من نهر الشوق

الغوص في نهر الحب تنقيب عن الجمال ،ورحلات استكشافية ملؤها الحب والخير والحق.
أنهار الحب وبحار التصوف تموج بالأسئلة والغرقى وكنوز لا تحصى بلؤلؤ مكنون ،لا يستخرجه إلا عشاق تجاوزوا عوالم الطين نحو الفضاء ،تاركين وراءهم حكايات تحاكي الأساطير وتلامس الخرافة.وسباحين في بحار الهوى أشرعوا قلوبهم نساء ورجالا ،للريح تعصف بعقولهم وأوردتهم ،وقد أورثونا الذهول من سيرهم وآثارهم حتى عشقنا دخول ركابهم ،لنفهم ونشعر ولو قليلا بما عرفوه فأوصلهم بعد مسيرات من المعاناة ،إلى حدود العذاب والموت تربعا فوق قمم الخالدين.
كلمات بحار الحب وأنهاره وينابيعه تصب في طوفان الماء ،لأنه أصل كل شيء حي فوق كوكبنا المتواضع أمام كم الكواكب والمجرات المهولة العدد والعظمة ،ولهذا ظل هو رمز الخصوبة والنماء كما كان موجودا قبل أن يبدأ البدء وينطلق التكوين البشري بكل الحب.بل قبل أن تخلق الأرض من الانفجار العظيم ،ويبتسم التراب للشمس الساطعة مستحما بالطل والمطر ،وينشق إلى أجزاء بزلازل الغضب المتهاوي في النهاية ،بين أحضان السلام المزروع بالحب والشوق إلى معانقة الكمال.
يقول محمد بن عبد المنعم الخيمى متسائلا عن طريق الوصال ،وحرارة الشوق تحرقه بلوعة الفراق وظمأ الحرمان:
يا أهل ودى يا مكان شكايتى
يا عز ذلى يا ملاذ رجائي
كيف الطريق إلى الوصال فإننى
فى ظلمة التفريق فى عمياء
ما ضركم أن تنقلوا بوصالكم
سرى من الضراء والسراء
روحى تدور على الورود ظمأ وقد
جاءتكم تمشى على استحياء
أشك وغليلا ليس يملك ريه
برد النسيم ولا زلال الماء
لم يرونى إلا صريح وصالكم
فصبابتى لم تر وبالإيماء
قد حل حبكم عقود مدامعى
وأجاد فى إحكام عقد ولائي
فإذا بكيت فمن سرورى بالذى
فيكم بلغــت من الغــرام بكائي
ينابيع نهر الشوق متفجرة من جوف آبار العشق ،الذي عرفته كل العصور على اختلاف المعتقدات والأديان والأفكار ،كل بما يقربه الى المحبوب المتعالي عن اللمس والنظر.
من حرقة الاغتراب ينبع الحنين الجارف الى المحبوب البعيد ،الغير قابل لقبول الوصال وإطفاء لهيب الشوق الحارق.الشوق إلى الشيء يعنى فيما يعنيه الاغتراب عنه.فالمشتاق المغترب عمن يحب لا ينتهي شوقه إلا بوصال.لكن المحلق الى معبود روحه بقلبه المكتوي اذا ما وصل درجة من درجات الوصال قد يشتاق إلى غيرها.وإذا ما وصل إلى النهاية محققا مأربه من القرب والتلاحم ،يتوق إلى الملازمة التي هي في النهاية مستحيلة إذا ما اختصت بالغائب تحت قهر العوائق أيا تكون والحاضر في الوجدان بلا ميل إلى المغادرة.لأن النفس العارفة بجمال الفضاء والتواقة إلى سبر أغواره ،لا تنبض فى طيرانها بعيدا عن دنيا الزيف المحيط بوجودها الأرضي ،إلا بين الشوق في دوران التحليق وجبرية النزول بقانون الجسد.
الشوق سفر الارواح نحو المعشوق واحتياج دائم الى لقائه ،فيزيد التهابا حتى في عز القرب والوصال بلا زوال ، ولهذا قيل :
وأبرح ما يكون الشوق يوما
إذا دنت الخيام من الخيام
اني في ولوج بوابة التصوف بغض النظر عن سلبياته في نظر البعض وايجابياته عند آخرين ،أجدني مثل تلك العاشقة المبتلاة بالشوق في اندفاعها المتهور بلا هدف ،سوى احتضان ملكوت الحب والسلام.فلا لوعة مهما تحرق أضلعي قد توقف عنفوان تحليقي ،ولا دمعا مهما ساح فياضا ملهبا وجهي وجيدي ،قد يطفئ شوقي الابدي الى لقاء من أهفو إلى قربه.
يقول أبو الحسن الصباغ :
وردنا على أن الهوى مشرب عذب.....حط به للسفر أشواقه الركب
فلما وردنا ماءه ألهب الظما....ألا من رأى ظمآن ألهبه الشرب
ولو أننى أخليت قلبى لغيركم.....من الناس محبوبا فما وسع القلب
فعبارة :ألا من رأى ظمآن ألهبه الشرب تؤكد استمرار الشوق ،واهتياجه بالوصال ،ولذلك ظل الشوق عند الصوفية مرتبطا بالحزن ،لما تكنه النفس من ألم الفراق.فالحزن الساكن اوردة الصوفي أو الصوفية يوحى بما يحرق من حرمان لبعد الحبيب.ولهذا فالشوق وحده يذيب العراقيل ويبسط الجهد ويستهين بالدمع والدم ،ولو كان تحقيق اللقاء بالمحبوب بعيد المنال.فهذا الإحساس بألم الفراق ناتج عن امتلاء قلوب المحبين بالمحبة ،دون التفكير في نتائجها والمراد الواقعي منها.
يقول الطوسى: وسئل بعضهم عن الشوق فقال :هيام القلب عند ذكر المحبوب.
وقال أبو سعيد الخراز رحمه الله :ملئت قلوبهم بالمحبة فطاروا بالله عز وجل طربا وهاموا إليه اشتياقا.



لدى بعض الباحثين في نشأة التصوف ،أن أخطر المراحل التي مرّ بوحشيتها التصوف هي المرحلة الثالثة ،التي ضمّت ابن عربي والحلاج وجلال الدين الرومي وابن الفارض وغيرهم.لأنها في ظنهم كانت غير محلية المنبع ،بل كانت معتصرة من الفلسفة البوذية والتعاليم الهندية وغيرهما ،مما جعل منها رافدا ضم مختلف الثقافات والحضارات الشرقية.
لكن لا يمنع ان المسيحية نفسها واليهودية عرفتا مثل بعض الديانات الوضعية نزعة الزهد ،ومحاولة الذوبان في المعبود ترفعا عن كل ما هو زائل الى درجة المبالغة غالب الاحيان.


وقد قيل أن كلمة صوفي اطلقت لقبا لأول مرة في التاريخ الإسلامي في النصف الأول من القرن الثاني للهجرة ،على أبي هاشم الزاهد البغدادي وعلى الكيميائي الشهير جابر بن حيان الكوفي.
وقبل هذا التاريخ كانت تستخدم صفة ( زاهد) لمن لقبوا فيما بعد بالصوفيين والكلاباذي يذكر تعريفات عن سبب التسمية للصوفية ،فجاء في قوله : قالت طائفة إنما سميت الصوفية لصفاء أسرارها ونقاء أثارها وقال بشر بن الحارث الصوفي :من صفا قلبه ،وقال بعضهم الصوفي من صفت لله معاملته ،فصفت له من الله عز وجل كرامته.
أنْ تَكونَ صُوفيّاً مشتاقا للكمال يجب أن تتفانى ايضا في نفع الإنسان حولك بروح الفطرة الإنسانية وكمال السماء ،من اليسر في المعاملة إلى رفع الحيف عن الضعيف والتصدي للفساد المورث للظلم.أي أن تكون السالك السهل الطريق إليه.لأن الدنيا حينها لن تساوي في عينيك حبة من خردل ،فقط لوصولك إلى نقطة الشموخ بالتضحيات ،والانتشاء بنيل البركات وأوسمة الكرامات.
وقد استُخدمت كلمة العشق في توصيف العلاقة بين العبد وربه ،لكن كانت أشهر من استخدمت هذا المصطلح هي رابعة العدوية ،انقطاعا كاملا عن متع الدنيا والإفراط في الزهد حد المبالغة.
لكن أجمل الارتفاع عن سواد الأرض متى غزا ترابها ومياهها وهواءها ،قد لخص في قول محي الدين ابن عربي ،الذي غرق في بحر الهوى الرباني ،ونهر من التيه يبعد عن قفار التفرقة والميز وتناقضات المصالح ،نحو ضفاف الإنسان الذي وحده يستحق التكريم ،إن سما بالعشق دون سواه.
لقد صار قلبي قابلًا كل صورة فمرعى لغزلان وديرٍ لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنّى توجهت ركائبه؛ فالحب ديني وإيماني


ساهم معنا في نشر الموضوع