مختصر سيرة الإمام النووى – رحمه الله تعالى –
.................................
ترجع تسميته بالنووي نسبة إلى البلد التى ولد فيها، وهى قرية "نوي" وهى قاعدة الجولان الآن بسوريا.

ولد النووي رحمه اللّه تعالى في المحرم 631 هـ من أبوين صالحين، وقد رآه رجل صالح نزل ضيفًا على أهل البلدة، اسمه الشيخ المراكشي، فقال لأبيه : "استوص به ولقنه العلم فانه يرجى أن يكون أفضل أهل زمانه"
قال أبوه: أمنجم أنت؟
قال الرجل الصالح: لا، وإنما أنطقنى الله بذلك.
وفى ليله من ليال شهر رمضان، وحينما جاء اليوم السابع والعشرون من رمضان، أفاق الولد قبيل السحر وأيقظ أباه وقال: يا أبت، ما هذا الضوء الذي ملأ الدار؟
واستيقظ أهله جميعًا، فنظروا فلم يروا شيئًا.
قال أبوه: فعرفت أنه رأى ليلة القدر.
ولما كان أبوه متذكرا لمقولة الشيخ الزاهد زائر القرية فقد بعث به الى من يعلمه العلم، فأخذ يقرأ على مشايخ أهل قريته ومن حولها ، حتى بلغ مبلغًا من العلم وهو دون الحلم.

الى أن بلغ التاسعة عشرة قَدِمَ مع أبيه إلى "دمشق" لاستكمال تحصيله العلمي في مدرسة دار الحديث، وهى المدرسة العالية في "مادة الحديث" وسكنَ المدرسة الرواحية، وهي ملاصقة للمسجد الأموي من جهة الشرق. وتعرف على الشيخ الكمال اسحاق المغربي ، وهو من تلاميذ الشيخ (ابن الصلاح ) الذين تخرجوا عليه في دار الحديث.

وقد أحب الشيخ "الكمال اسحاق" النووي محبة شديدة، وجعله معيد الدرس بحلقته، وأعطاه غرفة صغيرة في (الرواحية) فبقى فيها الى أن توفاه الله.

وقد كان يقرأ ليلًا ونهارًا، لا يقوم إلا الى الوضوء أو الصلاة، وكان إذا غلبه النعاس، أسند رأسه إلى الكتب، فأغفى ساعة ثم قام، يقول الإمام النووي عن نفسه: لقد بارك الله لي في وقتي واشتغالي وأعانني عليه.

وفي عام 651 هـ حجَّ مع أبيه ، وقد فتح الله عليه بهذه الحجة، ونوّر قلبه، فلما رجع إلى دمشق، صبّ الله عليه العلم صبًا.

كان رأساً في الزهد، وقدوة في الورع، وعديم النظير في مناصحة الحكام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكان يعيش على أقل القليل من الزاد، وربما تصدق منه، وكان يأكل أكلة واحدة بعد العشاء ويشرب في السحر. أما ملبسه؛ فكان – كما قال الذهبى- مثل آحاد الفقهاء من الحوارنة – نسبة الى حوران- لا يؤبه له، وهو ثوب خام، وشيء كالجبة الضيقة.

والإمام النووي لم يتزوج ولم ينظر الى امرأة – ولعل تركه للزواج على ورعه فيه عذر خفي لا يعنينا الحديث فيه-. أما المال؛ فان الإمام قد نفض يده منه أصلا.
كان لدار الحديث راتب كبير فما أخذ منه فلساً، بل كان يجمعُها عند ناظر المدرسة، وكلما صار له حق سنة اشترى به ملكاً ووقفه على دار الحديث، أو اشترى كتباً فوقفها على خزانة المدرسة، ولم يأخذ من غيرها شيئاً. وكان لا يقبل من أحد هديةً ولا عطيّةً إلا إذا كانت به حاجة إلى شيء وجاءه ممّن تحقق دينه. وكان لا يقبل إلا من والديه وأقاربه، فكانت أُمُّه ترسل إليه القميص ونحوه ليلبسه، وكان أبوه يُرسل إليه ما يأكله، وكان ينام في غرفته التي سكن فيها يوم نزل دمشق في المدرسة الرواحية، ولم يكن يبتغي وراء ذلك شيئًا.

ومع كل ذلك فلا يظن أحد أنه كان كالرهبان يعتزل الناس في معبده، ولا يدرى عن دنياه شيئًا، بل كان متعايشًا مع الناس يعرف ما بهم، وكان المرجع في كل حدث يحدث بالبلاد وفى كل أمر جلل، وكان هو طريق الناس إلى الملوك ووسيلتهم في مطالبهم ، فقد كان يعرف كيف يخاطب الملوك، ولم يكن يبالي في الحق سلطانًا.

وقد كان جادّاً في القراءة والحفظ، وقد حدَّثَ تلميذُه علاء الدين بن العطار عن فترة التحصيل والطلب، أنه كان يقرأ كلََّ يوم اثني عشر درساً على المشايخ شرحاً وتصحيحاً، وقد اعتنى بالتأليف وبدأه عام 660 هـ، وكان قد بلغ الثلاثين من عمره، وانتقل ولم يجاوز الخامسة والأربعين، أى أن هذا الرصيد الثري من العلوم كان في نحو خمس عشر ة سنة فقط.

لقد بارك اللّه له في وقته وأعانه، فأذاب عُصارة فكره في كتب ومؤلفات عظيمة ومدهشة، تلمسُ فيها سهولة العبارة، وسطوع الدليل، ووضوح الأفكار، والإِنصاف في عرض آراء الفقهاء، وما زالت مؤلفاته حتى الآن تحظى باهتمام كل مسلم، ومن أهم كتبه التى بلغت الخمسين كتابًا : شرح صحيح مسلم، ورياض الصالحين، والمنهاج في الفقه الشافعى، وبستان العارفين، والأربعين النووية وقد لقي من العناية والانتشار والاقبال على شرحه وخدمته ما لم يلق مثله إلا القليل من الكتب. ولعل حسن النية، وكثرة الورع والزهد، والاعمال الصالحة كان لها عظيم الأثر في عمله.

وكان النووي يومًا في المدرسة الرواحية، وهو في ذروة الشباب، وكان يشتهى أن يسافر الى بيت المقدس، فدخل عليه تلميذه السخاوي، فقال له النووي:
- قد رأيت في المنام انه قد أذن لي بالسفر، فقم بنا حتى نودع أصحابنا وأحبابنا.
قال السخاوي: فخرجت معه الى المقبرة التي فيها بعض شيوخه، فزار ودعا وبكى، ثم زار أصحابه الاحياء وودّعهم ، ورد الكتب المستعارة من الأوقاف.
وتوجه الى" نوى"، فخرج معه جماعة من العلماء الى ظاهر دمشق، وسألوه:
- كم تطول الغيبة، ومتى يكون الاجتماع؟
قال: بعد زمن طويل.

ولما وصل الى نوى مرض في بيت والده، فذهبت لزيارته فيها، فسُر بذلك، ورأيته قد أشرف على العافية، ثم أمرني بالرجوع الى دمشق.
فما مرت أيام حتى توفي في رجب سنة 671 هجرية.

ولما وصل الخبر بوفاته الى دمشق ارتجت البلد، وزلزل الناس، ولم يصدقوا الخبر، فلما تحققوه علموا أنهم فقدوا رجلاً لم يروا مثله أبدا، وزحفت دمشق الى حوران، ومشى جلّة أهلها يتقدمهم قاضي القضاة والعلماء والشعراء والخطباء، وكان يوما من الأيام التي لا تنسى.

رحم اللّه الإِمام النووي رحمة واسعة، وحشره مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، وجمعنا معه تحت لواء سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم.


ساهم معنا في نشر الموضوع