسب إلى النبي داود عليه السلام وأنهم جاءوا إليها بعد التدمير الأول للهيكل سنة 70م.

    ثانياً: ماردة:

    وفي القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي كان لماردة طائفة يهودية كبيرة، تعدُّ الطائفة اليهودية الرئيسة في غرب الأندلس، وكان لقادة طائفة ماردة، سلطة تشريعية عليا على يهود تلك المنطقة. وكانت أكثر العائلات اليهودية شهرة وأهمية في ماردة، هي عائلة ابن بالية.

    المبحث الخامس: مراكز الاستقرار اليهودي شمالي الأندلس

    أولا ً: سرقسطة:

    وقد عاشت في هذه المدينة طائفة يهودية كبيرة، وسكن معظم أفرادها في الحي اليهودي الذي يقع في الجزء الجنوبي الشرقي من المدينة، بين سور المدينة في الجنوب وشارع مايور في الشمال، وكانت حدوده في الغرب هي شارع جيمي الأول وذلك حسب المصادر الأسبانيـة التي نقل عنها آشتور. وحسب المصادر نفسها كان الحي اليهودي في سرقسطة كبيرا ً، بلغت مساحته نحو ربع مساحة المدينة، بين سور المدينة في الجنوب وشارع مايور في الشمال، وكانت حدوده في الغرب هي شارع جيمي الأول وذلك حسب المصادر الأسبانيـة التي نقل عنها آشتور. وحسب المصادر نفسها كان الحي اليهودي في سرقسطة كبيرا ً، بلغت مساحته نحو ربع مساحة المدينة، وقد أحيط بسورٍ داخلي مزوَّدٍ بعددٍ من الأبواب. كما بُني في الزاوية الجنوبية من هذا الحي حصن من أجل أن يلجأوا إليه إذا ما تعرَّض الحي للهجوم.
    وإلى الشمال الشرقي من الحصن كان الكنيس الكبير ليهود سرقسطة، وكان يهود سرقسطة يكسبون رزقهم من مهن مختلفة، إذ عملوا في دباغة الجلود، وصناعة الأحذية، ونسج الأقمشة وامتلكوا الحقول والكروم، وعملوا في التجارة الخارجية.
    ومن الإشارات الدالة على وجود مبكر لليهودِ في سرقسطة ما يرويه ابن الفرضي عن أحد قضاة سرقسطة محمد بن عجلان من أنه كان "يحلف اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، وقال إني رأيتهم يرهبون ذلك".
    وكان أبو الفضل حسداي بن يوسف بن حسداي من أشهر رجالات اليهود في سرقسطة، إذ عمل وزيرا ً وكاتبا ً في دولة المقتدر بن هود 438-447هـ=1046–1081م.
    وكانت سرقسطة مسرحا ً للجدل الديني بين اليهود والنصارى في القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي.

    ثانيا: برشلونة:

    وكانت برشلونة مدينة صغيرة سداسية الشكل بصورة عامة "عليها سورٌ منيع"، بناه الرومان، وما تزال آثاره باقية إلى اليوم. ولكن من الممكن القول بأنَّ برشلونة القديمة هي فقط المنطقة المحيطة بساحة سان جيمي، وهي ما تزالُ ذات شوارع ضيّقة ومظلمة، وقصورٌ محصَّنة ذات ساحات صغيرة. ومن ساحة سان جيمي يجري في الاتجاه الجنوبي الشرقي للمدينة شارع الطائفة، وكان هذا الشارع في أواخر القرون الوسطى هو الشارع الرئيس للحي اليهودي، وكانت المقبرة اليهودية تقع في جنوب المدينة، على منحدرات الجبل الذي ما يزال إلى الآن يُدعى جبل اليهود. وهناك العديد من شواهد القبور التي تحملُ كتابات من أواخر القرون الوسطى.

    ثالثا ً: طركونة :

    أتم المسلمون فتحها سنة 95هـ=714م، وفي سنة 193هـ=808م، سقطت في يد لويس التقي، ولكن سرعان ما أجبره المسلمون على إخلائها، فعادت إلى حكم المسلمين. ظل المسلمون والنصارى يتبادلون السيطرة عليها، لأنها كانت مدينة حدودية، ففي سنة 340هـ=950م سقطت في يد النصارى، وبعد سنوات عدة استعادها المسلمون، وبعد بضع سنوات سقطت نهائيا ً في أيدي النصارى الأسبان. وتدل النقوش اليهودية التي وجدت في طركونة ومحيطها على وجود طائفة يهودية كبيرة تعيش في تلك المنطقة منذ العهد الروماني. ويذكر الإدريسي طركونة باسم طركونة اليهود، ويقول عزرا حدَّاد: "وكان يقال لطركونة أيام حكم العرب "مدينة اليهود "لكثرتهم فيها" ومما لاشك فيه أنَّ هذين التعبيرين يعبران عن كثرة اليهودِ في طركونة.

    رابعا ً: طرطوشة:

    وكان الحي اليهودي في العهد الإسلامي يقع في الجزء الشمالي من المدينة، شمال غرب حي ريمولينز . وما يزال أحد شوارع الحي اليهودي في طرطوشة يحمل اسم مدينة القدس، إذ يسمى ، وهناك أحد الممرات في هذا الحي يحمل هذا الاسم أيضاً. وكانت المقبرة اليهودية تقع شرقي سور المدينة، ولم يسلم منها إلاَّ القليل من شواهد القبور. وقد قدِّر عدد سكان المدينة من اليهود في القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي بنحو ثلاثين عائلة. واشتغل يهود طرطوشة بالزراعة والتجارة البحرية المزدهرة، حيث أقاموا علاقاتٍ تجارية مع يهود برشلونة، وجنوب فرنسا.
    وكانت المدينة مركزاً للتعليم اليهودي، وكان الشاعر والنحوي واللغوي مناحيم بن يعقوب بن ساروق من يهود طرطوشة، وقد عاد إليها من قرطبة، بعد أن خسر حظوته لدى حسداي بن شبروط. وثمة يهودي آخر من طرطوشة هو الطبيب والجغرافي إبراهيم بن يعقوب الإسرائيلي الطرطوشي، وهو من معاصري مناحيم بن ساروق. وقد كلَّفه الخليفة الأندلسي الحكم الثاني المستنصر بالله برحلة جغرافية إلى أوربا الوسطى والشرقية لجمع المعلومات عن تلك البلاد. وقد أدَّى هذه المهمة بنجاح وعاد بمعلوماتٍ قيمة.

    خامسا ً: قلعة أيوب:

    "وقلعة أيوب محدثة" بناها المسلمون إلى الغرب من المدينة الأسبانية المهمة بلبلس، وإلى الجنوب الشرقي من سرقسطة، وقد استقرت طائفة يهودية في هذه المدينة في عصر الإمارة، وصارت بمرور الوقت من الطوائف اليهودية المهمة في الأندلس، وفي سنة 1300هـ=1882م تمَّ العثور بالقرب من هذه المدينة على نصب ليهودي يُدعى صاموئيل بن سولومون، مات في 9/10/سنة 991 م. وقد سقطت قلعة أيوب في يدِ النصارى سنة 504هـ=1110م لكنَّ اليهود ظلَّوا تحت الحكم الأسباني يقطنون في المنطقـةِ نفسها التي كانوا يقيمون فيها في عصر الخلافة.
    ويدلُّ العدد الكبير لليهود الذين غادروا المدينة، ويحملون اسم القلعي على كثرة أعداد اليهود الذين كانوا يقيمون فيها أثناء الحكم الإسلامي، وعلى وجود العديد من المثقفين والأثرياء بينهم.

    سادسا ً: روطة :

    تحدثت بعض المصادر الإسلامية ومنها العذري في "ترصيع الأخبار" عن حصن روطة القريب من سرقسطة، ودعته "روطة اليهود". ويصف استقرار اليهود في روطة منذ وقتٍ مبكر. ويستشف الخالدي مؤلف الكتاب أنه من الظاهر أنَّ حصون روطة المنيعة هي التي جلبت إليها اليهود بكثرة، والتي تؤكّد ميل اليهود إلى الاستقرارِ في المدن والمناطق المحصَّنة.
    ولم يقتصر الوجود اليهودي في الأندلس على المدن التي ذكرناها آنفاً، بل تواجدوا في مناطق أخرى. لكننا لا نملك عن استـقرارهم فيها إلاَّ القليل من المعلومات، وهي تشير بالرغم من قلَّتها إلى كثرة اليهود في بعض تلك المناطق.
    ويقدم ابن خلدون رواية تشير إلى وجود العديد من اليهود في قرمونة التي تقع إلى الشرقٍ من إشبيلية وغربٍ من قرطبة"، يذكر فيها أنَّه في الحرب بين المظفر بن الأفطس صاحب بطليوس ومحمد البرزالي الوالي على قرمونة، تغلَّب إسماعيل بن المظفر بن الأفطس على البرزالي، ودخل قرمونة وقتله، وقتل معه خلقاً من اليهود، وذلك سنة 459هـ.
    ويروي كلٌّ من السلفي، وابن أبي أصيبعة ما يدل على تواجد يـهودي في دانية، وعلى أنَّهم تقلَّدوا فيها بعض وظائف الدولة وذلك في عصر الطوائف.
    كما استقرَّ عدد كبيرٌ من اليهود في بيانة القريبة من قرطبة. يفهم ذلك من رواية لابن سعيد يذكر فيها أنها "مدينة اليهود"، وأنها كانت المدينة التي نُفي إليها ابن رشد. حيث يقول: إنَّ منصور بن عبد المؤمن "أمر بنفيه إلى بيانة مدينة اليهود"،
    وكان لليهود وجود في مرسية، حيث روي أن محمد بن أحمد بن أبي بكر القرموطي المرسي من أعرف أهل الأندلس بالعلوم القديمة بنى له مدرسة يقرئ فيها المسلمين والنصارى واليهود.
    وأورد الكاتب شواهد عن وجود اليهود في بلنسية وبياسة ورنده وشوذر ومرتش وبرغش وغيرها..


    ساهم معنا في نشر الموضوع

    التعديل الأخير تم بواسطة روعة محسن الدندن ; 05-18-2019 الساعة 01:32 AM

  2. 11aa

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •