النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: (La conquérante): القاهرة :ج.2

  1. #1
    كاتب جديد

    تاريخ التسجيل
    Apr 2018
    الدولة
    المغرب
    رقم العضوية
    3611
    المشاركات
    25

    (La conquérante): القاهرة :ج.2

    قاد عدّة حملات ومعارك ضد الفرنجة آنذاك وغيرهم من الصليبيين الأوروبيين ،الذين توحدوا في النهاية متجاوزين عصور التفرقة تحت راية الصليب المقدس المفقود ،للسيطرة على معقل المسيحية ومحج مواطنيهم ،سعيا لاستعادة الأراضي المقدسة التي سيطر عليها كان الصليبيون أواخر القرن الحادي عشر.إلى أن تمكن صلاح الدين من استعادة معظم أراضي فلسطين ولبنان بما فيها مدينة القدس ،بعد أن هزم جيش بيت المقدس هزيمة منكرة في معركة حطين الشهيرة.ولو بعد أشهر قليلة من هذا الانتصار العظيم ،وبعد أن سقطت في يده كل موانئ الشام عدا مينائي إمارة طرابلس وأنطاكية ،انتهت الحرب الصليبية الثالثة بسقوط عكا بيد الصليبيين ،وتوقيع صلح الرملة بين صلاح الدين وريتشارد قلب الأسد.
    وقد هدم صلاح الدين الكثير كغالب الحكام الجدد آنذاك ،لأجل ما رآه تحت وميض النصر ضرورة لاستتباب الأمن ،قبل أن يشيد حصنا حاميا وهو قلعة الجبل ،ليحتمي بأسواره من الثائرين عليه افي الداخل والخارج.ثم أوكل عمارتها إلى بهاء الدين قراقوش ،الذي وسع الأبنية وبنى سورا جديدا للمدينة وقناطر الجيزة.لكنه توفي قبل إتمام بناء المباني الضخمة التي أوجد مشروعاتها وأسسها ،لتصبح دولة ايوبية تحت رعاية الخلافة في بغداد.وقيل أن بهاء الدين قراقوش استخدم الأسرى الصليبيين في بناء القلعة والسور في بعض مراجع الدول الأوربية ،لكنها كانت أمور معتادة في سياسة كل المنتصرين عبر البقاع المختلفة آنذاك.أما أول خريطة يعتد بمحتواها للقلعة ،فجاءت مع الحملة الفرنسية على مصر بعد بناء القلعة بستة قرون.
    وقد ركزت سياسة صلاح الدين على شعبيته المذهلة بعد ذلك ،بتسامحه مع الأسرى الأوربيين وحسن تعامله مع قوادهم ،مما خلق له شهرة واسعة داخل أوروبا نفسها.وفي نفس الوقت كان يقول بمذهب أهل السنة والجماعة طلبا لرضا النظام العباسي ،ومحوا لهوية الدولة السابقة ،حتى روي أن عبد القادر الجيلاني دعا له.وهذا ربما يفسر أتباعه الطريقة القادرية فيما بعد حسب رواية البعض ،منهم بعض العلماء كالمقريزي ،إلى أن قال بعض المؤرخين المتأخرين إنه كان أشعريًا.
    وقد توفي صلاح الدين عام 589 هـ بعد أن قسم دولته بين أولاده وأخيه العادل ،لكنهم تناحروا فيما بينهم في ظروف كانت الدولة تحتاج فيها إلى اتحاد أقوى ضد الصليبيين.وبعد وفاة العادل تفرقت المملكة بين أبنائه الثلاثة الكامل محمد على حكم مصر ،والمعظم عيسى على دمشق وما حولها ،والأشرف موسى على باقي الشام.مما دفع الصليبيين إلى التركيز على الشام ومصر بالخصوص عبر ثلاث حملات صليبية متوالية ،مما أجبر الكامل على التنازل طواعية عن بيت المقدس للملك فريدريك الثاني سنة 625 هـ الموافق 1228 م.ثم اختلف الأشرف موسى مع المعظم عيسى على حدود النفوذ في الشام والجزيرة ،لتشتعل فتنة بلا نهاية مهدت لمزيد من التخبط والفوضى ،أعقبه سقوط الدولة بديهيا في نهاية المطاف.
    فمباشرة بعد وفاة الكامل محمد ولي أخوه الصالح أيوب سنة 637 هـ ،مستردا بيت المقدس ودمشق وعسقلان ،بعد تحالفه مع القوات الخوارزمية الهاربة من الغزو المغولي.لكن في آخر حياة الصالح أيوب هجمت الحملة الصليبية السابعة على مدينة دمياط ،بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا سنة 647 هـ ،فرابط الصالح أيوب بالمنصورة مصابا بمرض شديد أودى بحياته.وهنا في عز الحصار وبين دمار الحرب دخلت التاريخ جاريته أم خليل الملقبة بشجرة الدر ،بإخفائها خبر موته حتى لا يضعف الجيش المرابط للدفاع عن البلاد ،وجعلت خدمها المقربين يدخلون الطعام والشراب كأن الصالح لازال حيا يرزق.مراسلة سرا ولده الأمير توران شاه الذي كان موجودا بالشام ،ليأتي فورا لقيادة الجيوش المصرية المرابطة على اختلاف أجناسها حينذاك.فحضر توران ليحقق نصرا كبيرًا على الصليبيين ،توج بأسر ملكهم لويس التاسع.لكن لما حقق توران شاه وجيشه النصر المبهر على الصليبيين ،قرر التخلص من زوجة أبيه وباقي قادة الجيش ،الذين كانوا في غالبيتهم من المماليك البحرية.مما دفع شجرة الدر إلى الاتحاد ضده مع المماليك ،فقتلوه في ليلة 28 محرم 648 هـ الموافق 2 مايو 1250م ،وانتهت بهذا الحدث الدامي الدولة الأيوبية ،التي لم تشهد توهجا حضاريا داخل القاهرة وخارجها.لاهتمام الملوك الأيوبيين بالعمارة الحربية ،نشطين في تحصين بلادهم ببناء الأسوار والقلاع ،وتعمير ما تهدم من الحصون القديمة بسبب تعدد أخطار الحملات والحروب الصليبية.ومن هنا تبدأ مرحلة القاهرة المملوكية في مصر.
    فدولة المماليك بدأت براعمها زمن الملك الصالح نجم الدين أيوب ،الذي ركز على صنع جيش قوي من المماليك ،الذين بالغ في اقتنائهم ليجعل منهم أيضا أمراء دولته وحاشيته.ثم شيد لهم قلعة الروضة ليقيموا فيها سنة 638 ه .1240 م ،فسموا المماليك البحرية انتماء إلى مقر سكنهم في الجزيرة على النيل.وعند وفاته حصل ما حصل منهم ومن وريثه ،لتتوهج هذه المرحلة بفترة عدت العصر الذهبي للمماليك ،حاملة أحلاما أخرى بالأمان لأمة غنية الروافد ،تعبت من القتل والفتن والقهر الاقتصادي.فأعادوا بعض قوة الدولة المشرقية كلها ،وسيبهرون أكثر حين ستسقط الخلافة العباسية وتدمر بغداد بضربات المغول ،لما استشرى من فساد داخل بلاطها وبين دروبها ،حاملين مشاعل النصر بصد الصليبيين والتتار.
    اختار الأمراء شجر الدر سلطانة على مصر بعد وفاة توران شاه ،على أن يكون الأمير عز الدين أيبك مقدماَ للعساكر.فاعتبر بعض المؤرخين شجرة الدر أول سلاطين المماليك ،مستندين في ذلك إلى أنها كانت بحكم أصلها من المماليك ،بينما رأى آخرون أن شجر الدر آخر سلاطين الدولة الأيوبية.لكنها لم تتولى السلطة باعتبارها من المماليك ،وإلا كان المماليك اختاروا أحد أمرائهم الطامعين في الحكم ( مثل بيبرس أو أقطاي أو أيبك ) ،بل اختاروها باعتبارها زوجة الصالح أيوب ،ولأنها كانت تتمتع بالاحترام والنفوذ خلال حياته ،كأم ولده خليل الذي توفي صغيرا.فكانت تحرص دائماَ في كامل أعمالها الرسمية ،أن تؤكد صلتها بزوجها الصالح أيوب وابنه خليل.
    لكن الخليفة في بغداد عارض توليتها السلطنة بصفتها امرأة ،وعد توليها سابقة خطيرة رغم دهائها السياسي والحربي ،وحسن إدارتها لوضع صعب ما كان ليتوج بنصر لولا فطنتها وحسن تدبيرها.كما ثار عليها أمراء دمشق مدعومين بغضب الخليفة ،الذي رغم ما كان يعانيه شعبه وحكمه من تمزيق وأخطار خارجية ،لم يشفع لها عنده ما أحرزته من انتصارات كبيرة ضد الصليبيين.فأرسل إلى أمراء مصر الرسالة الشهيرة التي ضمنها احتجاجًا حط من قدرها ،يعلمهم أنه على أهبة أن يرسل إليهم رجالاً قادرين ،لأنه على ما يبدو لم يعد يوجد منهم في مصر.لكن شجرة الدر لم تستسلم متجاوزة إهانته ،باعتقادها أنها تملك ما هو جوهري في الأمر ،وهو الجيش الذي نجح تحت قيادتها في ضرب الصليبيين في دمياط ،فأعطت لنفسها لقب (ملكة المسلمين) كأكبر تحدي للخليفة.فلم يدم لها اللقب طويلا رغم كفاحها وكل موهبتها التي أخرجت مشعلها ،لاستمرار وقلب قواعد اللعبة السياسية.مما اضطرها إلى الزواج من عز الدين أيبك قائد العسكر متنازلة له عن السلطنة ،ليصبح الأخير في عهدها القصير الذي أظهرت أثناءه كفاءة عالية ،أول سلطان من المماليك علي مصر سنة 1250 م.ومنه بدأت دولة المماليك في مصر ،أول ما لقب بالملك المعز الجاشنكير التركماني الصالحي.لكن استمرت معارضة أقطاي أمير المماليك البحرية ومن تحزب له من جانب ،وأمراء الايوبيين من جانب آخر.فشعر عز الدين أيبك بضعفه أمام المخاطر المتربصة بحكمه ،فاشترى دعم الايوبيين بإشراك أمير صغير أيوبي لم يتجاوز السادسة من عمره ،وهو الأشرف بن موسى في السلطنة.لكن الأيوبيين هاجوا لاستفراده بالحكم ،فزحف بعض الثائرين بينهم الناصر يوسف أمير حلب ودمشق نحو مصر ،كما اختار بعض المعارضين أمير الكرك المغيث عمر الايوبي سلطانا.فلم يجد عز الدين بدا من استرضاء الخليفة العباسي بإهدائه تبعية مصر لمركز الخلافة في بغداد ،معلنا أنه مجرد نائب للخليفة على حكمها.لكن خشيته من الأمراء الذين ساندوا زحف الصليبيين نحو مصر ،اضطره إلى استمالة لويس التاسع في عكا ،بإطلاق سراح الأسرى الفرنسيين ،معطيا تعليماته في آن بهدم حصون دمياط حتى لا يلجأ إليها الصليبيون.ثم هيأ في نفس الوقت جيشا بقيادة أقطاي ،لصد أمراء الايوبيين الناقمين على الدولة الناشئة.فنجح الأخير في مهمته عند الصالحية ،وقضى على ثورة ما سمي بثورة الأعراب.
    لكن سرعان ما تدخل الخليفة العباسي للإصلاح بينهما ،خاصة أن المغول زحفوا نحو أعتاب مقر الخلافة الإسلامية في بغداد ،والظرف لم يكن يسمح بتفرق الأمة.فصار للمماليك بمقتضى بنود الصلح حكم مصر وفلسطين ،وللأيوبيين بقية الشام.لكن عز الدين أيبك ثار على سطوة شجر الدر ،التي صنعت نوعا ما كرسي حكمه معلنا زواجه من ابنة حاكم الموصل ،في مرحلة سادت أثناءها القلاقل بين الجند المماليك ،الذين طالبوا بالمكافأة بعد انتصاراتهم وأساءوا معاملة الشعب.فبدأ أقطاي يطمع في كرسي الحكم ،لينتهي عز الدين بقتله غدرا ،دافعا رجال أقطاي إلى الهروب نحو الشام كالأمير ركن الدين بيبرس البندقداري ،والأمير سيف الدين قلاوون ،مما جعل شجرة الدر تدبر مؤامرة لقتله ،فانقض عليه خمسة من عبيدها قتلوه داخل الحمام عام 1257 م.
    هنا عرضت شجر الدر السلطنة بعد وفاة أيبك على الأمير عز الدين أيبك الحلبي وعلى الأمير جمال الدين العزيزي ،فرفضا قبول توليهما في هذه الظروف الحرجة.كما اتقد غضب المماليك لمصرع زعيمهم أيبك التركماني ،فقبضوا على شجر الدر وخدمها ،وأعلنوا تولية المنصور أبن السلطان أيبك الذي بدأ حكمه بالانتقام لأبيه ،فقبض على شجرة الدر وسلمها إلى نساء بيته ،فانهلن عليها بالقباقيب إلى لفظت أنفاسها.ثم ألقي بجثتها في خندق بالقلعة ،قبل أن تدفن بعد ذلك في مقابر بجوار السيدة نفيسة ،تاركة آثارها في الذاكرة الشعبية ،وعلى صفحات التاريخ الإسلامي كأول امرأة حكمت مصر ،حتى قيل أن شجرة الدر هي أول من أرسل المحمل من مصر إلى مكة.فكان مصرعها المأساوي نهاية للدولة الأيوبية ،وبداية الدولة المملوكية.
    لكن العجيب في كل ما حصل هو قدرة شجرة الدر ،على حماية مصر وتسييرها في ظروف صعبة.ولأنها بين الطامعين من الأمراء في عرش مصر وغيرة الخليفة ونفوره ،استطاعت هزيمة الفرنجة وحماية مصر بكفاءتها وذكائها.لكن لم يستطع المستعصم بالله آخر خلفاء بني العباس ،أن يحمي بغداد من المغول.فكان يرسل إليهم الهدايا والأموال لكسب رضاهم ،إلى أن دخلوا بغداد فدمروها ،وقبضوا عليه وأعدموه ورجاله.
    وهنا سيبدأ الاتساع في القاهرة وزمن تشييد أعطى للمدينة نفسا من الحياة الزاهرة ،فانشأ المماليك مناطق جديدة مثل ما يسمى حاليا باب اللوق ،التي أقام فيها عدد من فرسان التتر الذين أسلموا ،كما بنوا العديد من المساجد والأسبلة ،إلا أن عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون كان الأبرز في العمارة المملوكية.
    أما تسمية الدَّولة المملوكيَّة أو السلطنة المملوكيَّة ،فهي تسمية تاريخية حديثة ابتكرها الباحثون والمُؤرخون المُعاصرون ،ولم تكن معروفة في عصر المماليك أنفسهم.وإنما سمَّت المراجع العربيَّة المُعاصرة لِعهد المماليك البحريَّة هذه الدولة ،باسم «دولة الأتراك» أو «دولة التُرك» أو «الدولة التُركيَّة».وفي عهد المماليك البُرجيَّة سُميت الدولة باسم «دولة الجراكسة» أو «الدولة التُركيَّة الجركسيَّة» ،على اعتبار أنَّ المماليك الشراكسة (الجراكسة) كانوا يتحدثون بِالتُركيَّة بما أنهم تربوا مُنذ استقدامهم إلى مصر في كنف المماليك التُرك.ومن التسميات الأُخرى التي اعتمدها المُؤرخون المُسلمون قديمًا أيضًا:الدولة البحريَّة والدولة البُرجيَّة.كما شاعت هذه التسميات في العصر الحالي لِلتمييز بين العهدين المملوكيين.فعُرفت هذه الدولة كذلك باسم «الدولة المغوليَّة»، وذلك لِفترةٍ قصيرةٍ فقط من عُمرها ،خِلال سلطنة العادل كتبغا كونه كان مغوليًّا.وعُرفت الدولة طيلة عهد السُلالة القلاوونيَّة (678 - 784هـ \ 1279 - 1382م) باسم دولة بني قلاوون أو دولة قلاوون.كما عُرفت قبل ذلك في عهد الظاهر بيبرس وولديه السعيد ناصر الدين مُحمَّد والعادل بدر الدين سُلامش باسم «الدولة الظاهريَّة.
    وسيظهر أبطال بين عناصر هذه الدولة ،التي ظهرت منقذة للعالم الإسلامي من جحافل المغول ،بعد أن سقطت الخلافة في بغداد.فسيف الدين قطز من الشخصيات التي خلدت صفحات التاريخ البيضاء ذكراه ،لأنه البطل المغوار الشجاع الذي صد المغول بأساطير خرابهم ونيرانهم وترويعهم ،وقضى على البعبع الذي ينتفض لذكرهم.فاعتبر من أهم القادة في التاريخ الإسلامي وأكثرهم شهرة ،وفق ما رواه عنه كبار المؤرخين والعلماء ممن عاصروه أو جاءوا في عصور لاحقة ،مثل ابن كثير والإمام الذهبي وابن عماد الحنبلي وغيرهم.لكن الأهم في كل هذه الأحداث هي عودة المجد لمدينة القاهرة ،لتتألق من جديد في أبهى حللها السياسية والاجتماعية في عهد هؤلاء السلاطين المماليك ،الذين تلقوا تدريبات صارمة وتربية فائقة التوعية.
    ولا يستطيع المرء ألا يشعر وهو يجول في القاهرة القديمة ،بكل ما هل على المدينة من أحداث تركت بصماتها محفورة بين زواياها.فالمساجد والمدارس والخانقاوات والأسبلة والأربطة والرباع والقياسر والوكالات والخانات وغيرها ،من منشآت هذه المدينة الساحرة ذات الألف مئذنة ،تبهر خيالنا بألف حكاية وحكاية.وتحملنا بين حواريها نحو أمس ضج بكل الظلال والفخامة ،بين الآثار الشامخة بهيبة العصر الفاطمي والمملوكي بما لهما وما عليهما ،حين تحولت مرة أخرى إلى قلب العالم الإسلامي في عصر المماليك ،وحاضرة الخلافة بعد سقوط بغداد.
    فقد تكونت القاهرة المملوكية آنذاك من القاهرة الفاطمية ،التي تحيط ببعض أجزائها الأسوار الفاطمية القديمة ،ومصر القديمة في موقع الفسطاط القديمة ،وبولاق التي كانت قبل ذلك جزيرة قبل التحول إلى جزء من القاهرة ،خاصة مع بناء ميناء تجاري مهم فيها.وأخيرًا مدافن القرافة شمال قلعة الجبل وجنوبها ،وبعض الأماكن الأخرى كباب اللوق وباب زويلة ومسجد ابن طولون.
    فالقاهرة التي ظلت هوى الأفئدة وطالبي الاستقرار والرواج ،بُنيت فيها منازل جديدة عديدة لازدحامها بسكانها ،إلى درجة الاكتظاظ والانفجار وراء أسوارها.حتى أن الأبواب التي لا تزال قائمة خاصة باب زويلة صارت داخل المدينة منذ زمن بعيد ،لتوجد ظاهرة مختلفة حين اتصلت المدينة بالقلعة التي لم تعد معزولة ،خاصة نهاية القرن الرابع عشر الميلادي/الثامن الهجري ،حيث وصلت مبان كثيرة بينها وبين المدينة ،وقد قال عنها مارسيل كليرجيه حين كتب:
    (كان لإنشاء القلعة رد فعل قوي جدًا على المناطق المجاورة لها ،فهذه الضواحي بعد أن زحفت على الجبّانات انتشرت حتى وصلت إلى أسفل القلعة ،فنُقل إلى الرميلة (أسفل القلعة) سوق من أهم الأسواق في أي مدينة عربية ،وهي السوق التي تُباع فيها الخيل والحمير والجمال ،وفي الموقع الذي كانت تحتله من قبل وحدات الجيش الفاطمي بُنيت حدائق وبُحيرات فسيحة ،فأصبح هذا الحي أكثر جمالاً ،وتمتّع سكان القلعة ، وظهرت في الغرب في ذلك الوقت حدائق أخرى خاصة عند باب اللوق ،بحيث أصبحت هذه المناطق أشبه بالمتنزّه العام ،وقد بقيت أجزاء منه حتى عصر المماليك)
    ففعلا اتسعت القاهرة في العصر المملوكي اتساعًا كبيرًا في الشمال والجنوب والغرب ،فضلاً عن التغير الكبير الذي طرأ على المدينة القديمة الفاطمية من حيث الهدم والبناء ،ويرجع ذلك إلى عاملين أساسيين أولهما قوة السلاطين ومهابتهم ،وحفاظهم على الأوضاع الأمنية والاجتماعية والاقتصادية في المدينة ،وثانيهما كان يعود إلى ازدهار التجارة.لأن المماليك نجحوا في جذب تجارة شرق حوض البحر المتوسط إلى القاهرة ،التي صارت في عهدهم مركزًا للنقل التجاري ،مستفيدين من التجارة بين الهند وأوربا ،مما عجل بثراء أهل القاهرة في العصور الوسطى ،وجعلها قادرة على أن تضميد جراحها بعد أية فتنة للبدء من جديد.فقد كانت مدينة عامرة بالحياة والحركة ،لم تنجح في تدميرها الأوبئة المهلكة ولا الكوارث الطبيعية ،حتى قال عنها فرسكو بالدي الذي زارها سنة 1384م/ 786هـ ،أن في مينائها عدد ضخم من المراكب الراسية يفوق كل ما رآه في موانئ جنوة والبندقية وأنكوني معًا ،ذاكرا أن عدد سكانها أكثر من سكان توسكانا بإيطاليا.كما قال بعض الرحالة الآخرين ،أن المدينة أكبر من باريس سبع مرات.وأكّد بود جيبونسي أن المركبة تحتاج إلى يومين كي تطوف حولها وداخلها ،كما كتب عنها الراهب جاك دي يفرون في عام 1325م/ 725هـ في عصر الناصر محمد بن قلاوون.
    كان نظام المماليك في مصر قد تطور على مراحل حتى أصبح من يتولى إمارة منهم ،يمكنه أن يشتري مماليك جدد لحسابه الشخصي وينسبهم إليه ،شرط أن يصبح هو ومماليكه موالين للسلطان.لكن السلطان لم يفكر أن ولاءهم للأمير قائدهم ،سيظل أهم لديهم من ولائهم للسلطان ،بحيث إنه اذا انقلب أميرهم على السلطان انقلبوا بدورهم عليه.فتميزوا بالشجاعة والمهارة والولاء ،حتى جعل الحرس السلطاني (المماليك السلطانية) الأقرب إلى السلطان من أعلى طبقات المماليك.فكانوا مرشحين دائما لأعلى المراتب في الدولة ،وحتى لوظيفة السلطان نفسه بعد موته أو خلعه.
    ولأن حالة الرخاء في مصر توسعت ،فقد وهبت وباعت بعض الناس أولادها للسلطان والأمراء ،ليتمتعوا بالرفاهية والسلطة في مصر؛حتى أضحت تجارة الرقيق من أقوى وسائل الثراء.مما دفع التجار من جميع أنحاء الأرض ،إلى التردد على مصر جالبين المماليك الجدد خطفا وشراء لقبض الأموال.دون إغفال ذكر جلبهم من أوروبا نفسها مما أغضب بابا الكاثوليك ،فطلب التصدي لتجار العبيد الأوروبيين.
    لأجل كل هذا لا يمنع أن من بين الأمراء والجيش من وُلدوا في مصر وتمصروا ،متشبعين بالعادات والثقافة المصرية ،ومنهم مصريون تمازجوا بالحضارات المتعاقبة ،لكن في النهاية لم يكن لهم لأي منهم وطن غير مصر ،ولأنهم أثناء المعارك نفسها كان الأعداء يسمونهم مصريون.ويكفي موقف المؤرخين الغربيين في التعامل مع المماليك ،عكس الكتابات العربية غير المصرية ،التي ظلت تحاول الفصل بين المماليك والمصريين ،فقط لتصوير انتصاراتهم على انها لم تكن مصرية.رغم أن عدد المماليك كان صغيرا في الجيش ،وكانوا مصريين لغة وثقافة وانتماء.و تمتعوا خلال دولتهم بالشرعية الدينية نفسها ،لهيمنتهم على أراضي الحجاز والحرمين ،انتهاء باستضافتهم وإكرامهم ورثة الخلفاء العباسيين المشردين في القاهرة.
    سيقوم السلطان برقوق (1382-1399 م) بقيادة حملات ناجحة ضد تيمورلنك ،معيدا تنظيم الدولة من جديد.كما سيحاول السلطان برسباي (1422-1438 م) السيطرة على المعاملات التجارية ،ولو كان للعملية تأثيرها السيئ على نشاطه ،حتى وإن توج عهده بحملات بحرية ناجحة نحو قبرص.
    لكن ككل الدول العظمى التي يطمع فيها الاقوى دائما حين تبدأ بالتوتر ،ففي سنة 1501 اختار المماليك السلطان قانصوه الغوري ليكون سلطانا علي مصر والشام وبلاد الحجاز.وكان قد اشتكي للبابا في روما من البحرية البرتغالية التي لفت حول أفريقيا مقتحمة المحيط الهندي والبحر الأحمر.فأنشأ الغوري أسطولا هزم البرتغاليين عند سواحل مالابار بالهند عام 1508 ،كونه من البحارة المصريين من مماليك وغيرهم بمشاركة العثمانيين ،لكن في العام الموالي أغرق البرتغاليون الأسطول المصري في معركة ديو.فبني المماليك أسطولا ثانيا بمعاونة العثمانيين استطاع أن يدافع عن عدن عند باب المندب عام 1513 ،وكان السلطان العثماني سليم الأول حينها قد تولي الحكم عام 1512 ،فانقلبت الآية لظروف عديدة ،من بينها هزم السلطان قايتباي للعثمانيين في ثلاث معارك فاصلة خلال مدة حكمه ،كما أن تمدد الصفويين وموقف مصر الحيادي من الصراع بين الصفويين والعثمانيين ،كان من بين أسباب نقمة العثمانيين على حكام مصر ،وتغير معادلة السلام إلى العداء والمواجهة.حتى روي أن أول ما فعله السلطان العثماني سليم شاه بعد انتصاره على الصفويين في معركة جالديران ،هو البدء بمناوشاته لإمارة دلغادر التركمانية ،التي كانت تتبع السيادة المملوكية في جنوب الأناضول ،أنهاها بقتل كبار الأسرة الدلغادرية واحتلال هذه الإمارة ،ثم جعلها تابعة للعثمانيين بدلا من المماليك.فعدّ هؤلاء ذلك عملا عدوانيا يستلزم الرد ،لكن السلطان سليم أرسل رؤوس الدلغادرية الموالين للمماليك إلى السلطان قانصوه الغوري في القاهرة ،الذي استنكر بشاعة المشهد حتى صرخ: إيش أرسلِّي هذه الرؤوس ؟! هل هي رؤوس ملوك الفرنج انتصر عليهم حتى أَرسلَهم لي ؟.فهاجم السلطان سليم بعدها المماليك في آسيا الصغري لمدة أربع سنوات قبل احتلاله الشام ،ولم يصمد فرسان قانصوه أمام الأسلحة والمدافع العثمانية في معركة مرج دابق بحلب عام 1516 ،فهزم طومانباي في الريدانية قرب القاهرة بصحراء العباسية في يناير عام 1517 ،ثم أعدم علي باب زويلة بعد القبض عليه ،بعد حربه الشرسة سليم قرب المطرية بجوار مسلة عين شمس.وكان السلطان العثماني سليم الأول قد عرض عليه قبلها حكم مصر ،تحت الحكم العثماني فرفض ،قبل أن تدور معركة طاحنة عند الأهرامات استمرت يومين ،اضطرت طومانباي إلى اللجوء إلى البدو ،الذين سلموه مقيدا بالسلاسل إلى سليم ،مسحوبا من بولاق إلى باب زويلة حيث أُعدم.وبهذا انتهي عصر حكم السلاطين المماليك في مصر والشام والحجاز.وقيل أنه عند الإعدام نادى علي الجماهير لتنقذه من الشنق ،وحين لم يجبه أحد من الخوف ربما ومن اليأس من حكام تحولوا إلى طغاة ،فإنه قرأ البسملة ثلاث مرات وسلم روحه للموت.
    ولم تكن نهاية المماليك مع مقتل قانصوه الغوري ،لأنهم ظلوا في نهاية عهدهم يحكمون مصر تحت راية الخلافة العثمانية ،لكن القضاء عليهم كان أيضا شعار الحملة الفرنسية بقيادة نابوليون بونابرت على مصر ،الذي ردد أن من أهداف حملته هو تحرير النّاس من حكم المماليك.وأثناء كل هذا خاض المماليك العديد من المعارك ضد الفرنسيين ،من بينها نذكر مثلا:معركة شبراخيت:التي هَزم فيها الفرنسيون المماليك بقيادة مراد بيه.ومعركة الأهرامات : التي هُزم المماليك فيها في منطقة إمبابة.ومعركة الصّالحية التي خاضها المماليك بكل الاستماتة.لكن الفرنسيين لم يتمكنوا من تشتيتهم ولا استئصالهم ،إلا على يد محمد علي باشا عام 1805 م،الذي قضى على قادتهم بعد دعوتهم إلى احتفال أقامه بمناسبة تولي ابنه أحمد طوسون قيادة الجيش ،وعند انتهاء المأدبة قتلهم جميعا فسكن نشاطهم نهائيا.
    فانحطاط هذه الدولة تبلور كسابقاتها رغم أمجادها وهزائمها وتجاوزاتها ،ونجم سقوطها عن أمور شتى ،منها انتشار الطاعون في الفترة بين 1347 و1349 م ،وقيام قبرص الصليبية بنهب الاسكندرية سنة 1365 م وغير ذلك من المحن.كما لا ينكر عاقل أن القاهرة في عصرها تحولت ،إلى أكبر بلد في العالم من حيث المساحة وعدد السكان.وزارها الرحالة ابن بطوطة المغربي سنة 1324 في عهد السلطان الناصر محمد فقال عنها:
    (هي أم البلاد المتناهية في كثرة العمارة ،المتباهية بالحسن والنضارة)
    وأن النيل في عهدهم ازداد رونقا وبهاء خاصة في الترفيه عن القاهريين ،حيث كان الناس يخرجون للتنزه على شاطئ النيل ،لشراء الفاكهة والحلويات وأنواع الزهور والورد من الباعة ،مستأجرين المراكب للتمتع بمنظر المياه ،مما جعل جزيرة الروضة تحرز الاسبقية من حيث الأماكن المفضلة.فالمماليك المرتدين أزيائهم الملونة الجميلة ،كانوا يختالون بين المراكب والحراريق المزينة تحت أنغام الموسيقى ودق الطبول ،ليخرج الناس للفرجة على مواكبهم واستعراضاتهم.بينما كان موكب السلطان أثناء ركوبه الذهبية والحراريق ،من أجمل مشاهد القاهرة التي حظيت باستمتاع العامة.حتى وصف بن إياس ليلة من ليالي القاهرة المملوكية ،التي خرجت فيها ذهبية السلطان العائمة من بولاق مزينة بالورود والأعلام ،وفي استقبالها الأمراء بالطبل والمزامير:
    (بر مصر ومقياس يقابله ... كان التقابل بين النور والنور)
    وكانت أشهر الاحتفالات المرتبطة بالنيل ثلاثة:عيد وفاء النيل وعيد الشهيد وعيد النيروز.كما كان لقب خادم الحرمين الشريفين من ألقاب سلاطين مصر في العصر المملوكي ،فكانت مصر ترسل كسوة الكعبة إلى مكة ،وكان المحمل المصري يخرج حاملاً كسوة الكعبة من مصر نحو الجزيرة العربية وسط احتفال كبير مبهر اسمه دوران المحمل.
    أما عن الترفيه والحكايات فلا تعد وتحصى ،من أهمها مسارح خيال الظل والبهلوانات والأراجوز ،ومقاهي الحكواتية المختصة بسرد الملاحم والحكايات كالظاهر بيبرس وأبي زيد الهلالي وغيرها.أما الألعاب المختلفة مثل الزهر والشطرنج وأوراق اللعب ،كما عشق المماليك الرياضة بأنواعها مثل الرماية والسباحة والفروسية ،ورياضة تدعى الكوره أشبه بلعبة البولو حاليا.فكانت تقام للأخيرة مباريات في الميدان تحت الجبل ،مما جعل الناصر محمد يفتتح الميدان الناصري في القاهرة ،لتقام فيه عروض الخيل الذي أوجده في جردن سيتي المعاصر.
    كما ازدهرت مجالس العلم للمثقفين وأصحاب الرأي والإطلاع والمهتمين بالمجال ،عبر اجتماعات يناقشون فيها الدين والسياسة وأحوال البلاد.لكنها زهت أكثر في العصر المملوكي لأن سلاطين المماليك بوجه عام كانوا ،من محبي العلم والأدب وداعميه.فتخرج من المماليك أنفسهم علماء ومؤرخون كبار مثل ابن تغري ،حتى أن ابن خلدون مدح هذا الجانب في الدولة المملوكية ،حين قال أن مجالس العلم كانت من محاسنها وآثارها الجميلة الخالدة.ونشأت مدرسة مصرية شهيرة حينها اختصت بتأليف الموسوعات ،في شتى المجالات الأدبية والسياسية والتاريخية والاجتماعية والإنسانية ككل ،ترأسها شهاب الدين النويري صاحب الموسوعة الشهيرة باسم نهاية الإرب في فنون الأدب ،وقد بلغ من قيمتها وموسوعاتها أن ترجمت إلى اللغة اللاتينية منذ القرن الثامن عشر.كما عد بن دانيال الأديب والطبيب القبطي ،من أشهر أدباء مصر في العصر المملوكي ، (توفى عام 710هـ / 1310م)، وهو صاحب أول محاولة لمسرحيات خيال الظل في العصور الوسطى ،التي جمعت بين الشعر والنثر الفني.كما أن قصص ألف ليلة وليلة قد احتوت بدورها على حكايات مصرية عديدة ،يمكن تحديد تاريخها بالقرن 8 هـ/ 14 م.كما أن السلاطين والأمراء وكبار الجاه رأوا في تقريب العلماء والشعراء مظهراً ،من مظاهر الشرف والنبل ،فكانت منازلهم وقصورهم ملجأ لكل المبدعين.وحين احتاجوا كتابا في ديوان الإنشاء ،برع في ذلك الأديب بن عبد الظاهر (توفي 692 هـ/ 1293 م) ،بما أن بيبرس عينه كاتباً للسر بديوان الإنشاء.وبرع أيضا العديد من الأقباط كمؤرخين كبار مثل ابن العميد ،والمفضل ابن أبي الفضائل وابن الدهيري وغيرهم.كما اشتهرت منهم عائلة مثقفة حملت اسم ولاد العسال ،خرج منها أبا اسحق بن فخر الدولة العسال ،الذي كان من اشهر مؤلفاته كتاب عن قواعد اللغة القبطية.
    أما مجالس الطرب فزخرت بروائع الموسيقى والغناء ،وأنواع المشروبات من كل الأنواع ،لتفتح الأبواب على مصراعيها لنبوغ العديد من الموهوبين في المجال وعشاقه ،مما دفع ابن بطوطة إلى التنويه بفخامة وروعة ميدان الفنون ،مشيدا برهافة حس المصريين والقاهريين بالخصوص ،حيث قال أنهم ذوو طرب وسرور.لأنه بصدق كانت متفتحة ومستنيرة خاصة أثناء مراحل استقرارها كعهد السلطان الناصر محمد ،الذي عمر مصر بالمباني والحدائق لتصبح من أجمل البقاع.
    لهذا الدخول إلى القاهرة العثمانية لا يمنع الحنين إلى جمالية العصور التي سبقته.لأنه لما تولى خيري بك الذي كان واليا علي حلب ولاية مصر ،أتخذ قرارا بإلغاء الإقطاع المملوكي وجعل تحصيل المال ثابتا.فكان يرسل جزءا من خراج القمح لإدارة شئون الامبراطورية العثمانية ،متخذا حامية من أوجاق الانكشارية لحراسة اسوار القاهرة ،والقلعة التي كانت مقر الوالي العثماني ،وكان يطلق عليهم المستحفظان يرأسهم الأغا.وكانت مهمة كتخدا مستحفظان هي السيطرة علي أوجاقات الأقاليم التي كانت من الانكشارية أيضا.ولما تولي الوالي أحمد باشا بعده عام 1522 أعلن السلطنة في مصر ،مدعوما بأموال بعض الموالين ويهود البلاد إلا أنه قُتل عام 1524
    بعد ذلك جاء إلى مصر الصدر الأعظم إبراهيم باشا فوضع سياسة للإدارة جديدة ،مكونا أول حكومة عثمانية برئاسة الوالي أو الباشا ،يساعده مجلس استشاري يجتمع أربع مرات في الأسبوع.ثم قسم مصر إلى أربعة عشرة إدارة يرأسها الضباط المصريون ،الذين أوكلت إليهم مهمة تنظيم الري وجمع الضرائب.ليصبح بيت المال مسئولا عن دفع ستة عشر مليون بارة للآستانة سنويا ،وهو الجزء الذي رأته الدولة العثمانية مستحقا لإدارة شؤون الامبراطورية.فأضحت مصر ولاية عثمانية مقسمة إلى عدة أقاليم إدارية ،وكل إقليم كان يتولاه مملوك من المماليك البكوات يكون مسئولا أمام الحاكم العثماني ،كما الحاكم مسئولا أمام الباب العالي في الآستانة.لكن في القرن 18 أصبح الباشا صوريا ،لأن المماليك البكوات كانوا أهل الحل والعقد في مصر ،فظلت الصراعات بينهم محتدمة على السلطة والمراكز ،إلى مجيء الحملة الفرنسية عام 1798 التي غيرت من أحوال المماليك ككل.
    لكن القاهرة العثمانية التي عرفت بعد معركة الريدانية سنة 1517 م ،فقد بدأت تشهد عصرها الجديد ،تحت أقوى ضربة تمثلت في الحملة الفرنسية ،التي استمرت ثلاث سنوات على البلاد كلها ،راسمة خرائط مهمة للقاهرة.
    لكن المدينة في عصر أسرة محمد علي شكلت لوحة جديدة أخرى ،مازال الكثير من آثارها باقيا إلى اليوم ،حيث اتسعت كثيرا في عهد الخديوي اسماعيل بإضافة حي الاسماعيلية (التحرير حاليا) .وفي عام 1845 بدأت القاهرة تشهد مشاريع البنية التحتية الأساسية ،مثل مشروع توزيع المياه عبر المواسير وتوزيعها داخل المدينة ،كما بعض مشاريع الإنارة ،فاعتبر محمد علي باشا هو أول من أدخل العمارة الغربية إلى المدينة الكبيرة ،حين أحضر مهندسين غربيين ،ليبنوا سراي القلعة وسراي شبرا وسراي الأزبكية.ثم بنى ابنه ابراهيم قصر القبة ،ثم في عهد الخديوي اسماعيل أنشئ كوبري قصر النيل ،وحديقة الحيوان على مساحة شاسعة ،وعدد من السرايات أولها سرايا عابدين ،التي ظلت إقامة رسمية لسلاطين مصر من سلالة محمد علي.ورصفت الطرق ومدت خطوط السكك الحديدية والهاتف ،كما أنشئت المدارس الحديثة.وفي عهد الخديوي عباس تم إنشاء حي العباسية وأحياء أخرى مثل الحلميه (السيدة زينب) وحلميه الزيتون وعين شمس.
    كما بنيت دار الأوبرا الخديوية أو دار الأوبرا الملكية بأمر من الخديوي إسماعيل ،للاحتفال بافتتاح قناة السويس.فقام المعماري انربيترو أفوسكاني من ليفورنو وروتسيي بتصميم مبناها ،ليكون موقعها بين منطقة الأزبكية وميدان الاسماعيلية (التحرير حاليا) في القاهرة عاصمة مصر.وقد افتتحت في 1 نوفمبر 1869 ،وشابها حريق كبير في 28 أكتوبر 1971 م دمرها بالكامل.لكنها اعتبرت أول دار أوبرا في أفريقيا والشرق الأوسط.ولهذا بعد أن دمرت دار الأوبرا الأصلية ،ظلت القاهرة بدون دار للأوبرا قرابة العقدين من الزمن ،إلى أن افتتحت دار أوبرا القاهرة في 1988
    تعد مدينة القاهرة من أكثر المدن تنوعاً ثقافياً وحضارياً ،لأنها شهدت العديد من الحقب التاريخية المختلفة على مر العصور ،كما توجد فيها العديد من المعالم القديمة والحديثة ،إلى أن أصبحت متحفاً مفتوحاً يضم آثاراً فرعونية ويونانية ورومانية وقبطية وإسلامية.وقد أطلق على القاهرة العديد من الأسماء ،منها مدينة الألف مئذنة ومصر المحروسة وقاهرة المعز.شهدت القاهرة خلال العصر الإسلامي أرقى فنون العمارة التي تمثلت في بناء القلاع والحصون والأسوار والمدارس والمساجد ،مما منحها لمحةً جماليةً لا زالت موجودة بأحيائها القديمة حتى اليوم.
    وحتى لو حللنا قليلا أوضاع المدن التي شيدت بجوار حصن بابليون قديما ،نجد أن الفسطاط قامت لتكون ولاية تابعة للمدينة المنورة ،وقامت مدينة العسكر لتكون عاصمة إقطاعية تابعة لبغداد ،وقامت مدينة القطائع لتكون عاصمة إقطاعية لدولة مصر الطولونية.لكن قاهرة المعز قامت لتكون عاصمة خلافة مستقلة ،وملكا لكل المصريين على اختلاف ينابيعهم ومشاربهم ،وفي عهد المماليك عاصمة لها صيتها المدوي في أرجاء الكون.
    وتحتفل القاهرة بعيدها القومي في 6 يوليو من كل عام ،وهو اليوم الذي يوافق وضع القائد جوهر الصقلي حجر أساس المدينة عام 969، ليبلغ عمر القاهرة الآن ما يربو على 1044 عام.
    وبعد الملك فؤاد التي تلته مرحلة الملك فاروق بما لهما أيضا وما عليهما ،سيسود الواقع المصري قبل ثورة يوليو 1952 العديد من الأوضاع ،التي كانت بمثابة قوة دافعة لتأجيج الثورة بما حملته من عدم الرضى والقلق والبعد عن الاستقرار.منها تجاوزات القصر فترة الملك فاروق ،الذي ربما أيضا عانى من الضغوط الاستعمارية ،التي لا يخدمها وجود الحاكم العادل الثوري ،مما أدى إلى انهيار مؤسسات الدولة ،كتغيير الوزارات بلا توقف في أوقات زمنية قياسية.وتلا ذلك أيضا أزمة حرب فلسطين بما حملته من فواجع ،ابتداء بكارثة الاسلحة الفاسدة التي لا تجهل تفاصيل أحداثها ،ولا عواقبها الوخيمة على الإنسان المصري بعد جنوده.ثم تصاعد العمل الفدائي في منطقة القناة ضد الانجليز ،حين حاولت القوات البريطانية تأديب الشعب المصري بمذبحة الاسماعيلية.
    ثم توالت الأحداث الدموية بحريق القاهرة الذي بدا باحتجاج بسيط ضد المذبحة ،استغله كالعادة بعض الغاضبين أو الانتهازيين للوضع صباح يوم 27 يناير 1952 م.فاتجه المحتجون من الطلبة ورجال البوليس على شكل مظاهرة ،نحو مبنى مجلس الوزراء ثم إلى قصر عابدين ،قبل أن يتضخم الجمع بالأهالي ،مما أجج الفوضى فبدا البعض بإشعال النار فى أماكن مختلفة وسط القاهرة ،محرقين العديد من المحلات التجارية الكبرى والفنادق الراقية ،والعمارات والنوادي وغيرها.ولم تمر سويعات حتى عم السلب والنهب والتخريب أرجاء القاهرة ،وانتشرت الحرائق أن وصلت شارع الهرم دون أن تتوقف ،إلا في ساعة متأخرة من الليل إلى حين صدرت الأوامر إلى الجيش بالنزول إلى الشوارع ،ومنع التجول للسيطرة على الفوضى.فمر الليل بطوله وسماء القاهرة يملؤها الدخان ،وألسنة اللهب الفائقة الضخامة تعم أجواءها في جميع الأرجاء.مما أدى إلى تشريد آلاف العاملين في المنشآت المدمرة ،وظهر للعيان أن الحادث خطط له بمهارة ،لأن من قاموا بتنفيذه كانوا على مستوى عالٍ من التدريب والمهارة ،ولديهم خبرة فائقة بأسرع وسائل نشر الحرائق ،كما كان لديهم دراية عالية بأدوات فتح الأبواب المغلقة ومواقد إستيلين لصهر الحواجز الصلبة على النوافذ والأبواب في وقت قياسي.إضافة إلى اختيار التوقيت بدقة وهو ظهر يوم السبت ،حيث المكاتب والمحلات الكبرى كانت مغلقة ،بمناسبة عطلة نهاية الأسبوع ،ودور السينما مقفلة ايضا بعد الحفلات الصباحية.
    لكن بعد توالي الأحداث المختلفة المؤامرات منها حرق كنيسة بمدينة السويس ،والأعمال الفدائية التي تضخمت ،والتي تلاها تنازل الملك فاروق عن العرش حقنا للدماء ،واستجابة لمطالب الجيش الذي حصل على تأييد الشعب ،توالت الأحداث لتسقط ملكية مصر ،وتعلن جمهورية بأهداف واضحة منها:
    _ القضاء على الاستعمار وأعوانه
    _ القضاء على الإقطاع ومساوئه
    _ القضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم
    _ إقامة عدالة اجتماعية
    _ إقامة جيش وطني قوي
    _ إقامة حياة ديمقراطية سليمة
    وستعيش القاهرة أحداثا وثورات ناعمة عبر عقود ،وأخرى جامحة بين تيارات مختلفة الشد والجذب ،سواء ضد الغبن والحيف بما رآه بعض المصريين في صالح الأمة ،وما رآه آخرون مجرد فوضى وزلزلة ركائز الأمان ،في ظل رسم الخرائط الجديدة للشرق الاوسط والهيمنة الظلامية إطفاء لعهد التنوير.لكن القاهرة اليوم لا يتسع المجال لذكر كل مزاياها ،وما يتطلبه داخلها من مجهود لإعلاء بنيها وتوهجها ،وسط التحديات الضخمة الزاحفة عليها في كل وقت وحين.ابتداء بالانفجار الديمغرافي والحد من الفوضى وصد المطامع ،التي لم تسلم منها إلا النادر من الدول الكبيرة في زمن يذكرنا ،بالعصور الوسطى على هيئة حديثة.ولا من حيث المعمار داخل المدن الحديثة التي في طور الإنشاء ،الإدارية منها والسكانية والتعليمية.لكن نذكر أنها أصبحت مقر العديد من المنظمات الإقليمية والعالمية ،حيث يقع داخل أرجائها مقر جامعة الدول العربية ،والمكتب الإقليمي لكل من منظمة الصحة العالمية ،ومنظمة الأغذية والزراعة ،ومنظمة الطيران المدني الدولي ،والاتحاد الدولي للاتصالات ،وصندوق الأمم المتحدة للسكان ،وهيئة الأمم المتحدة للمرأة ،ومقر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ،وأخيرا وليس آخرا مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة.وتضم أيضا :
    _ مكتبة القاهرة ألبرمجية : مكتبة برمجية للرسومات ثنائية الأبعاد.
    _ نظام التشغيل القاهرة وهو الاسم الحركي لنظام تشغيل في أحد مشاريع مايكروسوفت.
    والقاهرة الحديثة لم يتوقف نموها مطلقا رغم كل الهزات:
    فالقرية الفرعونية بانوراما تاريخية تعكس أسلوب الحياة التي عايشها قدماء المصريين.
    ومركز القاهرة الدولي للمؤتمرات أنشئ سنة 1989 م ويقع في مدينة نصر ويضم ثلاث قاعات رئيسية للمؤتمرات بجانب قاعة للاحتفالات وأخرى للمعارض فضلاً عن المكاتب لأعمال السكرتارية والصحافة ووسائل الإعلام الأخرى
    أما المركز الثقافي (دار الأوبرا) فتم افتتاحها سنة 1988 م لتكون تحفة معمارية فنية مجهزة ،بأحدث الوسائل السمعية والمرئية ،وهي مكونة من ثلاثة مسارح تقع في أرض المعارض بالجزيرة.
    برج القاهرة وهو أبرز معالم القاهرة الحديثة ،يزيد ارتفاعه على 187 متراً يعلوه طابقان ،أولهما ذو أرضية متحركة تمكن الزائر من الاستمتاع بمشاهدة معالم القاهرة المذهلة من أعلى البرج ،كما يوجد أعلاه مطعم وكافيتريا دائري.وهذا ليس للحصر بل للذكر فقط.
    وقد اختار المعهد الفرنسي للآثار الشرقية في القاهرة إقامة ورشة تعمل على أرشيف القاهرة الحديثة ،وكنموذج ممثل على هذا الأرشيف وقع الاختيار ،على المخزون الوثائقي الفوتوغرافي الذي تركه الفرنسي ماكس كاركجي (1931-2011) ،والذي أصبح اليوم جزءاً من مقتنيات مكتبة فرنسا الوطنية ليطلع عليه المهتمون.
    تطورت المدارس والمؤسسات التعليمية في القاهرة نحو آفاق أكثر تطورا مواكبة للعصر الحديث ،في عهود رؤساء توالوا على حكم جمهورية مصر ،ابتداء بجمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك.ولازالت بعد ثورات مختلفة ضد كل أشكال الميز والتعصب الفكري والديني ،وصولا إلى عهد الرئيس السيسي الذي يجابه مختلف المخاطر ،رغم العديد من الهزات التي لم تسلم منها مصر إطلاقا ،كقدر لا بد من تكملة طقوسه إلى آخرها.
    ففي مدينة زهت بمدارسها طيلة تاريخها الطويل ،ولازالت آثار بعضها قائمة إلى جانب جامع الأزهر الشهير بالطبع ،سيكون للتنوير دوما سبيلا إلى إشعاعها عبر الآفاق.ويكفي التاريخ الذي جعل منها منارة تضم القريب والغريب منذ قديم الأزمنة ،ليحفظ أوجها عبر كل العصور القادمة بطيب أروع بنيها المخلصين.فالمدارس العتيقة شمخت أشهرها مشاعل ،بآثارها المتوهجة بالعقول والأعمال مثل :
    _ مدرسة السلطان حسن
    _ والمدرسة الناصرية
    _ المدرسه الطيبرسيه
    _ مدرسة منازل العز
    _ المدرسة المنصورية
    _ المدرسة الكاملية
    _ المدرسة المحمودية
    _ المدرسة المهذبية
    _ مدرسة ابن العوام
    _ المدرسه الأقبغاويه
    _ المدرسه الجوهريه
    _ مدرسة اسماعيل باشا الوزير
    _ المدرسة الأشرفيه
    _ مدرسة السلطان برقوق
    _ مدرسة الاشرف برسباي
    ويبقى أجمل ما قيل في القاهرة التي هي مصر في لغة العامة ،قول الشاعر عبد المعطي الدالاتي :
    يا مِصرُ يا أمَّ العجائبِ في الورى *** كمْ في الثرى من لؤلؤٍ مكنـون
    و:
    يا مصرُ حقكِ أن تكوني ساقياً *** لا قاطعاً للتيـنِ و الزيتـونِ


    ساهم معنا في نشر الموضوع


  2. #2
    كاتب ماسي
    الصورة الرمزية محمد الدباسي
    تاريخ التسجيل
    Sep 2019
    الدولة
    اليمن
    دولة الإقامة
    جدة
    رقم العضوية
    3863
    المشاركات
    883
    اذا كثرت المنكرات سقطت الدول و هذا بالتحديد ماحدث للكثير من الدول التي قامت سابقاً و هلكت ...
    تبقى الدول ما بقي العدل و مابقيت العدالة الاجتماعية فيها و لنعلم بأن الدول ليست إرث للابناء ..
    شكرا لك أستاذة على الموضوع الجميل


    محمد الدباسي
    رئيس ثلاثة وعشرون للتطوير
    رئيس التطوير في اتحاد الكتاب و المثقفين العرب

  3. 11aa

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •