النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: (La conquérante): القاهرة

  1. #1
    كاتب جديد

    تاريخ التسجيل
    Apr 2018
    الدولة
    المغرب
    رقم العضوية
    3611
    المشاركات
    25

    (La conquérante): القاهرة

    جوهرة الشرق والمدينة العملاقة بين مدن الشرق كلها ،عاصمة الجمهورية المصرية وأهم مدنها على الإطلاق ،والتي أسالت مدادا بحجم السيول تأريخا وكتابة وتدوينا.
    هي المدينة التي بناها الحلواني جوهر الصقلي بأوامر من الخليفة الفاطمي المعز لدين الله ،فأخرج عشقه لمهنته الأولى كحلواني بين خرائط القاهرة ،بذوق الحلاوة التي سكنته حين كان صبيا حرا بين ازقة كرواتيا.قبل أن يؤسر في حرب ظالمة ككل الحروب التوسعية بين كرواتيا وفينيسيا ،ليباع مملوكا في صقلية حيث شب ملتصقا اسمه بترابها ،إلى أن بيع للخليفة الفاطمي وترقى بين جيوشه ليصبح وزيره والقائد الأعلى.
    فالقاهرة التي تعني الغالبة والمنتصرة في جميع اللغات ،رسم جوهر بأيدي مهندسيه العباقرة الذين رافقوه من كل الأجناس أبوابها الثمانية ،لتفتح مع شروق الشمس مشرعة حضنها لتدفق الجموع نحو ملاذها.بينما ظل باب الفتوح منفذا لخروج الجيوش ،نحو التوسعة بنظرية الفتوحات والغزوات ،لأنه الباب الذي حمل اسمه كما غالب اسماء الأبواب الأخرى من بلاد المغرب ،حيث تبلورت النواة الأولى لفكرة تضخمت بموج الطموح العظيم ،لتصبح القاهرة قاهرة بعظمتها وأمجادها بامتياز.
    فشارع المعز شق المدينة من شمالها نحو جنوبها ،مخرجا من بين جوانبه عدة شوارع تتفرع من كل منها حارات ،ولكل حارة باب يغلق على أصحابه ليلا تأمينا وأمانا ،وطلبا ليسر الحماية والمراقبة المطلوبة في كل زمن.فأزهرت التجارة حتى أضحى شارع المعز ينتفض ب،آلاف الحوانيت والمتاجر المجلوبة بضائعها من الشرق والغرب.
    إنها المدينة الأكبر عربيا من حيث تعداد السكان والمساحة ،والثانية افريقيا والسابعة عشرة عالميا ،أيضا من حيث تعداد السكان الذين يمثلون أكثر من عشرة في المائة من تعداد سكان مصر كلها.والتي عرفت أجزاء قديمة من ضواحيها تاريخيا منذ العصور القديمة ،مثل منف وهليوبوليس (مدينة الشمس أو أون باللغة المصرية الفرعونية) وحدة كاملة ،منذ أن برع الملك نعرمر بداية سنة 3200 ق.م في توحيدها.
    ورغم كل الشواهد الذي تريد جعل القاهرة عاصمة قديمة ،خاصة بعد بناء حصن بابلي 98م في العهد الروماني عند رأس الدلتا الذي لازالت آثاره قائمة ،فالحصن بني للدفاع عن وجهي مصر القبلي والبحري ،حين توطدت الصلات بين مصر وحوض البحر الابيض المتوسط من ناحية ،وبينها وبين البحر الاحمر من ناحية أخرى ،في ظل أزمنة غلت بالفتن والحروب وأحلام التوسع ،التي كانت ولازالت تجتاح أي بلد يضمن الرخاء والسيطرة.لكن المدينة لم تصبح عاصمة بكل الفخامة في الأذهان والتاريخ الصارخ بالعبقرية والجمال والأهوال ،إلا حين شيدت تحت رعاية الفاطميين باسم القاهرة.
    وقيل أنه قبل وضع الاساس لبناء القاهرة أتى جوهر بالعرافين المغاربة
    ،وطلب منهم أن يختاروا توقيت وضع الاساس حتى يكون طالعه ميمونا ،فأحاط المدينة بقوائم خشبية بوضع حبال بين كل عمود وآخر تتدلى منها أجراس ،لتدق كلها في وقت واحد عندما يعطى العرافون الإشارة للبدء السعيد.لكن اثناء تشاور هؤلاء بين حساباتهم الفلكية وقف غراب فوق أحد الحبال ،فدقت الأجراس وظن العمال أنها الإشارة المتفق عليها فقاموا برمي الأساس ،فتصادف أن ظهر في السماء في هذا التوقيت كوكب المريخ الذي يطلق عليه "قاهر الفلك" فسميت القاهرة.
    وكان شارع المعز قلب المدينة ،لأنها من البداية لم تشيد للحروب ،بل لتضاهي عواصم الشرق آنذاك حضارة وعمرانا ،فتبنى الخلفاء الفاطميون فكرة إنشاء المكتبات التي كانت أشهرها على الإطلاق مكتبة القصر الشرقي الكبير ،التي ضمت أندر المؤلفات في سائر العلوم والفنون والآداب.كما كانت تحتوي على أكثر من مليون وستمائة ألف مجلد ،لتصبح من عجائب ذلك العصر.وكان أحد الخلفاء الفاطميين وهو الخليفة العزيز بالله مولعا بالتردد على هذه المكتبة لينهل من علومها ،وليزودها بأندر ما يصل إليه من مؤلفات قيمة لا تهدى إلا للملوك العظام.لكن بعد سقوط العهد الفاطمي بما له وما عليه ،أحرق جزء كبير من المكتبة وبيعت أغلب تلك الكتب والمجلدات القيمة ،تحت ذريعة القضاء على الفكر الشيعي.دون نسيان ذكر دار الحكمة التي أسسها الحاكم بأمر الله قبل أن تنهي مأساة المجاعة العظمى رونق عطائه ،وزودها بمكتبة كبيرة عرفت بدار العلم حينها.وكان هذا الخليفة الذي تناثرت حوله أمواج من غبار الشائعات وبعض الحقائق ،و رغم كل ما ذكر عنه من سلبيات ،قد سمح للعامة بارتيادها للنسخ والإطلاع.
    لم يترك الفاطميون شيئا يظهر عظمة عصرهم إلا وأدخلوه دواوينهم ومجالسهم ،فلم تكن مخالفة البروتوكولات هينة أبدا لحفظ مقامهم ومقام المدينة العالي.بل على الرسل والوفود الترجل من فوق خيولهم أمام أبواب القاهرة ،قبل السير على الأقدام محاطون بصفين من الجنود نحو أبواب القصر السلطاني ،ليتلقاهم حراس بهيئة فاخرة ،يرافقونهم للدخول على الخليفة لتقبيل الأرض في حضرته وقد نزعت سيوفهم.حتى رددت بعد الدولة الفاطمية المقولة الشهيرة:ذهب العز مع المعز وسيفه ،كنوع من رثاء عصر اتسم بالرخاء والقوة ،كلما رأى الناس ما لا يعجبهم من أحداث ومشاهد بعده.فالعصر كان إلى جانب بعض سلبيات القوة يضج بالاحتفالات والمواكب المذهلة البهرجة والجمال ،حتى أضحت لكل واحدة من الولائم المخصصة للمناسبات المتناسلة حلويات خاصة ،وأصبحت كل الليالي أشبه بليالي ألف ليلة وليلة.
    فمن الموروثات الشعبية التي حملوها من بلاد المغرب ،وتأصلت بالتمازج حتى أضحت من العادات المصرية العريقة ،الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج والنصف من شعبان وعاشوراء وتناول الكنافة والقطايف ،دون نسيان الفانوس الذي صار رمزا حيا لشهر رمضان.كما المسحراتي الذي لا تراه وتسمعه غالبا إلا أرض مصر والمغرب ،لأن الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله طلب في البداية من بعض جنوده المرور على البيوت لإيقاظ النائمين ،ثم اضاف وظيفة المسحراتي رسميا وليس تطوعا كالسابق ،بعد أن زود مسئوليته بطرق الأبواب بعصا تلازمه ،قبل أن تتطور العصا إلى طبلة يدق عليها دقاته المنتظمة لإيقاظهم.
    ولأن هذا العصر ظل غنيا بالحكايات العديدة لوهج البداية والعظمة ،فقد اشتهرت موروثات أخرى عنهم كالعروسة والحلاوة.حيث يروى أن الحامل بأمر الله أمر ،بإقامة حفلات الزواج فقط في عيد المولد النبوي ،فأصبح هذا اليوم يوم الموالد والأفراح بامتياز ،ليبدع كل حلواني بالسكر المعقود عرائس جميلة ،أضيف إليها فرسان فوق الأحصنة كرموز لشجاعة العرسان ،إلى جانب جمال العرائس تيمنا بالارتباط السعيد.
    فالفاطميون بعد أن قامت دولتهم في المغرب بأربع سنوات ،تطلعوا إلى فتح مصر لإمساك بوصلة العالم المشرقي ،لتتوالى محاولاتهم لتحقيق هذا الحلم ابتداء من عام 301 ه_ 913م ،غير أنها لم تكلل يوما بالنجاح.لكن عزمهم على بسط نفوذهم عبر أراضيها لم يزدهم إلا إصرارا ،حتى أن المعز كان متابعا لأخبارها وتطور الأوضاع السياسية والاجتماعية داخلها ،مزودا عتاده وأعداد جنده لتحقيق حلمه العظيم.في حين فشلت الدولة العباسية بالحفاظ على مصر تحت سيطرتها ،رغم جهودها لدرء خطر الفاطميين.فلم تفلح سوى بدعم وجودها العسكري ،بإسناد ولاية مصر إلى محمد بن كغج الإخشيد الذي نجح مؤقتا في صد تقدمهم.بينما انشغل المعز بتطوير سياسته الرشيدة في إدارة بلاد المغرب ،مصلحا ما أفسدته ثورات الخارجين على الدولة بجيش قوي ،وموحدا تحت رايته غالب بلاد المغرب إلى جنوب إيطاليا.
    في حين كانت مصر تجابه الغلاء في مرحلة اقتصادية هشة يسببها غالب الأوقات نقص ماء النيل ،ومختلف ظروفها العصيبة الأخرى ،لعجز الدولة العباسية الراعية حينها ولنفوذ بني بويه ،وفشل أبي الفضل جعفر ابن الفرات في إدارة أحوال البلاد والعباد.كما دعاة الفاطميين الذي زرعوا أتباعهم مبشرين ،بقدوم العهد الزاهر الجديد ،مما دفع الغالبية المقهورة والطامعة في النفوذ على السواء للاستجارة بالفاطميين ،مزينين لهم القدوم لرفع الظلم والحيف والفقر عن أرض مصر.إلى أن توفي كافور الإخشيدي ،فاقتلعت على الفور آخر حجر عثرة في طريق الفاطميين الذين لم يتناسوها لحظة ،ليدخلوها فاتحين بأحلامهم الراسخة ،ومعظمها كان التوسع شرقا لمجابهة الخلافة العباسية ،بعد أن قويت شوكتهم واتسع نفوذهم للتواجد أخيرا داخل قلب العالم الإسلامي.
    لهذا سيبدأ الفاطميون استعدادهم للاستقرار إداريا في مصر ،باتخاذ كل الإجراءات من حفر الآبار وتشييد الاستراحات ،على طول الطرق المؤدية إليها.وعهد المعز بأمور كل مشاريعه هذه ،إلى ولده تميم زيادة في الاحتياط وعدم ترك الأمور على عواهنها.حاشدا في آن واحد جيشا عظيما من القبائل الأمازيغية تحت شعار تحرير مصر ،جعل قيادته لواحد رآه الأكفأ والأجدر هو جوهر الصقلي ،الذي كان قد نجح أصلا في بسط نفوذ الفاطميين على الشمال الإفريقي.فلم يجد الجيش مقاومة تذكر حين دخوله مصر في 17 من شعبان 358 ه _ 6 يوليو 969 م ،بعد أن أعطى الأمان الشامل لكل المصريين.
    فكان أول ما قام بعمله جوهر بعد بسط الأمن ،هو بناء عاصمة جديدة تليق بالدولة الفتية القوية ،ليضع لبنة تشييد القاهرة يوم وصوله إلى الفسطاط ،في الشمال الشرقي منها بناء على توجيهات المعز.ثم نظم فرق الجيش والقبائل من إقامتهم إلى ضبط أمورهم ،ليشرع مباشرة في تأسيس الجامع الأزهر محيطا المدينة بور من الطوب اللبن ،جعل له أبوابا مختلفة أشهرها باب زويلة وباب النصر وباب الفتوح.قبل أن يتولى أمور المدينة نيابة عن المعز أربع سنوات ،عدت من أهم مراحل التاريخ الفاطمي فوق ارض مصر ،لسياسته الهادئة العقلانية التي أحدثت تغييرات إدارية ومذهبية ناعمة ،مغيرا في بعض التفاصيل كالآذان الذي زوده بعبارة حي على خير العمل ،ربما لدفع الناس إلى الفخر بالعمل رفعا للبلاد ،وجهر بالبسملة في قراءة القرآن أثناء الصلاة ،وزيادة الخشوع أو القنوت في الركعة الثانية.على أن يضاف إلى خطبة الجمعة الكلمات التالية : (اللهم صل الله عليه وسلم على محمد المصطفى ،وعلي المرتضى وفاطمة البتول ،وعلى الحسن والحسين سبطي الرسول ،الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا )
    كما لم يغفل عن إجراء عدة إصلاحات اقتصادية كسبا لقبول الأمة ،مؤمنا حدود مصر الشمالية متفوقا في ضم الشام ،مثل كل حالم باحتضان أرض استراتيجية لتولي الحكم في مصر.قبل أن يرى أن الأوان قد حان لقدوم المعز ،واستقباله في القاهرة عاصمته الجديدة ،فكتب يدعوه إلى القدوم ليغادر المعز المنصورية المتصلة بالقيروان حيث كان يقيم ،ويأتي حاملا كل كنوزه وذخائره وأمواله ،دون أن ينسى توابيت آبائه وأهل بيته في 21 شوال 361 ه _ 5 اغسطس 972 م ،مسلما الولاية لبني زري الأمازيغيين ،الذين استقلوا بعده بالسلطة اول ما علموا أن الفاطميين استقروا في مصر استعدادا لقهر العباسيين ،ولم يرحلوا لتحرير أو غزو جديد.
    وفي 17 رمضان من نفس السنة أقام المعز في القصر الذي شيده لأجله جوهر ،وفي اليوم الموالي كان يباشر أول أعماله باستقبال مهنئيه ،لتنقطع تبعية مصر للخلافة العباسية السنية.جاعلا من مصر قلب العالم الإسلامي بتفجير طاقاته السلطوية ورعاية أحوال الناس ،ونشر الدعوة الاسماعيلية والتطلع نحو بسط نفوذ أكبر.فأنشأ لأمواته مدفنا أطلق عليه تربة الزعفران (مكان خان الخليلي حاليا) لكنه رغم إعجابه بالمدينة التي سميت المنصورية تيمنا بعاصمته القديمة ،إلا أنه عاب على جوهر بعدها عن النيل.
    فكان لكل هذا بصمة محفورة في إعطاء القاهرة رغم سقوطهم فيما بعد ،دورها القيادي في الوقوف أمام المد الصليبي وهجمات المغول ،وهو ما أظهر أن العالم الإسلامي كان بحاجة إلى مركز متوسط للقيام بمثل هذه الأدوار ،وهذا ما تنبه إليه الفاطميون وأثبتته أحداث التاريخ من قديم الزمان ؛وهذا أيضا ما كانت تشغله الإسكندرية قبل القاهرة في العصر الروماني البيزنطي.
    فالمعز لدين الله الذي ولي الخلافة الفاطمية في سنة 341هـ= 952م خلفا لأبيه المنصور أبي طاهر إسماعيل ،هو المعز أبو تميم معدّ بن منصور رابع الخلفاء الفاطميين في إفريقية ،والأول في أرض مصر المحروسة الذي نجح ،لأنه كان رجلا مثقفا يجيد عدة لغات ،مولعا بالعلوم والآداب ومتمرسا بإدارة شئون الدولة وتصريف أمورها ،كما كان كيسا فطنا حظى باحترام رجال الدولة وتقديرهم.منتهجا سياسة مرنة اعتمدت بشكلٍ كبير على جميع مكوّنات المجتمع العرقيّة والدّينيّة ،فكان الوزراء وقادة الجيوش من التّرك والصقالبة والأحباش والأرمن.مما جعل هذا الخليط العرقي يساهم في تثبيت أركان الدّولة الإسلاميّة ،قبل أن يتحوّل إلى وبال عليها لاحقاً ،اول ما ساد نظام الإقطاع.لكن أزهرت الدّولة الفاطميّة بمراحلها الذهبيّة قبل أفولها ،خاصّة في عهد العزيز بالله الذي بلغت الدّولة في عهده أوج اتساعها ،بعد أن سيطرت على أجزاء كبيرة من الشّام والحجاز ،مهددة مركز الخلافة العباسيّة في العراق.
    ولم تطل الحياة بالمعز ليرى بعينيه كل ثمار أحلامه وجهوده ،بمزج الأجناس التي رافقته بالوطن البديل رغم سلبيات سياسة الغزو المعتادة ،والسهر على فتح الآفاق لمستقبل زاهر ،رآه يليق بما درسه عن سير الدول العظام ،لينجح كأول خليفة مثقف يحكم من قلب القاهرة ،مجيدا العديد من اللغات والعلوم.قبل أن يتوفى في القاهرة في 16 من ربيع الآخر 365 هـ= 23 من ديسمبر 975 م ليخلفه بنيه وأحفاده.
    وستمر مصر من مراحل شتى متناقضة الأحداث والصراعات ،وبعض فترات الأمن والرخاء ،إلى أن اضمحلت وساءت أحوالها بالخصوص أثناء سنوات المجاعة الشهيرة ،التي عصفت لعنتها بالبلاد والعباد بمختلف الأوبئة والدمار لسنوات.لتسقط آخر قلاعها تحت أيدي الايوبيين ،بدخول مصلح قيادي جديد بآرائه وأفكاره ،ورؤيته الجديدة لحياة أخرى بعيدا عمن سبقوه إلى أرض مصر ،وهو صلاح الدين الأيوبي.
    لكن قبل الحديث عن الدول المتعاقبة التي تلت الفاطميين ،علينا تذكر مدينة الفسطاط التي شيدت القاهرة نواحيها.وإن ركزنا على العهد الفاطمي بالضرورة ،فلما له وما عليه من جبروت العطاء والقوة والتناقضات الفكرية والسياسية ،ولأن القاهرة ولدت على أيديهم أيا تكن سلبيات بعضهم بعد التشييد أو قبله.فالفسطاط وجامع عمرو أول أثرين اسلاميين في مصر ،ويرمزان إلى مرحلة مهمة ومحورية لبداية العصر الإسلامي ،بعد أن ظلت الإسكندرية التي سيأتي دورها في الإشادة فيما بعد ،عاصمة مصر القوية منذ شيدها لاسكندر عام 332 م ،مرورا بالإغريق والبطالمة والرومان والبيزنطيين.
    فعمرو بن العاص وجد نفسه مضطرا لترك الاسكندرية كعاصمة ،لإمكانية تعرضها من البحر لأي غزو ممكن ،كما سيحصل بعد عزله عام 646 م من هجوم البيزنطيين بأسطولهم ،مما اضطر المصريين إلى الاستنجاد بالخليفة عثمان ليعيده.وأيضا لم يرد عمرو لشعوره بالغربة ربما كأي الوافدين لإرساء سلطة أو مصالح أخرى ،أن يشعر بالبعد عن المدينة المنورة التي قدم منها ،والتي ربما قد يصعب على أهلها نجدته ،إن تعرض لغزو ما.فدفعه تفكيره لاختيار منطقة صحراوية شمال حصن بابليون لهذه الأسباب ،بعيدة كل البعد عن رهافة الاسكندرية ،وعن كل مانع مائي كفيضان النيل مثلا.وفي نفس الوقت حتى لا يتنعم الجيش ،فيستكين للدعة ويتكاسل عن الغزو.فبنى المدينة سنة 21 ه _641 م ، فوق تلال من الرمال مشيدا أول مسجد فوق الأراضي المصرية ،وإلى جانبه دار الإمارة على غرار تخطيط المدينة المنورة.يحدو كل هذا جبل المقطم والصحراء من الخلف ،التي يجيد فيها العرب الذين قدموا معه الكر والفر ,فنون الحرب كما تعودوا عليها ،وأيضا ليخلق نفس الأجواء البدوية الصحراوية التي قدموا منها.حتى حكى الرواة وبعض المؤرخين ،أن مدينة الفسطاط كانت تبدو مثل جبل ،ولم يدخل تخطيطها اي مهندس ،بل صممت لضبط مواقع القبائل التي شاركت في الفتح ،بإعطاء قطع من الأرض لكل منها للإقامة ،تفصل بين كل واحدة وأخرى مساحات فضاء ،زحف عليها التوسع العمراني فيما بعد.
    ستتطور أوضاع مصر والقاهرة بالخصوص بين أحداث سياسية شتى ،خاصة أثناء محاولة العباسيين استئصال العلويين ،الذين هربوا نحو مختلف البلدان من بينها المغرب ومصر طلبا للأمان.إلى أن تطورت هذه العاصمة بإنشاء مدينة العسكر ،التي يعد موقعها الحالي منطقة (زينهم) على يد صالح بن علي الوالي الأول للعباسيين في مصر سنة (133 هـ - 750 م) ،فاستمر ذلك الحال حتى جاء السري بن الحكم واليا على مصر عام (201 هـ - 816 م) ليأذن للناس بالبناء ـمما جعلهم يتهافتون على البناء قرب مقر الحكم ،فنمت المدينة حتى اتصلت الفسطاط بالعسكر الذي أخذ اسمه ،من كون المنطقة في البداية ظلت مقصورة على الجنود العباسيين.
    ثم جاءت مرحلة القطائع التي ابتناها أحمد بن طولون سنة (256 هـ - 869 م) مؤسس الدولة الطولونية التي استمرت 38 عاما ،وسميت بهذا الاسم لأن ابن طولون قطع الأراضي ،على اساس أن كل قطيعة تشبه الشارع أو الحارة في عصرنا الحالي ،وهبها إلى طائفة من القوم على اساس عرقي ،فكانت قطيعة النوبة والروم وغيرهما ،فزهت القطائع هذه زمن ابن طولون وابنه خمارويه ،واشتهر من المباني جامع ابن طولون الذي ما زال قائما حتى الآن.لكن تعرضت المدينة للتخريب بعد هزيمة الطولونيين أمام العباسيين عند تنيس سنة (292 هـ - 904 م) ،لاستقلالهم بالأمر دون العباسيين رغم حفاظهم على الشرعية الروحية.وذكر بعض المؤرخين أنه أحرق فيها حوالي مائة ألف بيت ،كما ذكر المقريزي إن القطائع قد زالت آثارها ،ولم يبق لها رسم يعرف.
    فظلت الفسطاط مرة أخرى قائمة لغلبة البقاء الإنساني ،إلى أن أحرقها الوزير الفاطمي شاور والي الصعيد ،الذي تحصن فيها خروجا عن السلطة المركزية وطلبا للحكم ،عند قدوم أموري ملك بيت المقدس في حملة صليبية ،بدعوى عدم أداء شاور ضرائب له زمن العاضد المختل بالقلاقل.خاصة أن العاضد كان مجرد طفل صغير حين تسلم الحكم ،في بلاط تفشى فيه الفساد وتدخل النساء الجاهلات بأمور الدولة ،وطمع الوزراء في الحكم وتقاسمه.فلمع نجم صلاح الدين في سماء المعارك والقيادة العسكرية ،في عهد العاضد الذي سلمه كل السلطات ،خاصة بعد أن قدم هذا الوزير الفاطمي شاور بن مجير السعدي إلى الشام فارًا ،من الوزير ضرغام بن عامر بن سوار المنذري اللخمي الملقب فارس المسلمين ،الذي استولى على الدولة المصرية وقهره.قبل أن يأخذ مكانه في الوزارة ،ويعدم ولده الأكبر طيء بن شاور.لكن عندما يئس شاور من اية نجدة أحرق المدينة بكاملها ،بعد أن أحاطه الصليبيون من جانب ،وأحاطه جيش نور الدين محمود بقيادة أسد الدين شركوه المدعوم بصلاح الدين من جانب آخر ،مجبرا السكان العزل على النزوح كما قيل نحو قاهرة المعز ،حتى ظلت النيران مشتعلة فوق الشهر.
    لكن في خضم الأحداث المتوالية بنيرانها هزم شاور وأعدم ،بتهمة حرقه الفسطاط وبيع مصر للصليبيين ،مما أعطى نفسا جديدا من الأمل في قلوب المصريين من جديد.فظلت المدينة مدمرة وغالب أجزائها متناثرة ،إلى أن جددت على عهد الرئيس جمال عبد الناصر.
    فصلاح الدين هو الملك الناصر أبو المظفر صلاح الدين والدنيا يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب الدُويني التكريتي (532 - 589 هـ / 1138 - 1193 م) ،عُيِّن وزيرًا للخليفة الفاطمي العاضد لدين الله ،الذي كان يعرف قوة وطموح صلاح الدين ،لكنه فكر في المد الصليبي الذي سيفترس الدولة عن آخرها ،والأخطار المحدقة التي تودي بدولته ،فرغب أن يكون صد حملات الصليبيين من قبل السلطان نور الدين زنكي بالشام وصلاح الدين رجله بمصر ،لخطورة ملكهم عموري الاول وحاميته من فرسان الهيكل.ومن هنا بدأ نفوذ الزنكيين يزداد في مصر ،إلى أن أرسل نور الدين زنكي لصلاح الدين يطلب منه إيقاف الدعاء للخليفة الفاطمي بمساجد مصر.فتردد صلاح الدين في البداية لصلته الوثيقة بالخليفة العاضد ،لكن نور الدين هدده بالحضور بين جيشه إلى القاهرة ،فرضخ أيضا لكسب دعم الخليفة الروحي في بغداد ،متصرفا كنائب لنور الدين محمود في مصر.ثم عمل على أن تتحول كل السلطات إلى يده ،حتى أصبح هو المتصرف في الأمور في فترة انحطاط الدولة الفاطمية بعد حكم قارب الثلاثمائة سنة ،حمل فترات نمو وازدهار تلتها فترات ضعفٍ وأفول.
    وبوفاة الخليفة العاضد في 10 محرم عام 567 هج. / 1171 م وعمره لم يتجاوز الواحدة والعشرين من عمره ،وهو الخليفة الفاطمي الرابع عشر وآخر الخلفاء الفاطميين ،انتهت بموته الخلافة الفاطمية في مصر ،ليتولى صلاح الدين حكم مصر منفرداً بعد وفاة الأخير ملقبا بالسلطان الناصر صلاح الدين.بعد أن اشتهر على مراحل ذات أهمية قصوى من حيث الأحداث ،كقائد عسكري ومؤسس الدولة الأيوبية ،التي وحدت مصر والشام والحجاز وتهامة واليمن تحت راية الدولة العباسية.
    _جليلة مفتوح _


    ساهم معنا في نشر الموضوع


  2. #2
    كاتب ماسي
    الصورة الرمزية محمد الدباسي
    تاريخ التسجيل
    Sep 2019
    الدولة
    اليمن
    دولة الإقامة
    جدة
    رقم العضوية
    3863
    المشاركات
    883
    ما أجمل القاهرة و ما اجمل أهلها وشوارعها ..
    تكلمتِ عن القاهرة و تاريخها فأبدعتِ أستاذة جليلة


    محمد الدباسي
    رئيس ثلاثة وعشرون للتطوير
    رئيس التطوير في اتحاد الكتاب و المثقفين العرب

  3. 11aa

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •