عندما يقرأ المرء قصيدة جميلة ويتذوقها ينبهر،إنه الانبهار الذي يأتينا حينما نكتشف شيئا جديدا ،شيئا مذهلا ورائعا،فنحن نطل على المجهول بواسطة القصيدة الجميلة، ولذا كانت بهذا المعنى بمثابة القارب السحري الذي نبحر به لاكتشاف كون يظل دائما في حاجة مستمرة إلى اكتشاف …
القصيدة الجميلة تحمل معها بذرة تجددها ،فهي في صورتها وشكلها ثابتة،لكنها في عمقها ومضمونها متجددة ومتغيرة، ومن ثم كانت قراءتها غير نهائية،فنحن كلما انتهينا من قراءتهاعلى مستوى ما برز لنا مستوى آخر يمكن قراءتها عليه،ولهذا السبب كانت قصيدة عظيمة تمتلك قوة لا تقاوم ضد الزمن ،ولنا في الشعراء الخالدين منذ هوميروس إلى الآن خير مثال على تلك القوة.لكن عندما يقرأ المرء قصيدة رديئة يحس إزاءها بالتأفف والاستياء لأنها تفتقر إلى المقومات الشعرية التي لابد من توفرها في القصيدة الناجحة، فهي لا تعبر عن تجربة ولا تمتلك التوتر الفني الذي يزودها بالدفء والحرارة .فالقصيدة الرديئة على هذا الأساس قصيدة باردة لا تقول شيئا و لا تشكل إضافة نوعية لا إلى القاريء ولا إلى الشعر.ولا جدال في كون القصيدة الرديئة تحمل بذرة فنائها معهافقد تولد ميتة ،وقد تكتب لها الحياة فترة ثم يكون الموت والفناء مصيرها ومآلها المحتوم.
القصيدة الجميلة تدعونا باستمرار إلى قراءتها ،ونحن نلبي هذه الدعوة عن طواعية ورغبة منا،فمن منا قرأ المتنبي مرات ومرات وأصابه الملل؟أعتقد أن الذي يتذوق الشعر ككلام جميل لا يمل قراءة المتنبي أبدا.القصيدة الرديئة قد نتركها في بداية الطريق، ويمكن أن نقرأها لكنها لا تترك فينا أثرا طيبا،فسرعان ما ننساها ولا تحدثنا النفس بقراءتها ثانية، لأن الذوق السليم ينفر من كل ما يخدشه ويبعثه على الإشمئزاز والتبرم.
ولا بد من القول أن الشعر الحقيقي يبقى شعرا ولو كره المتحذلقون من أصحاب التنظيرات الجوفاءالتي أثبت بعضها عدم تمكن أصحابها من الأدوات النقدية وعدم استيعابهم لكثير من المفاهيم النقدية التي روجوا لها، ومن ضمنها مفهوم الحداثة والقصيدة المركبة ..الخ..الخ
..وللعلم فإن هولاء شعراء من الطبقة العاشرة أو أقل ، وكأنني بهم في تنظيراتهم وأحاديثهم عن الشعر وحول الشعر يريدون أن يبرروا ما يخربشون من قصائد فيها إساءة للشعر،وصدق من قال:
ندر القريض كأهله وإذا عدد *** ت المدعين له وجدت كثيرا
ورحم الله امرءا عرف قدر نفسه.


ساهم معنا في نشر الموضوع