أحببته صدفة وأبحرتُ في صمت عينيه وغرقت في عشق بريقهما وأنا أبعثر أصابعي فوق صورته التي أراها عند فتح الشابكة! رغم المسافات التي بيني وبينه ، فقد عرفت أي انسان هو من طريقة كلامه وتفكيره ، أما بدايتي معه فكانت عندما عرفتني عليه صدفة ابنة عمي وفاء على أنه خطيبها ، رحبتُ به وكنت سعيدة لأجلها ، لأنها وأخيرا وجدت من يستوعب سماكة قشرة مخها !!
وطلب صداقتي على الشابكة الإلكترونية في نفس اليوم ، وقد حسدت ابنة عمي وفاء على هذا الشاب المتعلم المثقف والمميز اللبق في أفكاره فهي لاتشبهه أبدا، إنها عنيدة جدا واتكالية ولاطموح عندها تسعى إليه ، فتساءلت بيني وبين نفسي كيف أحبّها ؟ وبماذا لفتت نظره ؟ ماهو الشيء المميز فيها؟ فهي لاتشبهه أبدا !! كانت الأسئلة حقيقةً تقارع رأسي غيرةً منها إلى أن أتى اليوم الذي سمعت فيه أن هناك خلاف بين الخطيبين ، وطلب عماد مني عبر الدردشة الإلكترونية أن أتدخل بينهما كوني الأقرب إليها و أن أحاول تقريب وجهات النظر بينهما مرة ثانية ، ولكن وفاء رفضت الوساطة رفضا شديدا ، لأنه بنظرها مجنون علم ، هادىء جداً ، وهي لاتحب هذه النوعيات من الرجال ،
طلب مني عماد أن أسمح له بالتواصل معي وأن أبذل جهدا أكبر للصلح بينهما ، و فعلا كان عماد يتواصل معي يوميا ويتصل بي ليعرف نتائج المفاوضات ، كنت أشعر بخجل شديد وأنا أنقل له عدم موافقتها العودة إليه حتى استسلم أخيرا لقرارها ، فواسيته بقولي : لابد أن الله سيجمعك بالأفضل منها ، فيبدو أنه لا نصيب بينكما .
ولم ينقطع عماد عن الإتصال بي، بل ازدادت عدد مكالماته ، وكنا أحيانا نمضي الليل ونحن نتحدث بمواضيع عديدة وكم كنت سعيدة بحديثه ومعلوماته ، لقد كان موسوعة علمية عظيمة إلى أن أتى اليوم الذي انقطع عن الظهور على الشابكة أسبوعا كاملا، وعندما عاد للظهور اعتذر عن الغياب المفاجئ فسألته عن سبب هذا الإنقطاع!! فبادرني قائلاً : أريد أن أبوح لك عن سر لايعرف به أحد غيرك فسألته : ماهو ؟! قال لي مبتسما : أظن أنني وجدت الفتاة المناسبة التي تحبني وأحبها وأعترف أني كنت أعمى البصيرة .. تعرفينها جيدا ..وأنت الأولى في العالم التي تعرف بالأمر .
لاتعرفون مدى السعادة التي غمرت قلبي وهو يتكلم عن حبيبته الجديدة وأنا متأكدة أنه يقصدني انا ، لقد أصبح الأقرب من وريدي إلى قلبي مع تلك الليالي التي كنا فيها نتبادل الكلام حتى الصباح أحيانا ، كنت أنتظر رسائله بلهفة شديدة في كل يوم ،
ورحت أتخيل حياتي معه ، إلى أن جاء اليوم الذي دعاني فيه لحضور زفاف أخيه وأنه سيعلن فيها عن مفاجأة ! و لكأنه سمع دعاء قلبي فلباه ، رتبت نفسي وارتديت أجمل ماعندي وذهبت قاصدة العنوان ، كان قلبي يقفز بين ضلوعي راقصا فرحا !! خفت من فضيحته لأمري فقد شعرت أنه سيخرج من جسدي راكضا إليه أمامي ، شعرت بنفسي أطير في الشوارع شارعا شارع، حتى وصلت المكان الذي سيجمعني به ، وصلتُ إليه دون دلالات لأن قلبي كان دليلي إليه أمامي.
كانت صالة كبيرة ضمت الأهل و الأصدقاء ، لمحتُ الكثير من الشخصيات التي أعرفها ولكن بصيرتي كانت مشغولة في البحث عنه ، كانت دقات قلبي تدق بسرعة كبيرة فهذا اذعان من أنني اقتربتُ منه ، وفعلا ، رأيته يقف معهم ومعهن ، اقتربت منه وتقصدت أن أفصل بينه وبين تلك الفتاة المجاورة له وأنا أحاول أن أتذكر أين رأيتها ولكني لم أهتم ولم أحاول اعتصار ذاكرتي أكثر للبحث عنها فقلت : مرحبا !! عندها التفت إليّ بسرعة قائلا والفرح يغزو ملامح وجهه : أهلا وسهلا بك ! خفت ألا تأتي ولاتحضرين المفاجأة !! والتقت عيناي بعينيه فرحا ، كذب من قال أن السمع مثل البصر ! فقد تولدت في قلبي مشاعر جديدة غير تلك التي طالما كنت أحملها له فأنا لم ألتق به كثيرا ! ولكن لقائي هذا اختصر كل اللقاءات ، مددت أصابعي لتعانق أصابعه وتشابكتا للحظة ،وشعرت للوهلة الأولى أن الصالة خلت إلا مني ومنه وشعرت بتلك الكيمياء الغريبة التي جعلت من روحي تعانق روحه وتطير فوق الموجودين ولكني كنت متماسكة جدا أخفي جنوني في جوفي ثم تابعت سلامي على من معه وتقصدت أن أحل مكان تلك المتطفلة والتي تذكرت أن اسمها زينة حتى أبقى ملتصقة به طوال الوقت ، ثم اعتلى المنصة وطلب من الجموع الهدوء و قال لهم : أبارك للعروسين زواجهما وتمنياتي القلبية لهما أياما مليئة بالفرح والسعاد ة، واسمحوا لي أن أعرفكم على فتاة كنت أراها كثيرا وأكلمها اكثر ولكن لم أفكر يوما أن تكون شريكة حياتي وأريد أن أطلب يدها أمامكم
في هذه اللحظة راحت دقات قلبي تتسارع خوفا من المفاجأة إلى أن قال : إنها أميرة أحلام الطفولة زينة !! وتعالت التصفيقات وأنا أرى الشابة التي كانت تقف بجانبه تخطو خطوات فرحها إليه وقمت أنا وبكل غلاظة بالفصل بينهما قصدا وقت وصولي الصالة من دون أن تزعجني الشابة بكلمة واحدة....
اقترب عماد من زينة التي لم تكن أقل سعادة منه ، وأمام الجمع الغفير قام بتزيين خنصرها الأيمن بخاتم الخطوبة .. أما أنا فماكان مني إلا أن انسحبت بهدوء أجر أذيال أحلامي مخافة أن يكتشف الجميع حزني وخيبتي ، وقد شعرت للحظة أن قدماي قد لاتحملاني أكثر من ذلك ، فوقفت خارج الصالة أنتظر سيارة تقلني إلى منزلي وأنا أراقب شذرات أحلامي تتناثر مع نسمات الليل الباردة هنا وهناك .
عبير منون


ساهم معنا في نشر الموضوع