الحمد لله الذي بفضله تتم الصالحات من الأعمال ولو ما هدانا الله
لما إهتدينا وما بلغنا المراد وفي غياهب ظلمات الجهالة بقينا
والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير الأنام وخاتم المرسلين وبعد:
ما من أدبٍ إلا ولم يكتمل .. فالأصل في الكمال أنه لله وحده،
إنما الأدبُ يتوهج تألقاً بقدر ما كان سعى الأديب به نحو مناحي الكمال .

وإني لأمقت تصّيد مزالق الأدباء بقدر ما تطيب نفسي بالبحث عن منابع الجمال وفي كوامن الأسرار،
لما غرسوا من رهافة الحس على الورق ..
بما هو مكنون في الذات الجميلة للإنسان، وبما هو كائنٌ في الموجود والوجود .. الواقع والحياة،
ولما قدموا من ذائقةٍ فلسفية وبلاغية لبلوغ غاياتٍ لا عدّ
لها معرفية إنسانية .. أورثوها للبشرية.
فلا تحسبَ أن في رأي تملقاً إلا أني سعدتُ بالمطالعةِ مراتٍ ومرات على مدار نظراتٍ وتأملات
في أدب محمد علي قدس .. ومن الجُور بمكانٍ في حقه ..
بعد ما كان قد بُذل في مسيرةٍ معطاءةٍ طويلة .. مع القلم والأدب أن يصنف أسلوب رسمه
أقاصيصاً أو كتابةً مسرحية مُبدعة وحسب.
***

أدبه لمِن هو قارئ حاضر الذهن مع الأديب ـ وما في ذلك جدل ـ وحتى ذلك الحاضر الذهن
لا يستمر في القراءة إلا إذا ماكان ذواقاً للأدب وذو سليقةٍ ناقدة،
وإذا ما إستمر الحاضر الذهن في القراءة فإنه ولا بدَ من قارئ مرة وعدة مرات.
سيظل أدب محمد علي قدس مختلفاً !!، فإذا ما كانت الكتابة تعتمد فيما تعتمد
على فنِ الحوار والحركة وإلإلتفاتة والإيماءة، وموسيقى النص التصويرية المأخوذة
عن ما هو مكتوب في سياق النص فعلاً .. المُترجِمة بحذاقة لرؤية وتصور الكاتب،
فإن أدب محمد علي قدس وبحبكة غاية في البراعة .. من الصعب بمكان تحويله إلى
مسرحٍٍ مألوف ولو هُيئ له الكادر والمخرج الجهبذي، وحتى إذا ما نُفذ وأًخرج أدب محمد علي قدس ..
فسيأتي الإنتاج مبتورا!، ذلك أنه ما تمثل ما جاء في النص الأدبي
كما جاء به قلم الأديب، ويكون محمد علي قدس بذلك قد إنتصر للقراءة ..
والقراءة فقط، لِمَ في تفاصيل أدبه من ملكاتٍ تخصه وحده.

محمد علي قدس يكتب أدباً مسرحياً أيضا بملكاتٍ كمثل خيول جامحة. بعضها يُُسابق بعضاً
فيما يُعمل الأديب فكره وكيانه، منذ بداياته .. لغته شاعريه وقد أفلتت بعد جهدٍ
من سلطة العامية وقيدِ التقليدية وملاحقة الخِطابية. وأتخذ الأديب لغةً تميز أسلوبه
وأنطلق عنانه في عالم الأدب والأدباء .. وبرحلةٍ حلق مع القلم إنسان، وتملّك قاموساً
مُفعم بالخصوصية !!. يُغدق علينا فيوضاتٍ من إحساس الأديب، بلغةٍ تُُسعف خيالاً متقداً
بتفاصيل مذهلة إنسانية .

محمد علي قدس لغته لا تأتي من صوت العقل وحده ولا من صوت العاطفة وحدها،
إنما لغةٌ تزاوج بين العقل والعاطفة تقصُ علينا بكِياسة، لغته يمكن أن نقول فيها الكثير.
محمد علي قدس أديب يكتب فلسفته الحياتية ببلاغياته الأدبية الثرية الغير معهودة ..
بلا خوف أو وجل .. مفعماً بالثقةِ في نفسه وبالجسارة ومتأثرأ فيما تأثر بالقرآن الكريم،
فبحسِ الفيلسوف يلتقط السكنة في لحظةِ غفلةٍ منا، فلا تفلت منه إلا وهي على الورقة
تنتفض نشوى، وقد بثّ ألمعية كيميائيّ روح النص في السكنة فإذا هي .. حركه، ولا
غرابة أن نقرأ في نصوصه ميكانيكية الحركة، يأتيها تارة .. وتأتيه تارات ..
ببراعة فيزيائيّ يمتلك ناصية القلم .. والكلمة آداته السحرية لبلوغ النفس الإنسانية،
ولِمَ االعجب إذا ما كانت القصة تكتبه ولا يكتبها.

محمد علي قدس إتخذ لمجموعاته القصصية
بداية بنقطة ضعف ـ
مواسم الشمس المقبلة ـ ا
لنزوع إلى وطنٍ قديم ـ
هموم صغيرة ـ
ماجاء في خبر سالم،
مسميات إرتقتْ تدرجاُ على مدار مسيرته الأدبية من
الإعتيادية إلى الشاعرية إلى المثالية وصولاً إلى الفلسفية،
وعموماُ هي مسميات تُنم عن فكرٍ راقي جانبت الإنسانية.

محمد علي قدس سجّل الإرهاصة الأولى المُبشّرة بموهبته
منذ بداياته في مجموعته نقطة ضعف حين كتب تحديداً قصصه ..
وأقبل الشتاء 1966ـ الإنتظار 1967 ـ الضجر 1972 ـ عندما يموت الحب 1973.

محمد علي قدس يولي البعد البشري جُلَ إهتمامه متحمساً للإنسان ..
فإنسان قصص محمد علي قدس كادح .. وفي العرق!، ومُنشغلٌ أديبنا بقراءة نفسية
هذا الإنسان رجلٌ وإمراة سيان !، وإذا ما قرأ لنا في نفسية طفلٍ فما القراءة ببعيدةٍ عن الواقع والحياة، ..
مُحولاً القلم لآلة تصوير! وهذا مشهودٌ له به، ثم يأتينا
بالزمان فما تكاد قصةٌ تخلو من ذكرِ آلة الزمنِ .. ومتى أفلت الإنسان والمكان من عجلةِ الوقتِ !!.

محمد علي قدس يسافر بوجدانه وخياله في ماوراء الطبيعة (الميتافيزيقا)
مغترباً مع مكنون الأشياء .. متسائلاً " ما لموت؟" والوحدة ديدنه .. الوجه العربي يغريه
بالتأمل فإذا ما صرّح به .. لَمّح، الضوء دائماً مستضاف .. والعتمة الأساس،
يجهر بالصمت فلنفسه خلجات لا تنطق إلا على بياضِ الورق .. فيبوح بما في الإنسان.
محمد علي قدس مُولع بالحياة الإنسانية حتى النخاع ..
مشفق على آلام الإنسان .. يعتصر بقلبه يبذل من فكره لمسح المعاناة عن البشرية ولو بقلمه ..
نفسه مرهفة تتوق لراحة الإنسانية ولخلاصها من الأنكاد ..
مؤرقه ضعف المرأة .. شاغلته همومها .. جارف كيانه عذابها .. قاهره أن الرجل مغتال في أحيان أمنها وأمانها ..
متوسلاً الحياة القاسية أن ترحم قدرها.

وانت تقرأ تشعر بالأخلاق وهي على الورق ـ في طيات القصص ـ
قيمة يغذيها ويثريها أديبنا بعبقريته الأدبية، في ترابط وتواثق بليغ الأثر سيان،
كمثل تلك المعاني التي تختزنها القصص في الوجدان.
وأنت تقرأ تشعر بصوتٍ ذكي يدرك متى يأتي ومتى عليه أن يرحل ..
صوتٌ يسحبنا في عمق النص، وما تشعر إلا والصوت يُعدّك لليقظة
وقد غير من وعيك وهيأ في شخصيتك .. شيئاً ما من حيث لا تدري.

وأنت تقرأ تشعر بالأدب عالم محمد علي قدس حتى إذا ما إنتهى من كتابته،
وضع القلم .. وما ودع القصة.. إنما آثرالرحيل .. مع قصصه بدموعه وشخصه،
وأرقُ ما يُسقط أديبنا من ذاته المرهفة الدموع .. دائماً هناك .. الدموع،
فتُحسُ في طياتِ الأقاصيص .. بإنسانٌ تُحبه .. تتمنى بصدقٍ لقاؤه .. بعدٌ آخـر.
بقلم/ اعتدال طلال السباعي


ساهم معنا في نشر الموضوع